اليوم 16/12/2017 الساعة 12:00 PM

صلاح مطر يعبر ليقيم في عالم البقاء

12:04 م 16 ديسمبر 2017 | أبرز الأخبار, مقالات


بقلم المحامي ناضر كسبار:
…وها انت، يا صلاح، تعيد إلى تنورين، ما هو منها وإليها! وتتصفى حبّاً ووفاءً وإخلاصاً.
فإذا أنت، يا صلاح، تعبر هانئاً، متخلّياً عمّا هو مادي فيك، زائل، لتقيم في عالم البقاء، نقياً بين الأنقياء، محلّقاً بين الرؤيويين الأولياء.
ليس هذا موتاً، يا صديقي! إنْ هو إلاّ إتمام دورٍ، عبور من زوال إلى بقاء. فأنت أنهيت دوراً أتيت من أجله، حقّقت غايةً تجسّدت من أجلها.
ليس هذا موتاً، يا صديقي! إنْ هو إلاّ عبور إلى الحياة. فالحياة هي التي لا تنتهي لأيَما سبب! الحياة الحقة إستمرار روحي للروح فينا. ونحن نقيم في أجسادٍ تجسّدنا فيها لدورة قصيرة، نعمل خلالها إستعداداً لتركها والانتقال منها إلى حياة الأبد، حيث السعادة الغامرة، والغبطة التي إلى لا انتهاء.
يا صلاح، يا صديقي!
وأنت استحقيتها حياتك الحقّة هذه. فقد عملت بإيمان، بثقة، بإرادة، لها هذه الحياة الخالدة. فقد عشت ما بيننا كما ينبغي أن يعيش الأنقياء الراقدون التائقون العارفون المنتظرون.
فأنت الشاعر المحلّق. الشعر، معك، عاطفة وفكرة وصورة وتركيب. العاطفة القوية الصادقة الغنية نحو المرأة والوطن والطبيعة. هذا الثلاثي المميّز في حياتك، إذاً في شعرك! ولا شكّ في أنّ الوفاء زيّن عاطفتك، الوفاء للمرأة فوحّدتها، للوطن فقدّسته، للطبيعة فمجّدتها. بذا كنت الشاعر المحلّق المميّز المحبوب.
وأنت الأديب المفكّر. فقد عرفت أنّ الأدب الجيّد، الدسم، ليس أسلوباً فقط، مهما بلغ من إشراق الجمالية، وحسن البيان، وسلاسة التراكيب وسلامتها، فالفكر عنصر أساس من عناصر الأدب، وإلاّ فهو اللغو والسفسطة والخواء والفراغ.
وأنت الخطيب المفوّه! من خطبتُهُ مؤثرة مقنعة نافذة. إلَم تكن كذلك، فهي بعيدة من أن تكون مؤثّرة ومقنعة، المن دونهما لا خطبة تعرف النجاح. هي تبقى في عالم الأسلوب البرّاني، المدوّي ألفاظاً وتعابير وتراكيب، خاوية تستمرّ، بعيدة عن الفصاحة والبلاغة والفنّ.
يا صلاح!
وأنت المحامي الألمعي. والمحاماة أخلاق وثقافة وعلم. والمرافعة دفاع عن مظلوم لئلا يُهدرُ حقّه. دفاع ثقيف، قوي، منطقي، عادل، ذو رؤيةٍ سليمة، ورؤيا هادفة، نافذة، بها، هذه اللائحة -الدفاع، ينتصر المحامي لصاحب الحقّ، يعيده إليه، بطمأنينة وراحة ضمير.
وأنت الإنسان اللبق اللطيف، الخلوق الشفيف، المسالم الراقي، تحترم الآخر ونفسك. تحيا في السلام الذاتي العميق الهانئ، بهذه الخلال كنت المحبوب المفضل من الجميع. فما تذمّر واحد منك، ولا ازعِج، ولا اشتكى، أو تهرّب! أحبّك الجميع؟ لا عجب! فكنت تحبّهم جميعاً. تخلص لهم جميعاً تعمل لأجلهم جميعاً. تدافع عنهم جميعاً. تسأل عنهم جميعاً. غير مميّز بين إنسانٍ وإنسان، ولا بين طائفة وطائفة، ولا بين حزبي وحزبي. أقربهم إليك؟ أنفعهم لعيلته ووطنه.
أمّا على الصعيد الوطني، فكنت الكتائبي الناضج، الهادىء، الرائي، المحبّ عيلته الوطن، وفي سبيل حزبك، كما في سبيل عيلتك ووطنك كنت المضحي الباذل، لا تعب ولا تحلّل ولا ملل!
وحين أقعدك المرض، وما استطاع أن يسيطر على نفسيتك، أو شخصيتك، أو عقلك. أبداً! إستمريت المناضل الذي لا يهدأ، ولا يتراجع عن إيمان أو عن حقّ واستمريت تقرأ وتكتب، تعمل في سبيل الإنسان، كلّ إنسان. وتؤمن بالإنسان، كما حافطت على أمل العودة إلى قصور العدل، حيث موقعك الطبيعي الطليعي.
ويا عزيزي صلاح!
في القلب وفي البال، أخاً عزيزاً، وزميلاً محترماً، وصديقاً مخلصاً… ألا فأعبر بسلام…فإنّك الآن، حيث يليق بالأخيار الأنقياء والأصفياء.


(نشر في مجلة “محكمة” – العدد 24- كانون الأوّل 2017 – السنة الثانية).

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

رفعاً للمسؤولية فإنّ أيّ تعليق يمثّل رأي صاحبه وكاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع والمجلة.