أيّ مفاعيل لإحالة النيابة العامة المالية ملفّ الإدعاء على وزراء أمام المجلس الأعلى؟/عصام اسماعيل

0

الدكتور عصام نعمة إسماعيل:
تناقلت وسائل الإعلام خبراً عن توجيه النائب العام المالي في لبنان القاضي علي إبراهيم تهماً بهدر واختلاس المال العام لثلاثة وزراء اتصالات سابقين، وأحال أوراق الادعاء على المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. ما يطرح التساؤل حول قانونية الخطوة التي أقدمت عليها النيابة العامة المالية.
أوّلاً: في القانون
لم يتضمّن الدستور اللبناني أيّ نصٍّ حول الإدعاء على الوزراء، وإنّما اقتصرت المادة 70 من الدستور لمنح صلاحية اتهام الوزير لمجلس النوّاب حيث نصّت هذه المادة على أنه:" لمجلس النوّاب أن يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى أو باخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم ولا يجوز أن يصدر قرار الاتهام إلاّ بغالبية الثلثين من مجموع أعضاء المجلس. ويحدّد قانون خاص شروط مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء الحقوقية".
ولما صدر قانون أصول المحاكمات أمام المجلس الأعلى رقم 13 تاريخ 1990/8/18 فإنّه ميّز بين الإدعاء وسمّاه تقديم طلب الاتهام، وبين الاتهام، فنصّت المادة 18 من هذا القانون أنّ للمجلس النيابي أن يتهم رؤساء الحكومة والوزراء، ثمّ حدّدت المادة 19 كيفية الإدعاء:"يقدَّم طلب الاتهام بموجب عريضة يوقّع عليها خمس (5/1) أعضاء المجلس النيابي على الأقلّ. وما يؤكّد أنّ طلب الاتهام هو ادعاء، ما ورد في المواد 31 إلى 34 من هذا القانون، حيث أجازت المادة 31 لكلّ من الادعاء والدفاع أن يطلب دعوة الشهود، وبالاستناد إلى المادة 32 فإنّه بعد انتهاء التحقيق يكون للادعاء تنظيم مطالعته الخطّية، وفرضت المادة 33 على لجنة التحقيق تبليغ نسخة عن التقرير إلى ممثّل الادعاء، وقبل توجيه الاتهام للوزير أوجبت المادة 34 على مجلس النوّاب أن يستمع إلى التقرير والى مرافعتي الادعاء والدفاع (والمقصود بالإدعاء في هذه المواد: النوّاب الموقّعون على طلب الاتهام).
وأمّا الاتهام والإحالة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، فهي صلاحية مجلس النوّاب، وذلك تطبيقاً للمادة 70 من الدستور ، والمادتين 34 و35 من القانون 90/13، حيث تنصّ الفقرة الثانية من المادة 34 على أن:"يتمّ التصويت بالاقتراع السرّي على الاتهام بغالبية ثلثي مجموع أعضاء المجلس"، كما تنصّ المادة 35 على أنّه:"عندما يصدر قرار الاتهام عن المجلس النيابي، يرفع رئيس المجلس القضية فوراً إلى المجلس الأعلى بموجب إحالة يبلغها إلى كلّ من رئيس المجلس الأعلى وإلى النائب العام لديه، ويبلغ المتهم أو المتهمين قرار الاتهام. تتضمّن الاحالة إلى المجلس الأعلى نصّ قرار الاتهام الذي اتخذه المجلس النيابي وملفّ التحقيق".
واستناداً إلى النصّ الواضح، فإنّ صلاحية إحالة الإدعاء على وزير أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء هي لمجلس النوّاب، ولا يمكن لهذا المجلس أن يضع يده على الملفّ الذي يرده بخلاف هذه الأصول المقرّرة في القانون.
ثانياً: وجود سابقة حول إحالة ملفّ إدعاء إلى مجلس النوّاب
سبق أن طرحت إشكالية حول إحالة ملف الوزير المتهم من النيابة العامة إلى مجلس النوّاب، فبتاريخ 2003/10/23، أودعت النيابة العامة رئيس مجلس النواب صورة طبق الأصل من ملفي الوزير فؤاد السنيورة في قضية محرقة برج حمود، والوزير السابق شاهيه برسوميان في قضية بيع الرواسب النفطية. وأدلى المدعي العام التمييزي بأنّ هذه الخطوة جاءت بعدما قرّرت الهيئة العامة في محكمة التمييز في قضيّة السنيورة، ومحكمة الجنايات في بيروت في قضية برسوميان، إعلان عدم صلاحية القضاء العدلي للنظر في الإجراءات المسندة إلى كلّ منهما باعتبار أنّ الأفعال المنسوبة إلى كلّ منهما متعلّقة بالواجبات المترتّبة عليهما بالمعنى المقصود في المادة 70 من الدستور بما يولي المجلس النيابي اختصاص الملاحقة، والمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء أمر المحاكمة بموجبه. ولفت المدعي العام التمييزي إلى أنّ إيداع الملفّين جاء بعد اكتمال عقد المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء بملء الشواغر القضائية والنيابية وأداء اليمين الدستورية، وكذلك لقطع مرور الزمن في ملفّ السنيورة، وتفريق ملفّ الملاحقين في قضيّة الرواسب النفطية أمام محكمة الجنايات عن برسوميان بعدما تقدّم وكيلهم بدفعٍ شكلي يطلب فيه ضمّ الدعويين للتلازم ليكونا من صلاحية المجلس الأعلى (جريدة المستقبل تاريخ 2003/11/5).
وبسبب غياب الآلية التي تُبيِّن طريقة تحريك الإدعاء أمام المجلس الأعلى، كانت الخطوة التي اعتمدتها النيابة العامة التمييزية بإحالة ملفّي السنيورة وبرسوميان إلى المجلس النيابي محلاً لتحليلات سياسية وقانونية عديدة بين مؤيّدٍ ومعارض، (وما يلفت أنّ إحالة النائب العام المالي لم تثر أيّ اهتمام قانوني يتناسب مع هذه الخطوة).
بخصوص الإحالة القديمة رأى الراحل ادمون نعيم أنّ على مجلس النوّاب إحالة الملفّ على المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء أو إعادته إلى القضاء العدلي ولا يحقّ له حفظ الملفّ. فقد صدرت أحكام عن القضاء بعدم اختصاص القضاء العدلي في النظر بملفّي الوزيرين السنيورة وبرسوميان ونامت، مع أنّ هناك واجبات خصوصاً على النيابة العامة التمييزية، بإحالة الملفّين على المجلس النيابي. وهناك تقصير من النيابة العامة في عدم إحالة هذا الملفّ قبل هذا الوقت، علماً أنّ مهلة إحالته تبدأ من صيرورة القرار العدلي بعدم الاختصاص نافذاً (جريدة النهار 2003/11/6)،
وأدلى يومها عضو "المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء"، رئيس لجنة الادارة والعدل النائب مخايل الضاهر بتصريحٍ جاء فيه:" إنّ إحالة ملفّ وزير المال فؤاد السنيورة والوزير السابق شاهيه برسوميان من النيابة العامة التمييزية على المجلس النيابي، لا علاقة لها إطلاقاً بأيّ آلية تتعلّق بملاحقة الوزيرين، لأنّ الإحالة على المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء تحصل فقط من قبل النوّاب ويلزمها عريضة موقّعة من خُمس النوّاب، لتعرض القضيّة بعدها على المجلس النيابي. وأما الاحالة في شكلها الحالي، فليس لها أيّ مفهوم إلاّ إذا أرادت لجنة التحقيق الخاصة أن تستعين بالمعلومات الواردة، فالصلاحية تعود إليها في هذا الموضوع"، لذا فالإحالة بصيغتها الحالية لا قيمة لها وهي مهملة"( جريدة المستقبل تاريخ 2003/11/6).
ومن النوّاب من ذهب الى اعتبار كتاب مدعي عام التمييز الى المجلس كأنه لم يكن(جريدة السفير تاريخ 2003/11/6). غير أنّ نوّاباً آخرين أشاروا إلى غياب النصّ الذي يحدّد الآلية التي يفترض أن تتبع في مثل هذه الحالات، خصوصاً أنّ حالة السنيورة وبرسوميان هي الأولى من نوعها، التي تطرح أمام المجلس النيابي(جريدة السفير تاريخ 2003/11/6).
أمّا موقف النائب السابق اوغست باخوس، فكان باتجاه القول بأنّه طالما قرّرت محكمة التمييز رفع يدها عن الملاحقة في حقّ برسوميان والسنيورة، فبات واجباً على النيابة العامة التمييزية إحالة الملفّ إلى مجلس النوّاب الذي يتخذ القرار إمّا بالملاحقة أو بحفظ الملفّ في مجلس النوّاب.
وفي ما خصَّ ملاحقة الوزير علي عبدالله أمام القضاء العدلي، فقال إنّه يمكن لمجلس النواب أن يقرّر وجوب ملاحقة الوزير عبد الله أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء إستناداً إلى أصول محاكمات معيّنة، وعندها على المحكمة الجزائية أن تنحني أمام إرادة مجلس النواب(جريدة النهار تاريخ 2003/11/6).
وكان رأي الرئيس حسين الحسيني أنّه يجب بدايةً، معرفة ما إذا كان الجرم المرتكب يدخل في إطار المادة 70 من الدستور، عندها يمكن ملاحقة الوزير المتهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. أمّا الطريقة القانونية الواجب أن يتبعها النواب لاتهام الوزير، فالقانون يتطلّب أكثرية معيّنة، ولكن عند إحالة الملفّ من القضاء فالرأي أنّه لا لزوم لهذه الأكثرية الموصوفة، في ظلّ الثغرات التي يحويها هذا القانون، لأنّ النقطة الهامة هي أنّ القضاء العدلي حقّق وظنّ في هذه القضيّة، فكيف يمكن أن يُظنّ بمتهم ولا يحاكم(جريدة النهار تاريخ 2003/11/8).
ولم يرَ أحمد زين في إحالة النيابة العامة التمييزية لقضيّة الوزيرين على المجلس الأعلى، أنّها قد ارتكبت خطأً، لأنّ النيابة العامة قد أحالت الملفّين للمجلس للاطلاع وأخذ العلم كما جاء في الإحالة. وهي مبادرة مشكورة أصلاً بعد أن كان القضاء العادي قد أقرّ عدم صلاحيته في متابعة درسهما. وهذا يعني أنّ النيابة العامة لم تطلب من المجلس إعداد العريضتين ولا اتخاذ الإجراءات لتحريك المجلس الأعلى. وإذا كان بعض سيئي النيّة يرون ما هو عكس ذلك بعد أن تمّ تسريب الإحالتين لوسائل الإعلام، فإنّ أحداً لا يمكن أن يحكم على النيّات في مثل هذه القضايا(جريدة السفير تاريخ 2003/12/5).
كما كتب يومها النائب السابق بطرس حرب، أنّه يتوجّب على مجلس النوّاب بأن يعمل على إعداد العريضة الاتهامية عندما يصار إلى إثارة مخالفات لأحد الوزراء تعتبر من المخالفات التي تنصّ عليها المادة 70 دستور، كالإخلال في واجبات الوظيفة، ومن الطبيعي أن يعمد المجلس النيابي إلى وضع يده على هذه المخالفات بغية المباشرة بتنفيذ الآلية الدستورية والقانونية التي تسمح للمجلس النيابي بالتحقيق في موضوع المخالفات. وبعد ذلك يتوجّب عليه أن يوجّه الاتهام في حال تبيّن أنّ هناك جدّية في الأمور المنسوبة إلى الوزير، وذلك بغية إحالة الملفّ بالنتيجة إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
ثالثاً: الموقف الرسمي لمجلس النوّاب من إحالة ملفّ من النيابة العامة
لمّا كانت قضيّة محاكمة الوزراء أمام المجلس الأعلى تحصل للمرّة الأولى في تاريخ لبنان، وجرى تحريك هذا الملفّ بموجب الكتاب الذي أرفقه مدعي عام التمييز مع الملفّين اللذين أرسلهما إلى المجلس، وجاء فيه: "للإطلاع واتخاذ ما ترونه مناسبا" لذلك وخوفاً من حصول أيّ خطأ يكرّس عرفاً ما؟
إجتمعت هيئة مكتب المجلس النيابي، وقرّرت إعادة الملفّات إلى القضاء وإبقاءها في وديعته حتّى إذا ما أرادت لجنة التحقيق البرلمانية الاستفادة منها يمكنها أن تطلبها. كما قرّرت تحريك عريضتي اتهام في حقّ الوزير فؤاد السنيورة والوزير السابق شاهي برسوميان والتوجّه إلى السادة أعضاء مجلس النوّاب لتوقيع العريضتين بعد إعدادهما.
كانت المبرّرات التي حدت بمكتب المجلس النيابي إلى الإقدام على هذه الخطوة هي أنّ المادة 19 من القانون الرقم 13 المتعلّق بأصول المحاكمات أمام المجلس الأعلى تنصّ على أن:"يقدّم طلب الاتهام بموجب عريضة يوقّعها خمس أعضاء مجلس النوّاب على الأقلّ(…). ويتضح من هذا النصّ أن تحريك عريضة الاتهام لا يتمّ بأيّ طلب آت من النيابة العامة التمييزية أو من غيرها، ولا من ادعاء مباشر أو غير مباشر، بل يقتصر على شرط توافر نصاب معيّن من مجلس النوّاب. وتالياً، فإنّ الملفّات التي أرسلت إلى مجلس النوّاب، سواء من النيابة العامة أو من المحاكم المختصة أو من وزير العدل أو الحكومة، ليست لها أيّ قيمة تحريكية للاتهام، ولا تلزم المجلس شيئا(جريدة النهار تاريخ 2003/11/11)، وإذا ما أرادت لجنة التحقيق البرلمانية الاستفادة منها، يمكنها أن تطلبها من الجهة القضائية المختصة(جريدة السفير تاريخ 2003/11/13 ). وبتاريخ 2003/11/11 نفَّذ المجلس النيابي قرار هيئة مكتبه، سلَّم الملفّات المتعلّقة بقضيتي الوزير فؤاد السنيورة والوزير الأسبق شاهي برسوميان بموجب "دفتر الذمّة" إلى النيابة العامة التمييزية (جريدة السفير تاريخ 2003/11/12).
رابعاً: الموقف السابق للنيابة العامة المالية من مسألة "ملاحقة وزراء"
إنّ قرار النيابة العامة المالية بإحالة ملفّ وزراء إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء إنّما ينسجم مع ما استقرّ عليه اجتهاد هذه النيابة العامة من عدم صلاحيتها لملاحقة وزراء عن جرائم متصلة بإخلالهم بواجباتهم الوظيفية.
فلقد سبق أن أدعت النيابة العامة المالية على الوزير السابق علي العبدالله في قضيّة مشروع التعاون الزراعي اللبناني الأميركي، بموجب ورقة طلب رقم 2003/780 تاريخ 2003/9/2 بجرم اختلاس الأموال العامة الموكول إليهم أمر إدارتها في مشروع التعاون الزراعي اللبناني الأميركي عن طريق دسّ الكتابات غير الصحيحة والتزييف والتزوير في المستندات والأوراق الرسمية واستعمال المزوّر ومخالفة الأحكام السارية على الأموال العامة والإهمال بواجبات الوظيفة دون سبب مشروع، والتدخّل والاشتراك مع المدعى عليهم جميعهم، الأمر الذي أدّى إلى الضرر بالمال والمصلحة العامة"( جريدة السفير تاريخ 2003/8/28)، إلاّ أنّ القضاء الجزائي أعلن لاحقاً عدم صلاحيته بملاحقته.

كما سبق بتاريخ 1993/5/27 أن ادعت النيابة العامة المالية على الوزير جميل كبي بجرم اختلاس أموال عامة وتبديدها في معرض التحقيق بملفّ دفع أموال إلى مستشفيات عن عناية مفترضة بجرحى الحرب على حساب الوزارة (جريدة النهار تاريخ 1995/12/14). إلاّ أنّ النيابة العامة المالية عادت بموجب مطالعتها تاريخ 1996/1/16، أن بيّنت بأنّ الأعمال الجرمية المنسوبة إلى الوزير السابق جميل كبي وعلى فرض ثبوتها بحقّه، قد ارتكبت أثناء قيامه بوظيفته الوزارية أو بمناسبة قيامه بها هي من صلاحية مجلس النوّاب ولا صلاحية للقضاء الجزائي العادي بالملاحقة أو بالعقاب عليها بالرغم من زوال صفة الوزير عنه (نقولا فتوش- مسؤولية الوزير وأصول محاكمته- ص148).
وبتاريخ 1995/9/14، إستمعت النيابة العامة المالية لإفادة وزير الزراعة عادل قرطاس حول مناقصات وتبديد تعويضات هيئة الإغاثة التي استلمها لتوزيعها إلى متضرِّري الزراعة، إلاّ أنّ النائب العام المالي اعتبر في مطالعته أنّ الأفعال الجرمية المنسوبة في هذه القضية إلى الوزير السابق عادل قرطاس من الجرائم الوظيفية أيّ ذات الصلة بالوظيفة الوزارية التي تولاها هذا الأخير لأنّها على فرض حصولها منه، فقد ارتُكبت أثناء وبمناسبة قيامه بأعمال الوظيفة(نقولا فتوش- مسؤولية الوزير وأصول محاكمته المصدر نفسه).
خاتمة:
بعدما أعيد تحريك ملفّ الإدعاء على وزراء أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، يُعاد طرح التساؤل حول جدوى هذا المجلس، الذي لم يتسنَّ له لغاية اليوم أن يمارس اختصاصه، ولعلّ السبب في ذلك هو في استحالة وصول دعوى إليه، لأنّ أصول المحاكمة لديه شديدة التعقيد، وتحتاج إلى نصابٍ خاص يكون من الصعب تأمينه. وهذا ما أبقى وسيبقي المجلس الأعلى معطّلاً. وهنا لا يمكن إلاّ أن نطرح التساؤل حول المغزى من إبقاء محاكمة الوزراء مرهوناً بتأمين ثلثي عدد أعضاء مجلس النوّاب، وبادعاء خُمس النوّاب (26 نائباً) وهل يعني ذلك أن لا تتمّ محاكمة وزير أبداً. وإذا بقيت هذه الحصانة الواقعية ممنوحة للوزراء، فكيف يمكن تحصيل أموال الخزينة إذا ما وقع اختلاس أثناء قيام الوزير بواجباته الوزارية؟
وهل إنّ الإبقاء على اختصاص المجلس الأعلى بمحاكمة الوزراء، هو من أجل الحفاظ على امتياز يكرّس حماية المسؤولين من الملاحقة، بخاصةٍ وأنّ عدم ممارسة مجلس النوّاب وظيفته الاتهامية، يحتِّم إلغاء هذه الوظيفة، لأنّه لا يعقل منطقاً ودستوراً، أن نبقي صلاحيةً مناطةً بجهةٍ عجزت عن ممارستها.
ومن خلال هذه الإشكالية تظهر إحالة النيابة العامة المالية لملفّ وزراء الاتصالات أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، على أنّها تذكير لمجلس النوّاب، بأنّ هناك وظيفة له لا زالت خارج الخدمة وآن الأوان لتفعيلها.
"محكمة" – الجمعة في 2019/11/22

*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر، مع وجوب ذكر إسم موقع "محكمة" الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!