اليوم 01/07/2017 الساعة 1:07 AM

خاص”محكمة”: فندي حسن حمادة فضّل المحاماة على عضوية المتصرّفية في “ورقة نعوته”/علي الموسوي

12:42 م 1 يوليو 2017 | أبرز الأخبار, قامات


كتب علي الموسوي:
كلّما تعمّق المرء في تاريخ نقابة المحامين في بيروت في بدايات نشأتها وتطوّرها، عثر على رجالات تاريخية ثابرت على ممارسة مهنة المحاماة برُقّي ووجدان وتطلّعات وطموحات من دون أن تكون حائزة على شهادة الحقوق من معهد، أو كلّيّة، أو جامعة، وتركت بصمات واضحة في مسيرة العمل المهني لا يمكن أن تُمحى بسهولة، ومن هؤلاء الرجالات المحامي القدير فندي حسن حمادة الذي واظب على إثبات وجوده في ميدان المحاماة أكثر من ستّين عاماً من العمل الدؤوب والممارسة الصادقة، ولم يملّ، إلى أن وافته المنية وهو في الرابعة والسبعين من العمر والكفاح والنضال في سبيل العلم المجدي والنافع لصاحبه والمحيطين به.
طلب العلم هدف الإنسان المثالي
ولد فندي حمادة في بلدة غريفة في قضاء الشوف قرابة العام 1890 في أسرة منصرفة برمّتها إلى الإهتمام بأرزاقها وأملاكها المتعدّدة ولاسّيما الزيتون وزيته العالي الجودة الذي تشتهر بهما هذه البلدة المطلّة من موقعها الجبلي على ساحل البحر الأبيض المتوسّط، لكنّ ذلك لم يحُل دون السعي إلى إنجاز طموحاته الواحدة تلو الأخرى، وفي مقدّمتها أن يكون محامياً ومن الطراز الرفيع، وأن يكون عضواً في مجلس إدارة المتصرّفية في جبل لبنان الجنوبي، وهذا ما دفعه إلى أن يترك مسائل العناية بالأرض لأشقائه، وأن يذهب من تلقاء نفسه إلى إشباع نهمه بطلب العلم بكلّ توجّهاته وساحاته، متلقّفاً كلّ ما تقع يداه عليه من كتب وقراطيس تنمّي روحه التوّاقة إلى إنسان مثالي، وذلك على غرار كثيرين من مجايليه وأبناء زمانه.
ولم يقف انعدام المعاهد الحقوقية آنذاك في نهايات القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين حائلاً دون تخصّص حمادة في القانون وارتداء “الروب الأسود” والمرافعة والمدافعة أمام المحاكم الموجودة في عهد المتصرّفية، ثمّ أمام المحاكم المختلطة، وبعدها أمام القضاء اللبناني بعد زوال الانتداب الفرنسي ونيل الاستقلال في العام 1943.
“قومسيون” مزاولة المحاماة
وتدلّ الوثائق التاريخية المحفوظة بعناية وحرص شديدين، لدى حفيده المحامي زيّاد نديم حمادة، على أنّ فندي حمادة نال بياناً على هيئة شهادة رسمية من “القومسيون” في مركز متصرّفية لبنان خوّله حقّ مزاولة المحاماة.
وقد ورد في مضمون هذا البيان أنّه “لمّا كان فندي أفندي حمادة من غريفة من ذوي المعرفة بعلم الحقوق وقادراً على المحاماة أمام محاكم لبنان البداية والاستئنافية، أعطي هذا البيان من القومسيون المخصوص المشكّل في مركز متصرّفية لبنان بأمر دولة متصرّف لبنان المعظّم”، وذلك في 31 كانون الأوّل من العام 1321 هجرية.
ووقّع هذا البيان رئيس دائرة الحقوق القاضي سليم ثابت الذي كان كثير العلم وتولّى رئاسة محكمة الاستئناف الحقوقية في مركز المتصرّفية في بعبدا بعدما كان حاجباً على باب رئيس المحكمة نفسها على ما يقول الوزير والنائب ونقيب المحامين فؤاد الخوري(1889-1990) في كتابه”سوانح خمسين” (صفحة 78)، وثلاثة أعضاء في الدائرة المذكورة بينهم يوسف الخطيب والإسمان الآخران غير واضحين، ورئيس دائرة الجزاء الذي لم يظهر اسمه جليّاً. ولا يُخْفى هنا أنّ موقّعي البيان، قد جمعوا في تأريخهم لهذه الوثيقة النادرة بين الشهر الميلادي والسنة الهجرية.
إجازة في المحاماة
ولم تمض سنوات قليلة حتّى حاز فندي حمادة إجازة في المحاماة حملت توقيع أوّل نقيب للمحامين في بيروت معيّن من قبل الانتداب الفرنسي وديع دوماني في العام 1919، والحاكم الإداري العام، وجاء في نصّها العربي الموازي لفحوى النصّ الفرنسي الآتي:
” المنطقة الغربية للأراضي المحتلّة
نقابة المحامين
إجازة بالمحاماة
الأستاذ فندي حسن حمادة
محام مرخّص له في مزاولة المحاماة أمام المحاكم كافة في المنطقة الغربية للأراضي المحتلّة
بيروت في 28 تشرين الثاني 1919″.
مندوب النقابة في عاليه
وبالفعل حمل فندي حمادة الرقم تسعة في الجدول النقابي، على ما يذكر حفيده المحامي زيّاد حمادة، وهذا يدلّ على أنّه كان من طلائع المحامين المنتسبين إلى النقابة والتي صار الإنضمام إليها إلزامياً لكي يتمكّن دارس الحقوق أو صاحب الخبرة والمراس في العمل بها، من حجز مقعد لنفسه في سجّلها النقابي، ولم يكن غريباً أن تختاره نقابته لكي يكون مندوباً لها في مدينة عاليه حيث مثّلها على أفضل ما يرام، وهو الذي لم يكن يفارق محكمتها على الإطلاق حيث ينقل حفيده حمادة عن محامين كبار عاصروه أنّه قلّما فرغت دعوى ما، من إسمه، فإذا لم يكن وكيل الجهة المدعية، كان وكيل الجهة المدعى عليها، وهذا يدلّ على باعه الطويل في العمل الحقوقي وقلّة المحامين المعاصرين في ذلك الزمن.
عضوية مجلس إدارة المتصرّفية
واختير فندي حمادة عضواً في مجلس إدارة المتصرّفية في جبل لبنان الجنوبي، أيّ بمثابة عضو في مجلس النوّاب، ومُنح لقب “أفندي”، لكنّه كان ميّالاً أكثر إلى المحاماة، على الرغم من أنّ منصب العضوية المذكور سياسي بامتياز، ويتضمّن إمتيازات عديدة كالنفوذ المعنوي، وله مريدون كثر.
وفي هذا المجال، يذكر الحفيد زيّاد حمادة أنّ جدّه فندي طلب منه وهو على فراش الموت أن يذكر في “ورقة النعوة” صفته كمحام في نقابة المحامين في بيروت قبل الإتيان على ذكر عضويته في مجلس إدارة المتصرّفية، مع أنّ الأخيرة أكثر أهمّية وقدراً ومنزلة في عيون الناس، وكان له ما أراد بعدما فارق الحياة في العام 1964.
نديم رئيساً لقلم محكمة التمييز
ومن شدّة عشقه لمهنة المحاماة وحرصه على الإبداع فيها، نادى حفيده زيّاد حمادة، قبل أن توافيه المنية، وطلب منه أن يسعى جهده لكي يصبح محامياً، ولم يتردّد الحفيد في تحقيق رغبة الجدّ ووصيته، وهي حلم لطالما راوده في ظلّ تنشئته في بيت يتنفّس القانون في يومياته وحياته، فالوالد نديم حمادة(1903-1970) درس الحقوق أيضاً في جامعة السوربون في فرنسا حيث كان من زملائه فيه الدكتور عبد الله اليافي(1901-1986) الذي صار رئيساً لمجلس الوزراء اللبناني، والدكتور حبيب أبو شهلا(1902- 1957) الذي ترأس المجلس النيابي اللبناني أيضاً، وعبد الله محمّد المشنوق(1904-1988) والد الوزير محمّد المشنوق، وقد عيّن بدوره وزيراً وانتخب نائباً عن بيروت واشتهر كمربّ في جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية وكصحفي أصدر جريدة”بيروت المساء”.
ولكنّ نديم حمادة لم يتجّه إلى المحاماة إثر نشوب الحرب العالمية الثانية في شهر أيلول من العام 1939، بل آثر الوظيفة الرسمية عليها، وعمل ضمن اختصاصه القانوني وفي رحاب العدلية في بيروت مساعداً قضائياً، واستلم رئاسة قلم دائرة التنفيذ، وتدرّج في هذه الوظيفة حتّى أنهى حياته رئيساً لقلم محكمة التمييز الجزائية حيث كان محامون مجلّون يؤمّون مكتبه للحصول على الاجتهادات والقرارات الفريدة والجديدة والاستعانة بها في أعمالهم ولوائحهم ومرافعاتهم، ومنهم على سبيل المثال محسن سليم الذي ذاع صيته القانوني ودخل الندوة البرلمانية أيضاً.
للشعر مكانته أيضاً
ونظم نديم فندي حمادة الشعر الموزون المقفّى، وممّا تركه بيتان كتبهما وهو طريح فراش المرض ينازع في اللحظات الأخيرة من عمره ويصف فيهما حاله مستعملاً وزن البحر البسيط، ويقول فيهما:
عَذَّبْتُهُ في شَبابي فَانْتَحَى غَضَباً
بينَ الضُلوعِ إلى أنْ زَارَني الهَرَمُ
وَلَمْ يَعُدْ منْ شَبابي كي يُحَاوِرَهُ
فَقامَ يَثْأرُ لِلْماضي وَيَنْتَقِمُ.
وبعد ثلاث سنوات من إحالته على التقاعد في العام 1970، وقبل أيّام معدودة من وفاته، منح رئيس الجمهورية شارل حلو(1913-2001) الشيخ نديم حمادة، وسام الأرز الوطني من درجة فارس بموجب مرسوم جمهوري حمل الرقم 973 تاريخ 21 أيلول 1970، أيّ قبل يوم واحد من انتهاء عهد حلو الذي استمرّ ست سنوات من 23 أيلول 1964 ولغاية 22 أيلول 1970.
زيّاد عضواً في مجلس النقابة
أمّا الحفيد زيّاد حمادة، فنزل عند وصية جدّه، واستطاع الظفر بصفة المحامي بعد سنوات من الجهد والدرس حتّى صار معروفاً في أوساط المحامين الذين منحوه ثقتهم وانتخبوه عضواً في مجلس النقابة في العام 1987 حيث جرى يومذاك انتخاب النقيب ريمون عيد وأعضاء آخرين، ثمّ تكرّر انتخابه في ثلاث دورات انتخابية، وبقي عضواً في مجلس النقابة في الدورات التالية:(1987-1988)،(1988-1989)،(1989-1990)،(1990-1991)،(1991-1992)،(1992-1993)،(1993-1994)،(1996-1997)،(1997-1998)،(1998-1999)،(1999-2000)،(2000-2001)،(2001-2002) واختير أميناً للسرّ لدورة واحدة هي(1991-1992) في عهد النقيب سمير أبي اللمع.
وبات من أسرة فندي حمادة أربعة محامين مسجّلين في نقابة المحامين في بيروت هم: زيّاد نديم حمادة( رقمه النقابي 2562)، وشقيقته عايدة نديم حمادة أبي رافع( رقمها النقابي 2661)، وخليل عارف حمادة( رقمه النقابي 4799)، ونديم زيّاد حمادة( رقمه النقابي 7667).
(نشر في مجلّة “محكمة” – العدد 9 – تموز 2016).

*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يرجى الإكتفاء بنسخ جزء من الخبر وبما لا يزيد عن 20% من مضمونه، مع ضرورة ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

رفعاً للمسؤولية فإنّ أيّ تعليق يمثّل رأي صاحبه وكاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع والمجلة.