اليوم 03/12/2018 الساعة 1:39 AM

خاص”محكمة”:الرائد أيمن مشموشي والرئيس ميقاتي سبقا روكز في المطالبة بتعويض الموقوفين احتياطياً/علي الموسوي

9:24 ص 3 ديسمبر 2018 | أبرز الأخبار, علم وخبر, ميديا


كتب علي الموسوي:
إذا كان التوقيف الاحتياطي ضرورياً وموجباً إلزامياً في بعض الجرائم صوناً لحقوق المجتمع والناس المعنيين بها، إلاّ أنّه لا يخلو من تجاوزات بألوان مختلفة في مدّته الزمنية تعكّر الغاية منه وتصل في بعض الأحيان إلى ضرب مبدأ قرينة البراءة التي يفترض أن يتمتّع بها كلّ مدعى عليه موقوف بحسب معطيات الملفّ المحال به على الجهات القضائية المختصة، إلى حين صدور القرار أو الحكم المناسب بالإدانة والتجريم، أو منع المحاكمة، أو البراءة وإبطال التعقّبات.
ولا شكّ أنّ البريء بموجب حكم معلّل أو الممنوعة عنه المحاكمة نتيجة قرار ظنّي، هو المتضرّر من التوقيف الاحتياطي، لذلك لا بدّ من إيجاد معالجة قانونية منطقية لهذه الحالة الدقيقة جدّاً تحفظ الخيط السحري بين التوقيف الاحتياطي وحيثيات اللجوء إليه، وإمكانية البراءة اللاحقة، وتحول دون تحوّل التوقيف إلى تعسف مقونن، أو ممارسته بطريقة تمسّ بكيان العدالة الحقّة.
وهناك حالات كثيرة عن خروج أصحابها من الدعاوى المحالين بها متوجّين بأحكام البراءة، غير أنّهم صرفوا جزءاً من حياتهم وأعمارهم خلف القضبان بسبب توقيفهم اعتباطياً تحت مسمّى التوقيف الاحتياطي، ليبقى السؤال الجوهري من يردّ لهم اعتبارهم الإنساني والذي لا يمكن للمال أن يحدّد قيمته الفعلية خصوصاً إذا ما ترافق احتجازهم إدارياً لدى الأجهزة الأمنية أو توقيفهم لدى القضاء، مع تأثيرات نفسية عميقة وليست جانبية تصعب مداواتها مع مرور الأيّام؟
خطأ الممارسة
وليس سرّاً القول إنّ هناك أحكاماً في تعاطي المخدّرات مثلاً، تجاوزت العقوبة المنصوص عليها قانوناً، لأنّ إحالة أصحابها في الأصل على المحاكمة أرفقت بتهمة أخرى تتعلّق بترويج المخدّرات( سيجارتان بحوزة المتعاطي تعني ترويجاً برأي النيابة العامة)، ليتبيّن من مجريات المحاكمة لاحقاً عدم صحّتها، فتُقْدم محكمة الجنايات على تغطية خطئها بممارسة التوقيف الاحتياطي، برفع قيمة الغرامة المالية لجنحة تعاطي المخدّرات بحيث توازي الفترة التي أمضاها السجين موقوفاً.
وإذا كانت فرنسا تتيح للإنسان الصادر بحقّه قرار نهائي بمنع المحاكمة أو حكم براءة أو إبطال تعقّبات، اللجوء إلى مقاضاة المتسبّبين بتوقيفه احتياطياً والمطالبة بتعويض يعيد إليه اعتباره ويرفع عن كاهله أثقال الضرر المعنوي والمادي (المادة 149 من قانون أصول المحاكمات الجزائي الفرنسي)، إلاّ أن هذا الأمر غير معمول به في لبنان لأسباب مختلفة، منها رفض فكرة تقييد الضابطة العدلية والتقليل من صلاحياتها، وعدم توافر الإمكانيات المالية اللازمة لدى الدولة لتسديد هذا التعويض، مع الإشارة هنا إلى صدور قرارات عن مجلس شورى الدولة مثلاً تقضي بإلزامات مادية لأصحاب الشأن في مراجعات جاءت نتيجتها لمصلحتهم، وجرى تجاهلها لعدم القدرة على التنفيذ، أو الذهاب بعيداً في سلوك طريق المماطلة في دفعها، فتبقى معلّقة لإيجاد مخرج ما قد تكون “واسطة” مع نسبة من المبلغ المرقوم للنافذين وما أكثرهم! فكيف يكون الأمر مع تعويض شخص على توقيفه من دون وجه حقّ!
ومع أنّ لبنان رضع الكثير من قوانينه وتشريعاته من “أمّه الحنون” فرنسا، إلاّ أنّه عجز عن مجاراتها في مسألة تعويض المتضرّرين من هذا التوقيف الاحتياطي، لذلك كانت دعوات إلى قوننة هذا التعويض بحيث يصبح هو الآخر إلزامياً لعلّه يحدّ من تصرّفات قضائية غير قانونية تناهز سقف التعسف في استخدام التوقيف نزولاً عند رغبات سياسية وأهواء تتعارض ومبدأ المساواة أمام القانون، ومبدأ إحقاق الحقّ.
لبنان والمواثيق الدولية
والتعويض ليس قصاصاً للدولة أو تحدياً للقضاة وأفراد الضابطة العدلية أو أيّ أحد آخر، بل هو دعوة مسبقة للمعنيين بالتروي قبل المبادرة إلى التوقيف ومواصلة حياكته في تعدّ صارخ على حرّية الإنسان، فالموضوع دقيق وحسّاس ويمسّ سمعة الدولة عالمياً خصوصاً وأنّ لبنان معترف باتفاقيات ومعاهدات وقوانين عربية ودولية كثيرة تحجب أيّ تمادٍ في اللجوء إلى التوقيف الاحتياطي بما يتجاوز الغاية منه، لا بل إنّ بعض هذه الاتفاقيات تحثّ على ضرورة تعويض المتضرّر من توقيفه الاعتباطي، فالفقرة الخامسة من المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي انضمّ لبنان إليها بموجب المرسوم رقم 3855 تاريخ الأوّل من أيلول 1972، تنصّ على حقّ كلّ إنسان يتعرّض للقبض والاعتقال بشكل غير قانوني، بنيل تعويض.
كما أنّ الميثاق العربي لحقوق الإنسان نصّ في الفقرة السابعة من مادته الرابعة عشرة، والفقرة الثانية من مادته التاسعة عشرة، على حقّ حصول ضحية التوقيف غير القانوني، على تعويض مشروع.
مشموشي وميقاتي سبقا روكز
وقدّم النائب شامل روكز اقتراح قانون يتعلّق بالتعويض عن التوقيف لم يكن الأوّل من نوعه في هذا المضمار، إذ سبق لرئيس الحكومة الأسبق النائب نجيب ميقاتي أن قدّم اقتراحاً مماثلاً بالاستناد إلى ما ساقه الرائد أيمن مشموشي وهو حائز على دكتوراه في القانون، في أطروحته الجامعية “حجز الحرّية كإجراء تحقيقي بمواجهة حقوق الإنسان” (دراسة مقارنة مع القانون الفرنسي وبعض التشريعات العربية الحديثة والقانون الدولي) والتي صدرت ضمن كتاب في العام 2017.
وفي ظلّ عدم وجود قانون يحمي الانسان في لبنان من إمكانية الاعتداء على كرامته واستباحة انسانيته في بعض مسارات التحقيق والمحاكمة القضائية، ما لم ينتصر له قاض مفعم بالكرامة لينجده من التعسف المستعمل في توقيفه لا ليجلده باستمرار توقيفه احتياطياً، إنبرى الرائد أيمن مشموشي إلى المطالبة في أطروحته الجامعية المذكورة والمنشورة بوجوب “تعويض الشخص عن حجز الحرّية الحاصل دون خطأ من الضابطة العدلية أو القضاء لأنّه لا يمسّ عملهما باعتبار أنّ التعويض مفروض على الدولة”.
وقدّم مشموشي آلية محدّدة لمسألة التعويض ووضع شروطاً شكلية وموضوعية لما أسماه”دعوى التعويض عن التوقيف التعسفي”، بدءاً من ضرورة إبلاغ الموقوف فور الإفراج عنه بحقّه في المطالبة بهذا التعويض، والمسارعة إلى تقديم دعواه بموجب استحضار بوجه الدولة اللبنانية خلال مهلة زمنية محدّدة من تاريخ صدور قرار بمنع المحاكمة، أو من تاريخ صيرورة الحكم بكفّ التعقّبات أو البراءة قطعياً، وذلك أمام رئيس محكمة مختصة بدعاوى التعويض عن التوقيف الخاطئ، على أن يضمّنها سطوراً عمّا حصل معه والملفّ الذي لوحق على أساسه واسم القاضي أو المحكمة وقيمة التعويض المطالب به على أن تكون دعوى التعويض هذه معفية من الرسوم، ثمّ تسلك الطرق القانونية المعتادة من حيث إبلاغ الدولة واستلام جوابها خلال مهلة زمنية محدّدة وتبادل اللوائح بين المدعي والمدعى عليها إذا لزم الأمر، وصولاً إلى إقرار قيمة التعويض بمقدار ما نال من ضرر.
ومن يطلع على اقتراح قانون روكز واقتراحات مشموشي، يجد الكثير من توارد الأفكار بينهما، مع أنّ الثاني سبق الأوّل بأكثر من سنة ليس في الحديث عن أهمّية تعويض المتضرّر من التوقيف الخاطئ وحسب، بل في رسم منهجية معيّنة لمقاضاة الدولة ومطالبتها بالتعويض والمهلة الزمنية المفترض تقديرها صوناً للحقّ والكرامة الإنسانية وتعزيزاً لدور الدولة وحضورها في ذهن الرأي العام.
وما لبث الرئيس نجيب ميقاتي أن تبنّى اقتراح القانون الموجود في كتاب مشموشي وقدّمه للمجلس النيابي بهدف العمل على إقراره، ليصبح لدى هذا المجلس اقتراحان من ميقاتي وروكز، على أمل أن يبصر مضمونهما الهام النور في المدى المنظور.
“محكمة” – الاثنين في 2018/12/3

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

رفعاً للمسؤولية فإنّ أيّ تعليق يمثّل رأي صاحبه وكاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع والمجلة.