اليوم 07/02/2019 الساعة 5:39 AM

خاص”محكمة”: حصانة المحامي وشروط المحاكمة العادلة/عباس دبوق

12:40 م 7 فبراير 2019 | أبرز الأخبار, مقالات


المحامي الدكتور عباس دبوق:
يشهد قصر العدل من حين إلى آخر، محاكمات لبعض المحامين بعدما ينسب إليهم ارتكابهم لأفعال جرمية تمّ تكييفها بأنّها خارجة عن ممارسة المهنة أو بمعرضها كحالة المحامي أثناء تنقّله من مكتبه إلى قصر العدل فيتعرّض للضرب والشتم والأذية وعندما يغضب ويعاتب ويعبّر عن رفضه للمنزلق الذي وصلت إليه القيم وفقدان الاحترام يحال إلى المحاكمة بجرم الذم والقدح وغير ذلك.
وفي بعض الاحوال، تنتهك كرامة المحامي وحقه في الحماية المستمدة من الحصانة التى تنص عليها اغلب الدول في قوانينها لاهميتها في انعقاد المحاكمة العادلة وحفظ حق الدفاع للمتقاضين لغاية تحقيق العدالة المنشودة من النظام القضائي.
لذا، فإنّ المحاماة مهنة تهدف إلى تحقيق رسالة العدالة عبر إبداء الرأي القانوني والدفاع عن الحقوق وهي تسهم في تنفيذ الخدمة العامة (المادتان الاولى والثانية من قانون تنظيم مهنة المحاماة). فهي صوت الحقّ في هذه الامة. هي رسالة ينهض بها المحامون فرسان الحق والكلمة الهادرة يخوضون بمركبتهم الغمار بلباس الشرف والاستقامة والنزاهة في جميع اعمالهم. يحملون راية العدل في صدق وامانة وذمة. يناصرون الحق ويزيحون الظلم متوسلون الدفاع عن حياة الانسان وعن حريته وكرامته وعرضه وماله ، وهي في حد ذاتها رسالة إنسانية سامية تستمد هذا المعنى الجليل من غايتها ونهجها.
إنّ هدف المحامي الحق والعدل والانسان، فهو يحمل امانته معتصراً في ضميره اوجاع وآلام وهموم الناس، يناضل لاجلهم معرّضاً مصالحه وحريته للخطر احيانا، لكنه يبقى رائعاً شامخاً يكافح من اجل الحق الذي ينشده.
ولأنّ المحاماة رسالة بمهام ضخمة استلزمت ان يحظى المحامي بحصانة.
لماذا الحصانة؟
لأنّها تشبه حصانة القاضي. اليس حصانة القاضي تعتبر اهم ركيزة من ركائز استقلال القضاء وحريته ونزاهته واستقلال القضاء هو العامود الفقري للعدالة، فلو افترضنا ان القاضي يخشى من الملاحقة القضائية والاعتقال والمساءلة جراء اجتهاده ورأيه في القضية التي يقضي فيها، فكيف سيكون حال القضاء بعدها؟ لا شك ان القضاء سيفقد في هذه الحالة أحد اهم ركائز العدالة والنزاهة. وهكذا المحامي فهو يقوم بدور الدفاع عن حقوق المواطنين في المحاكم ولاجل ذلك يتمتع بالحصانة نفسها التى تعطى للقاضي في نظره القضية، وهي تنعقد للمحامي في ادلائه دفاعه في القضية وعند ممارستها. وهذا تأكيد المؤكد وقد نصت عليه المادة 76 من قانون تنظيم مهنة المحاماة “كل جرم يقع على محامٍ في أثناء ممارسته مهنته أو بسبب هذه الممارسة، يعرّض الفاعل والمشترك والمتدخل والمحرّض للعقوبة نفسها التي يعاقب عليها عند وقوع الجرم على قاضٍ…
وهذا المبدأ قديم وموجود في اغلب ديمقراطيات العالم الحديث ويسمى في بريطانيا The Doctrine of Advocates Immunity اي مبدأ حصانة المدافعين وهم المحامون، والحصانة التي يتمتع بها المحامون ليس لأنهم يتعرضون لعدم الاحترام، وإنما لسمو وطبيعة ما يمارسونه ويقدمونه من خدمة عامة للمجتمع والانسان وهي حصانة للعدالة ذاتها لان النهوض بها عبء جسيم يجب ان يتوفر لحملة رايتها ما يقدرون به ان يؤدوا الرسالة في أمان وبلا وجل وبلا عوائق .
فإذن، الباعث على حصانة المحامي يتصل بهيبة المحاماة ومكانتها وبالسر المهني الذي يسكن ضمير المحامي وقاعدة الحصانة موجودة في أغلب دول العالم المتقدم بل تجاوز عمر هذا القاعدة في بريطانيا مثلا أكثر من 200 عام وقد ارساها الاجتهاد القضائي الفرنسي بدون نص.
وحصانة المحامي تتسق اتساقاً وثيقاً بمعايير المحاكمة العادلة التى تستوجب توفر جملة من الشروط بعضها يتعلق باستقلالية القضاء وبظروف سير المحاكمة والبعض الآخر يرتبط بالوضعية القانونية والواقعية للدفاع، أيّ مدى توافر جملة من الضمانات التي تسمح للمحامي بان يضطلع بدوره في الدفاع على الوجه الأكمل.
وفي إطار هذه الضمانات الممنوحة للمحامي أتت مسالة الحصانة باعتبارها احد أهم الآليات التي تعزز موقع المحامي، وتضمن إلى حد بعيد توفر شروط المحاكمة العادلة.
وقد أوجبتها المواثيق الدولية، فنجد أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد نصّ في المادة العاشرة منه على أنّه “لكلّ إنسان على قدم المساواة مع الآخرين الحقّ أن تنظر في قضيته محكمة مستقلة ومحايدة نظراً منصفاً وعلنيا للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أيّة تهمة جزائية توجّه إليه”.
كما جاء في المادة الحادية عشرة أنّ” كلّ شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن يثبت ارتكابه لها قانوناً في محاكمة علنية تكون قد وفّرت له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه”.
وكذلك نجد في هذا الصدد، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فنصّت المادة 14 منه على أنّ”من حقّ كلّ فرد أن تكون قضيته محلّ نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلّة حيادية منشأة بحكم القانون، كما أنّ من حقّ كلّ محتجز أن يحاكم حضورياً وأن يدافع عن نفسه بشخصه أو بواسطة محام من اختياره.
وفي لبنان خص المشرع اللبناني المحامي والمحاماة بعدد من الحصانات والامتيازات يتمتع بها بموجب قانون تنظيم مهنة المحاماة من المادة 74 الى المادة 79 منه .
“محكمة” – الخميس في 2019/2/7

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

رفعاً للمسؤولية فإنّ أيّ تعليق يمثّل رأي صاحبه وكاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع والمجلة.