اليوم 16/05/2019 الساعة 1:07 AM

وداعاً معلّمي وأستاذي حافظ جابر/جاد طعمه

11:02 ص 16 مايو 2019 | الأخبار, مقالات


المحامي جاد طعمه:
عند رحيل الكبار تقف الكلمات في الحلق، تصطدم بغصّة الحزن، فيتلعثم الفصيح ويصبح سيّد المنابر أبكماً حائراً ضائعاً تخذله اللغة والمفردات والحروف.
عند رحيل الكبار يهتزّ الهيكل، وقد أبى شهر أيّار إلاّ أن يخطف قامات من صرحنا النقابي .. من خامة الكبار والأكابر .. من القماشة النادرة جدّاً في أيّام القحط الأخلاقي والحضيض المهني.
ثمّة من يدخل الصرح النقابي صغيراً ويخرج صغيراً.
ثمّة من يدخله كبيراً ويخرج صغيراً …
وتبقى قلّة قليلة تدخل الصرح كبيرة وتخرج كبيرة مع تاريخ ناصع ومشرّف، ويشهد لهذه القلّة الجميع.
الكبار لا يرحلون لأنّهم يبقون القدوة والعلامة الفارقة والمثل الأعلى.
لقد عرفت تلك القامة العملاقة عن قرب ولمدّة شهرين متتابعين في بداية مشواري النقابي حين كان عودي المهني طرياً جدّاً، نهاية العام ٢٠٠٠.
شهران أمضيتهما في مكتب الأستاذ حافظ جابر، أصول معه وأجول في قصور العدل، متعلّماً أصول اللياقات في التعاطي الحسن بين الزملاء كما أصول التعاطي مع القضاة على قاعدة العلاقة الندية دون إغفال طريقة المراجعات في الأقلام حيث يحافظ المحامي على مكانته … كنت قد قدّمت أوراقي للإنتساب إلى النقابة على أمل أن يكون مدرّجي ومعلّمي … لم تشأ الأقدار أن تتاح لي تلك الفرصة للتدرّج على إسمه، فقد تأخّر انتقال ولي العهد، خير خلف، العزيز الدكتور طلال إلى الجدول العام لعدم فتح دورة لإنتقاله في حينه .. وأبى الأستاذ حافظ جابر أن أخسر وقتي منتظراً لأنّه يعلم قيمة الوقت الذي إن لم نقطعه قطعنا … لكنّه بقي متابعاً لمسيرتي، مطمئناً على أنّني أمين على وصاياه المهنية العديدة ومنها:
أنّ الجرأة من دون موضوعية تصبح تهوّراً …
وأنّ المعرفة القانونية التي لا ترافقها الهيبة تصبح مهانة …
وأنّ من لا يستعمل الحكمة في الصغيرة والكبيرة يقدّم لمبغضيه الهدايا المجانية …
قلّة هم الذين كانت عيوني تبحث عنهم في أروقة قصور العدل لابتداع اللقاء بهم صدفة … كان ذلك دأبي مع معلّمي حافظ جابر … قلّة هم الذين كنت أحبّ أن أخبرهم عن إنجازاتي المهنية والشخصية لأسمع منهم الثناء والإطراء الناتج عن المحبّة والإحترام الصادقين.
من لم يعرف الأستاذ حافظ جابر عن قرب قد يعتبرني من المغالين في هذا السرد، لكنّي لست كذلك، فمن يعرفني جيّداً يعلم يقيناً أنّي لا أتملّق أحداً … ويعلم أنّ كلّ ما ذكرت لا يوفي تلك القامة الوطنية العالية جدّاً حقّها.
لقد ذكر إسمك أمامي آخر مرّة خلال زيارتي مؤخّراً للنقيب السابق الأستاذ نهاد جبر في مكتبه، وعلمت يومها أنّك كنت قد تواصلت معه وتركت لديه وبعهدته “وصية مهنية” لحزنك وألمك على حال صرحنا النقابي … فالنقابة والمهنة لطالما كانتا أولى الأولويات في وجدانك وضميرك.
برحيلك أستاذي … تخسر المهنة فارساً نبيلاً من فرسان المحاماة، ويبقى أنّني أحسدك على تاريخ لا غبار عليه … ومحبّة تجمعنا جميعاً حول ذكراك … وإستمرارية لا بدّ وأنّها ستدوم مع حاملي الشعلة العزيزين طلال وعمر … وسأحاول أن أبقى بقدر استطاعتي أميناً دوماً على وصاياك المهنية، محاولاً أن أرحل في يوم من الأيّام مثلك، وأنا أحمل تجربة مهنية ترفع الرأس بين الزميلات والزملاء.
“محكمة” – الخميس في 2019/5/16

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

رفعاً للمسؤولية فإنّ أيّ تعليق يمثّل رأي صاحبه وكاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع والمجلة.