اليوم 31/10/2018 الساعة 7:45 AM

خاص”محكمة”: القاضي صفا تبطل التعقّبات بحقّ ناشطين في الحراك المدني لأنّ كتاباتهم تعبير عن الرأي/علي الموسوي

7:14 م 31 أكتوبر 2018 | أبرز الأخبار, علم وخبر, ميديا


كتب علي الموسوي:
أصدرت القاضي المنفرد الجزائي في بيروت عبير صفا اليوم حكماً لافتاً للنظر بحقّ خمسة محامين وصحافيين من الناشطين في مجموعات الحراك المدني انتهت فيه إلى إبطال التعقّبات عنهم لجهة الجرائم التي أسندها الادعاء العام لهم، وهي تحقير موظّف عام في معرض القيام بوظيفته، والذمّ به عبر قيامهم بكتابة تعابير مسيئة على بلوكات من الباطون في محلّة الروشة في بيروت، وتخريب إنشاءات معدّة للمنفعة العامة عبر كتابة ورشّ التعابير المسيئة على البلوكات المذكورة، ووضع إعلانات على الأبنية العامة.
وقدّمت صفا تعليلاً منطقياً لهذه الجرائم المحكى عنها ومقدار صحّتها وتوافقها مع القانون، إذ إنّها تندرج في إطار التعبير عن الرأي وحرّية القول المكفولة دستورياً كون بعض العبارات اللاذعة والتي تحمل اتهاماً مباشراً في معناها مثل جملة”انتوا بتسرقوا” لم توجّه إلى شخص محدّد بذاته في السلطة السياسية، بل جاءت مطلقة ومعبّرة عن مرارة الرأي العام من الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية الصعبة في لبنان نتيجة تزايد الضرائب وعدم تقديم خدمات حياتية تخفّف من وطأة هذا الوضع المزري، وهو أمر يطال معظم الشعب اللبناني ولا تقتصر معاناته على مجموعة محدّدة من الناس.
وما فعلته هذه المجموعة من الناشطين هو لسان حال معظم الشعب اللبناني ويتردّد يومياً وبشكل مستمرّ على ألسنة شريحة كبيرة من الناس نتيجة تذمّرهم وضيقهم ممّا آلت إليه الأوضاع العامة، وبالتالي فإنّ صرختهم هذه لا تستدعي محاكمة طالما أنّها لم توجّه لشخص مسؤول بذاته، بل جاءت عامة ومطلقة على الرغم من حدّة معانيها أحياناً كتوجيه اتهام بالسرقة.
أمّا بشأن استخدام بلوكات الباطون لإيصال الرسالة التعبيرية، فلمّ يؤدّ إلى إتلافها وإلحاق الضرر بها وتشويهها وبالتالي ليس هنالك من تخريب واعتداء على الأملاك العامة.

وكان الناشطون الخمسة مروان جرجس معلوف، فؤاد أدولف الدبس، ماتيو ميشال طربيه الحلو، سينتيا عدنان سليمان، ماري جوزيه بيار القزي قد كتبوا شعارات مندّدة بفرض ضرائب على الشعب اللبناني منها: “لا لزيادة الضرائب- من أجل الجمهورية- ما رح ندفع- أيدكن عن جيبتنا- أنتوا بتسرقوا ونحنا مندفع”.
“محكمة” تنشر النصّ الحرفي لهذا الحكم بسبب أهمّيته على صعيد إبداء الرأي وحرية التعبير:

بإسم الشعب اللبناني
إنّ القاضي المنفرد الجزائي في بيروت،
لدى الإطّلاع والتدقيق،
تبيّن أن النيابة العامة الإستئنافية في بيروت ادّعت أمام هذه المحكمة بتاريخ 2016/3/29  في حق المدعى عليهم:
– مروان جرجس معلوف، والدته هيام، مواليد 1983، لبناني الجنسية،
– فؤاد أدولف الدبس، والدته دينا، مواليد 1987، لبناني الجنسية،
– ماتيو ميشال طربيه الحلو، والدته ميرنا، مواليد 1992، لبناني الجنسية، سجل 57/البترون،
– سينتيا عدنان سليمان، والدتها نوال، مواليد 1989، لبنانية الجنسية، سجل 25/عين إبل-حي الدير،
– ماري جوزيه بيار القزي، والدتها دوللي، مواليد 1994، لبنانية الجنسية، سجل 31/علما- الشوف،
ليُحاكموا بمقتضى المواد 383، 385، 386، 730 و751 من قانون العقوبات،
وبنتيجة المحاكمة العلنية الوجاهية، وبعد الإطّلاع على أوراق الدعوى كافة وتلاوتها علنًا،
تبيّن الآتي:
أولاً- في الوقائع:
بتاريخ 2016/2/9 ، وأثناء قيام دورية من فصيلة رأس بيروت بالتجوّل على الكورنيش البحري في منطقة الروشة، شاهدت المدعى عليهم يقومون، بالقرب من مطعم دبيبو، بكتابة الشعارات التالية: “لا لزيادة الضرائب- ما رح ندفع- إيدكن عن جيبنا- انتوا بتسرقوا ونحنا مندفع” على بلوكات من الباطون العمومية بجانب الدرابزين والرصيف المحاذي لجهة البحر، فتمّ تنظيم محضر تحقيق أولي لدى فصيلة رأس بيروت حيث أفاد المدعى عليه مروان معلوف، من حقوقيّي مجموعة من “أجل الجمهورية” بأنه أقدم عند منتصف ليل التاريخ المذكور مع باقي المدعى عليهم، من مجموعة “من أجل الجمهورية” وتعبيرًا عن رفضهم فرض الضرائب على المواطن، على كتابة ورش العبارات المذكورة أعلاه على بلوكات الباطون، وبأنه له الحق في التعبير عن رأيه عبر رش العبارات المذكورة على أملاك الشعب ضد سرقة المال العام من قبل السلطة، وبأن ما قاموا به معروف “بالغرافيتي” وهو من وسائل التعبير،
وأن المدعى عليه فؤاد الدبس، من حقوقييّ مجموعة “من أجل الجمهورية”، أفاد بالتحقيق معه أنه والمدعى عليهم الآخرين أقدموا على كتابة الشعارات السابق ذكرها على أملاك الشعب وأنه يعود لهم التعبير عن رأيهم خاصة في ظلّ ظروف إقتصادية صعبة، في حين أفاد المدعى عليه ماتيو طربيه الحلو بأن ما أقدم عليه وباقي المدعى عليهم لجهة كتابة ورش العبارات المذكورة على بلوكات الباطون كان لمساعدة باقي المدعى عليهم فهو صديق لمجموعة “من أجل الجمهورية” وليس عضوًا فيها،
وأن المدعى عليها سينتيا سليمان أفادت بالتحقيق معها أنها أقدمت وباقي المدعى عليهم على رشّ وكتابة العبارات المذكورة أعلاه على بلوكات الباطون العمومية للتعبير عن رأيها ورأي الشعب بحرية، مالك البلوكات المذكورة، في حين أفادت المدعى عليها ماري جوزيه القزي بأن ما أقدمت عليه مع باقي المدعى عليهم هو مجرد تعبير عن الرأي رفضًا لزيادة الضرائب وبأن بلوكات الباطون مملوكة من الشعب الذي دفع ثمنها،
وأنه في جلسة المحاكمة العلنية المنعقدة بتاريخ 2018/6/7 حضر المدعى عليهما مروان معلوف وفؤاد الدبس ووكيلتهما المحامية رانيا العلم، وحضرت المدعى عليها سينتيا سليمان ووكيلها المحامي نائل قائد بيه، كما حضرت المدعى عليها ماري جوزيه القزي ووكيلها المحامي سامر حمدان، وحضر المدعى عليه ماتيو طربيه الحلو ووكيله المحامي الياس سلامة، وكرّروا إفادتهم الأولية، وأضاف المدعى عليه مروان معلوف بأنهم جميعًا تعاونوا على رش العبارات المذكورة أعلاه على بلوكات الباطون بهدف وحيد وهو رفض ما كانت الحكومة تنوي فرضه من مبلغ يقارب 5000 ل.ل. على صفيحة البنزين خلال أزمة النفايات، وقد تزامن فعلهم مع توجه الحكومة لفرض المبلغ المذكور، ولم يكن هناك من نية للتعرض لأي شخص بالذات من الحكومة بل جاءت التعابير مطلقة وعامة نتيجة ردة فعل على ما صار بيانه أعلاه، في حين أضاف المدعى عليه فؤاد الدبس بأن العبارات التي قاموا برشها على بلوكات الباطون لم تكن تهدف إلى النيل من كرامة أي شخص بالذات بل جاءت عامة تعبيرًا عن الرأي في ظلّ وجود سياسة ضريبية مجحفة، وأضاف المدعى عليه ماتيو الحلو بأن ما قاموا به جاء تعبيرًا عن الرأي دون إرادة النيل من كرامة أي شخص محدّد بالذات، في حين أفادت المدعى عليها سينتيا سليمان بأن رشّ العبارات المذكورة كان للتعبير عن الرأي في مرحلة كان يوجد فيها توجّه من قبل الحكومة لفرض ضرائب معينة ولم يهدفوا إلى النيل من كرامة أحد محدّد بالذات، أما المدعى عليها ماري جوزيه القزي فأفادت بأن ما قاموا به كان تعبيرًا سلميًا عن الرأي في ظلّ توجّه الحكومة إلى فرض ضرائب جديدة، ولم يهدفوا إلى النيل من كرامة أحد معيّن بالذات،
وأن وكيل المدعى عليه ماتيو طربيه الحلو، المحامي إلياس سلامة، ترافع موضحًا أن الجرائم المنسوبة للمدعى عليهم غير متوافرة العناصر الجرمية لا سيما المعنوية منها، فما قاموا به كان مجرد تعبيرًا سلميًا عن الرأي دون توافر نية تحقير أو ذم شخص معيّن، وقد جاء هذا التعبير ضمن سياق زمني يبرّره، طالباً كف التعقبات في حق موكله لعدم توافر العناصر الجرمية وإلاّ وقف تنفيذ العقوبة لوجود ما يبرّر الأفعال الجرمية المنسوبة إليه سندًا للمادة 169 من قانون العقوبات، وطلب باقي المدعى عليهم كف التعقبات في حقهم لعدم توافر العناصر الجرمية وإلاّ إعلان براءتهم وإلاّ منحهم أوسع الأسباب التخفيفية،
وأن المدعى عليها ماري جوزيه القزي تقدّمت، بوكالة المحامي وائل شعيتو، بمذكرة خطية بمثابة مرافعة شفهية، أدلت فيها بأنها صحافية تُعنى بالشأن العام، وما قامت به والمدعى عليهم أي الرسم على الفواصل الإسمنتية تنديدًا بقرار فرض الضرائب يندرج ضمن أساليب التعبير عن الرأي السلمي، دون توافر نية الإعتداء على الأملاك العامة، وبأنه لم يثبت قيامها بتحقير أي موظف عام، وأنه يقتضي لتوافر جرم الذمّ توجيهه إلى شخص معيّن بالذات، وقد كفل الدستور اللبناني في المادة 13 منه حرية التعبير عن الرأي، وطلبت إعلان براءتها وإبطال التعقبات في حقها لعدم توافر العناصر الجرمية واستطرادًا منحها أوسع الأسباب التخفيفية،
وأن المدعى عليه فؤاد الدبس، تقدّم، بوكالة المحامي أدولف الدبس، بمذكرة أدلى فيها أن العناصر الجرمية للجرائم المدعى بها غير متوافرة، فالمادة 13 من الدستور تكفل حرية التعبير عن الرأي قولاً وكتابةً، وكذلك الأمر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 19 منه، وأن حق التجمّع وحمل اليافطات والكتابة أمور تندرج ضمن أساليب التعبير عن الرأي المتاحة للشعوب للمطالبة بحقوقها أو التعبير عن مخاوفها ومشاكلها، وأن الشعارات التي أقدم وباقي المدعى عليهم على كتابتها هي مجرد تعبير عن الرأي لا ينطوي على ذم وتحقير رفضًا للسياسة الضريبية في البلد، ولم تطل أشخاصًا معيّنين بالذات بل وُجّهت إلى السلطة ككل، وبقيت ضمن إطار عمل المجتمع المدني الإحتجاجي السلمي، وأنه لا يجوز الإدعاء في حق المدعى عليهم سندًا للمادة 385 من قانون العقوبات التي تضمّنت تعريفًا للذم دون تحديد عقوبة، ما يوجب عطفها على المادة 386 منه، وبأنه، ولتوافر جرم التحقير يقتضي أن يكون موجّهًا إلى شخص معيّن بالذات، الأمر غير المتوافر في الملف الراهن، فالمدعى عليهم لم يوجهوا العبارات إلى أي شخص حُدّد في المادة 383 المذكورة، الفاقدة لأحد عناصرها في الملف الراهن، وهو عدم علنية الكتابات، أما بالنسبة للمادة 385 من القانون المذكور فما قام به المدعى عليهم لا يعدو عن كونه مجرد اعتراض على حالة إجتماعية وإقتصادية، معبّرًا عن معاناة الشعب، أما عناصر المادة 730 من قانون العقوبات فهي أيضًا غير متوافرة، فبلوكات الباطون ليست من ضمن الأموال المنصوص عنها حصرًا في المادة المذكورة وليست مخصّصة للمنفعة العامة ولا قيمة تاريخية أو تزيينة لها، كما أن نية التخريب غير متوافرة أصلاً، وأن ما قام به المدعى عليهم ليس من شأنه التأثير على أداء المال لوظيفته، كما أن عناصر المادة 751 من قانون العقوبات غير متوافرة العناصر أيضا، وطلب إبطال التعقبات في حقه واستطرادًا منحه أوسع الأسباب التخفيفية، واختُتمت المحاكمة للحكم،
ثانيًا- في الأدلة:
تأيّدت هذه الوقائع بالتالي بيانه:
الإدعاء العام، التحقيقات الأولية، أقوال المدعى عليهم، أوراق الملف كافة ومجريات المحاكمة العلنية،
ثالثًا- في القانون:
حيث إن الإدعاء العام يُسند إلى المدعى عليهم إقدامهم على تحقير موظف عام في معرض القيام بوظيفته كما والذم به عبر قيامهم بكتابة تعابير مسيئة على بلوكات من الباطون في إحدى المناطق اللبنانية، كما وإقدامهم على تخريب إنشاءات معدّة للمنفعة العامة عبر كتابة ورشّ التعابير المسيئة على البلوكات المذكورة، كما ووضع إعلانات على الأبنية العامة، الجرائم المنصوص عنها في المواد 383، 385، 386، 730 و751 من قانون العقوبات، في حين يدفع المدعى عليهم بأن العناصر الجرمية للجرائم المدّعى بها في حقهم غير متوافرة، لأن العبارات التي أقدموا على كتابتها ورشّها على بلوكات الباطون لم توجّه إلى شخص معيّن بالذات بل جاءت عامة تعبيرًا عن رأي سلمي إحتجاجي، ولم تهدف إلى تحقير أي موظف عام بالذات، كما أنها لا تشكّل تخريبًا بالمفهوم القانوني،
وحيث من الثابت من خلال مراجعة محضر التحقيق الأولي المنظّم بتاريخ 2016/2/9 من قبل فصيلة رأس بيروت تحت الرقم 293/302، أن المدعى عليهم لم ينفوا قيامهم برشّ وكتابة العبارات التالية على بلوكات من الباطون، موجودة بمحاذاة الدرابزين والرصيف على الكورنيش البحري في منطقة الروشة،: ” لا لزيادة الضرائب- من أجل الجمهورية- ما رح ندفع- أيدكن عن جيبتنا- أنتوا بتسرقوا ونحنا مندفع”،
وحيث إنه وللقول بنسبة الجرائم المسندة إلى المدعى عليهم لجهة التحقير والذم الموجّه إلى موظف عام وتخريب إنشاءات عامة، يقتضي التطرّق إلى مدى توافر عناصر الجرائم المذكورة من مادية ومعنوية في حق المدعى عليهم في الملف الراهن،

1- في جرميّ التحقير والذم المنصوص عنهما في المواد 383، 385 و386 من قانون العقوبات:
حيث إن العنصر المادي في كلّ من جريمة التحقير والذمّ يتمثّل في سلوك يصدر عن المدعى عليه يقوم بموجبه بنسبة أمر إلى شخص معيّن بالذات، ومن شأن هذا الأمر أن ينال من شرف هذا الشخص وكرامته بين أهله ومجتمعه وبيئته، ويُقصد به تحقير الشخص الموّجهة إليه التعابير المذكورة،
وحيث إن العنصر المعنوي في كلّ من الجرميْن المذكوريّن يتوافر في كلّ مرّة يكون فيها القصد الجرمي واضحًا أي الإرادة الصريحة متوافرة للنيل من شرف وكرامة الشخص الواقع عليه الفعل الجرمي، أو القصد في ازدرائه،
وحيث، وبالعودة إلى وقائع الملف الثابتة، ووفقًا لما جاء في مضمون إفادة المدعى عليهم التلقائية خلال مرحلة التحقيق الأولي، والتي جاءت متطابقة ومتجانسة مع تلك التي أدلوا بها خلال جلسة استجوابهم أمام هذه المحكمة، فإنه من الثابت أن العبارات التي أقدم المدعى عليهم كافة، وبالتعاون في ما بينهم، على كتابتها ورشّها على بلوكات الباطون الموجودة بمحاذاة الدرابزين والرصيف على الكورنيش البحري في منطقة الروشة، جاءت عامة ومُطلقة خُصّص توجيهها إلى السلطة العامة ككلّ ولم يُعنَ توجيهها إلى موظف عام سُمّي بشخصه وحُدّد بذاته، وبالتالي فإن صدورها عنهم كتابةً ورشًّا على بلوكات من الباطون، لا يعدو عن كونه مجرّد تعبير عن حرية إبداء الرأي التي كفلها الدستور اللبناني في المادة 13 منه، وبالتالي ممارسةً لهذا الحق عبر وسيلة سلمية إحتجاجية تطال مسائل يومية حياتية تعبّر عن معاناة الشعب اللبناني في مختلف المناطق اللبنانية الإقتصادية والإجتماعية منها، في ظلّ ظروف صعبة غير خافية على أحد، وأن هذه المحكمة ترى أن هذه العبارات التي كُتبت ورُشّت على بلوكات الباطون، وإن كانت عبارة “أنتوا بتسرقوا” قد جاءت بشكل صريح، مباشر وقاسٍ إلى حدّ ما، إلاّ أنها كانت وليدة واقع الحال الإقتصادي والإجتماعي السائد في البلد، وقد صدرت عن المدعى عليهم، الذين ينتمون إلى مجموعة الحراك المدني- ومنهم محاميّيْن وصحافية يدخل ضمن اهتمامهم اليومي العام نقل الواقع والإستياء العام والتعبير عنه- أي عن أشخاص ناشطين إجتماعيًا،
وحيث إن العنصر المعنوي لجرميّ التحقير والذمّ يبقى غير متوافر في الملف الراهن، إن لعدم توجيه العبارات المشكو منها إلى شخص معيّن بالذات، وإن لعدم توافر قصد النيل من كرامة أحد بشخصه، بل إن ما أقدم عليه المدعى عليهم جاء كردّة فعل عفوية من قبلهم على توجّه السلطة العامة لفرض المزيد من الضرائب في وقت يرزح فيه المواطنون تحت وطأة الضائقة الإقتصادية المتفاقمة، وأنه أضحى من الثابت لهذه المحكمة أن الهدف الوحيد من قيام المدعى عليهم بكتابة التعابير على بلوكات الباطون جاء فقط تعبيرًا سلميًا إحتجاجيًا عن حالة الإستياء العامة السائدة في البلد بالنسبة للأزمة الإقتصادية،
وحيث والحال ما ذُكر، وفي ضوء انتفاء الركن المعنوي لجرميّ التحقير والذمّ المُسنديْن إلى المدعى عليهم، تغدو عناصر الجرائم المذكورة غير متوافرة في حقهم، ما يوجب معه إبطال التعقبات المساقة في حقهم، وفقًا للتعليل المذكور أعلاه،

2- في جرم التخريب المنصوص عنه في المادة 730 من قانون العقوبات:
حيث إن المادة 730 المذكورة نصّت على أنه: “كلّ من هدم أو خرب قصدًا الأبنية والأنصاب التذكارية والتماثيل أو غيرها من الإنشاءات المعدّة لمنفعة الجمهور أو للزينة العامة عوقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من مئة ألف إلى ستماية ألف ل.ل.”،
وحيث إنه، وبصرف النظر عمّا إذا كانت بلوكات الباطون الموجودة بمحاذاة الدابزين وعلى الرصيف للكورنيش البحري، تندرج ضمن التعداد الوارد في المادة 730 المذكورة أي ضمن الإنشاءات العامة المعدّة لمنفعة الجمهور، فإنه من الثابت من خلال ما صار بيانه أعلاه، أن العنصر المعنوي لجرم التخريب المنصوص عنه في المادة 730 المذكورة غير متوافر في الملف الراهن، إذ ثبُت لهذه المحكمة أن الهدف من إقدام المدعى عليهم على كتابة الشعارات المشكو منها على بلوكات الباطون كان لإيصال رسالة معينة إلى السلطة العامة، تتمثّل برفض توجّهها إلى فرض المزيد من الضرائب، وأنه لم يكن الهدف من قيامهم من الأعمال المشكو منها تعييب أو إتلاف البلوكات المذكورة أو إلحاق الضرر بها بهدف تخريبها وفقًا لمفهومه القانوني المنصوص عنه في المادة المذكورة، ما يوجب معه والحال ما ذُكر، وفي ضوء ثبوت انتفاء النية الجرمية أي العنصر المعنوي لجريمة التخريب، إبطال التعقبات المساقة في حق المدعى عليهم بالنسبة للجرم المنصوص عنه في المادة 730 المذكورة،

3- في الجرم المنصوص عنه في المادة 751 من قانون العقوبات:
حيث إن الإدعاء العام يُسند إلى المدعى عليهم إرتكابهم الجرم المنصوص عنه في المادة 751 المذكورة والتي نصّت على أنه: “يعاقب بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين من… وضع إعلانات على الأنصاب التاريخية والأبنية العامة والمقابر والأبنية المعدة للعبادة”،
وحيث وبالعودة إلى الوقائع الثابتة في الملف، فإنه من الثابت أن إقدام المدعى عليهم على كتابة الشعارات الوارد ذكرها أعلاه على بلوكات الباطون، لا يندرج ضمن مفهوم الفقرة السابعة من المادة 751 المذكورة إذ إنّه لم يأتِ ضمن إطار تسويقي، إعلاني بالمفهوم الوارد في المادة المذكورة، بل أضحى من الثابت وفقًا لما جاء بيانه أعلاه أن الهدف منه فقط كان تعبيرًا عن الرأي بطريقة سلمية لمعاناة الشعب اللبناني الإقتصادية والإجتماعية، ولا يعدو عن كونه مجرّد وسيلة لإيصال هذه الرسالة الإحتجاجية دون أن يتخطاها لما ورد في المادة 751 المذكورة، ما يوجب معه بالتالي إبطال التعقبات المساقة في حق المدعى عليهم بالنسبة للجرم المنصوص عنه في المادة 751 المذكورة لانتفاء عناصرها الجرمية،
وحيث إنه وبعد النتيجة التي توصّلت إليها هذه المحكمة، لم يعُد من داعٍ لبحث سائر ما زاد أو خالف،
لذلك،
وسندًا لأحكام المادة 198 من قانون أصول المحاكمات الجزائية،
يحكم:
أولاً- بإبطال التعقبات المساقة في حق المدعى عليهم فؤاد أدولف الدبس، مروان جرجس معلوف، ماتيو ميشال طربيه الحلو، سينتيا عدنان سليمان وماري جوزيه بيار القزي، المبينة كامل هوية كلّ منهم أعلاه، بالنسبة للجنح المنصوص عليها في المواد 383، 385، 386، 730 و751 من قانون العقوبات.
ثانيًا- بحفظ النفقات كافة.
حكمًا وجاهيًا في حق المدعى عليهم يقبل الإستئناف صدر وأفهم علنًا في بيروت بتاريخ 2018/10/31 .
“محكمة” – الأربعاء في 2018/10/31
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يرجى الإكتفاء بنسخ جزء من الخبر وبما لا يزيد عن 20% من مضمونه، مع ضرورة ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

رفعاً للمسؤولية فإنّ أيّ تعليق يمثّل رأي صاحبه وكاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع والمجلة.