القاضي مزهر يمنع العميل الفاخوري من السفر لأنّ جرائمه لا تسقط بمرور الزمن/علي الموسوي

0

كتب علي الموسوي:
ما لم يفعله القضاء العسكري، تصدّى له القضاء العدلي وبكلّ وطنية وشفافية، فأصدر قاضي الأمور المستعجلة في النبطية أحمد مزهر اليوم قراراً معجّل التنفيذ نافذاً على أصله قضى بمنع العميل عامر الياس الفاخوري من السفر خارج الأراضي اللبنانية جوّاً وبحراً وبرّاً لمدّة شهرين بغية الحؤول دون إخراجه من الأراضي اللبنانية للإفلات من العقاب بعد القرار الصادر عن المحكمة العسكرية الدائمة برئاسة العميد الركن حسين عبدالله وعضوية القاضي المدني ليلى رعيدي بكفّ التعقّبات عنه وإسقاط دعوى الحقّ العام عنه لجهة قتل وتعذيب مقاومين وخطف أحدهم علي حمزة وإخفائه بحيث لم يعد له أيّ أثر.
وما لم تراه المحكمة العسكرية في متن القوانين العادية المحلّية والمعاهدات الدولية التي سبق للبنان أن انضم إليها وباتت في صميم المنظومة التشريعية وتتقدّم في مجال التطبيق على الأولى الأولى عملاً بالفقرة الثانية من المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية، وقفزت عنه لاعتبارات محض سياسية كمن يريد أن يرى بعين واحدة أو لا يرى بالمطلق، وجده القاضي مزهر سبيلاً لاتخاذ قراره بمنع السفر من منطلق أنّ أفعال العميل الفاخوري كآمر لمعتقل الموت في بلدة الخيام الجنوبية، وهي ضدّ الإنسانية، لا تسقط بمرور الزمن، وهذا ما سبق لقاضي التحقيق العسكري نجاة أبو شقرا خلال وضعها يدها على ملفّ الفاخوري ونظرها في الدفوع الشكلية المقدّمة من وكيليه، أن تناولته بإسهاب ممّا دفعها إلى اعتبار جرائمه متمادية وغير قابلة للسقوط بالتقادم الزمني المحدّد بعشر سنوات.
وتكمن أهمية قرار القاضي مزهر في أنّه جاء في لحظة ثمينة من غليان الشارع اللبناني ورفضه المطلق لقرار المحكمة العسكرية الدائمة، خصوصاً وأنّ بلداً عانى الأمرّين من نير الاحتلال الإسرائيلي وعملائه اللحديين لا يُقدم على تعديل القوانين لجهة الحؤول دون سقوط أيّ جرم تعامل وخيانة بمرور الزمن ومهما كانت الضغوطات والتدخّلات المحلّية والخارجية، لأسباب محض سياسية لا تتوافق ومنطق العدالة الحقّة والكرامة الوطنية التي هي فوق كلّ اعتبار.
"محكمة" تنشر النصّ الكامل لقرار القاضي مزهر للتاريخ:
باسم الشعب اللبناني
إنّ قاضي الأمور المستعجلة في النبطية،
لدى التدقيق،
تبيّن ما يأتي:
أنّه بتاريخ 2020/3/17 تقدّم كلّ من السادة سهى بشارة وجهاد عواضة ورفاقهما بوكالة المحاميين حسن بزي وهيثم عزو باستدعاء يرمي إلى منع السيّد عامر الياس الفاخوري من السفر خارج الأراضي اللبنانية، وأدلوا بأنّ المطلوب منع سفره ملاحق بجرائم القتل والتعذيب للمعتقلين في سجن الخيام عندما كان آمراً للسجن المذكور وذلك بموجب شكوى أمام قاضي التحقيق الأوّل في النبطية نقلت إلى قضاء التحقيق في بيروت لدواع أمنية، ويوجد خشية من سفره خارج الأراضي اللبنانية ممّا يفقدهم حقّهم في ملاحقته مدنياً وجزائياً،
حيث، ومن جهة أولى، فإنّ الفقرة الأولى من المادة 579 أ.م.م أجازت لقاضي الأمور المستعجلة اتخاذ التدابير المستعجلة في المواد المدنية والتجارية دون التعرّض لأصل الحقّ، كما أجازت المادة 589 أ.م.م اتخاذ التدابير الرامية لحفظ الحقوق ومنع الضرر،
حيث، ومن جهة ثانية، فإنّ المادة 580 أ.م.م عقدت الإختصاص المكاني لقاضي الأمور المستعجلة الذي يدخل أساس النزاع ضمن نطاق اختصاصه أو اختصاص أيّ محكمة يكون في دائرتها،
وحيث يتبيّن من مجمل الأوراق أنّ الشكوى الجزائية بحقّ المطلوب منع سفره كانت قد قدّمت أمام قاضي التحقيق الأوّل في النبطية وجرى نقلها لاحقاً إلى قاضي التحقيق في بيروت لدواع أمنية، أيّ أنّ الإختصاص الأصلي لرؤية الدعوى يعود لقاضي التحقيق الأوّل في النبطية، فتكون هذه المحكمة مختصة مكانياً للبتّ بالطلب الراهن عملاً بصراحة النصّ المشار إليه أعلاه،
حيث، ومن جهة ثالثة، فإنّه يجوز لقاضي الأمور المستعجلة اتخاذ تدبير مؤقّت بمنع السفر للمدين بالمعنى العام للمديونية، عند توافر عنصر العجلة وحفظاً للحقوق ومنعاً للضرر، لا سيّما إذا كان ملاحقاً أمام القضاء اللبناني وكان سفره خارج الأراضي اللبنانية من شأنه إلحاق ضرر كبير بمصلحة دائنيه والمتضرّرين من الأفعال المنسوبة إليه،
وحيث إنّ إيلاء المرجع الجزائي صلاحية اتخاذ القرار بالمنع من السفر لا يحجب اختصاص قاضي الأمور المستعجلة لهذه الناحية المستند إلى نصّي المادتين 579 و 589 أ.م.م، لا سيّما إذا لم يكن المرجع الجزائي الناظر في الدعوى قد اتخذ قراراً من هذا النوع،
وحيث يتوجّب على قاضي الأمور المستعجلة في مثل هذه الحال أن يستند إلى ظاهر الأوراق والمستندات لاتخاذ التدبير الإحترازي المطلوب منه، وأن يتحقّق من مدى جدّية الشكوى الجزائية أو المطالبة القضائية المقدّمة بوجه الشخص المطلوب منع سفره، خصوصاً أنّ تدبير منع السفر هو تدبير عالي الخطورة ويقيّد حرّية التنقّل،
وحيث يتبيّن بالرجوع إلى مجمل معطيات الملفّ والشكوى المقدّمة بحقّ المطلوب منع سفره وفقاً للإفادة القلمية المبرزة، أنّه قد نسب إليه ارتكاب جرائم تعذيب في السجون الإسرائيلية في الحدّ الأدنى، أثناء تولّيه للسلطة في معتقل الخيام باسم العدوّ الإسرائيلي وسلطة الإحتلال في ذلك الوقت، ممّا يشكّل جرماً يعاقب عليه قانون العقوبات اللبناني أصلاً،
وحيث إنّ الجرائم المنسوب إرتكابها إلى المطلوب منع سفره لا يمكن توصيفها إلاّ بالجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب الواقعة على الأسرى اللبنانيين لدى العدوّ، وهي الأفعال التي جرّمتها اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية التابعة لها والمعقودة في العام 1948 والتي انضم إليها لبنان وتعتبر بالنسبة له جزءاً لا يتجزأ من المنظومة التشريعية عملاً بنصّ المادة 2 أ.م.م،
وحيث تقتضي الإشارة إلى أنّ المبدأ المعمول به في إطار القانون الدولي الإنساني هو عدم خضوع هذا النوع من الجرائم للتقادم المسقط المعمول به في القوانين الوطنية وهو ما نصّت عليه المادة الأولى من اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضدّ الإنسانية للعام 1968 وهو ما عادت وأكّدت عليه المادة 29 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية للعام 1998 والتي نصّت على أنّ الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص المحكمة لا تسقط بالتقادم أيّاً كانت أحكامه،
وحيث إنّ اجتهاد قضاء الأمور المستعجلة قد نحا هذا النحو واتخذ تدبيراً يقضي بمنع السفر لشخص ما حفظاً للحقوق ومنعاً للضرر حتّى قبل ملاحقته من قبل النيابة العامة،(بهذا المعنى: قرار قاضي الأمور المستعجلة في بيروت الرئيسة هالة نجا القاضي بمنع سفر رئيس لجنة إدارة واستثمار مرفأ بيروت حسن قريطم، تاريخ 2020/3/4، غير منشور)،
وحيث يستنتج من مجمل ما تقدّم بيانه أنّ الجرائم المنسوبة إلى المطلوب منع سفره على درجة عالية من الخطورة، ومسّت بكرامة وأرواح الأسرى اللبنانيين المستدعين ورفاقهم في معتقل الخيام، وأخلّت بالأمن القومي للجمهورية اللبنانية، وهي لا تسقط بمرور الزمن وفقاً للقواعد القانونية الدولية، ممّا يجعل عنصر العجلة متوافراً في مثل هذه الحال،
وحيث يقتضي تأسيساً على ذلك إجابة الطلب وتقرير اتخاذ التدبير المطلوب، وذلك لمدّة شهرين من تاريخ هذا القرار،
لذلك،
يقرّر وسنداً للمادة 579 معطوفة على المادة 589 معطوفة على المادة 604 من قانون أصول المحاكمات المدنية الجديد، ما يلي:
أوّلاً: منع عامر الياس الفاخوري، والدته جوزفين أبو كسم، مواليد مرجعيون 1963 رقم السجل 17 الجديدة حيّ السراي من السفر خارج الأراضي اللبنانية جوّاً وبحراً وبرّاً لمدّة شهرين من تاريخ القرار الراهن،
ثانياً: إبلاغ دوائر الأمن العام اللبناني نسخة عن القرار الراهن لتعميمها والعمل بمقتضاها،
ثالثا: إبلاغ نسخة من القرار الراهن من حضرة قاضي التحقيق الأوّل في بيروت حيث الدعوى المنقولة، وذلك بواسطة النيابة العامة المختصة،
قراراً معجّل التنفيذ نافذاً على أصله صدر وأفهم علناً في النبطية بتاريخ 2020/3/17.
"محكمة" – الثلاثاء في 2020/3/17

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!