اليوم 28/04/2018 الساعة 10:14 PM

حسن عواضة “جَوْهَر” القانون.. تحدّى الصعاب وصار دكتوراً وقاضياً ومحامياً/علي الموسوي

4:19 م 28 أبريل 2018 | أبرز الأخبار, قامات, ميديا


كتب علي الموسوي:
عندما يذكر إسم حسن عواضة في أيّ محفل أو اجتماع أو خبر أو حديث، تطفو مباشرةً على سطح الذاكرة، صفاتُه القانونية المرموقة، وهي القاضي والمحامي والدكتور الجامعي والمؤلّف، والتي قلّما اجتمعت دفعةً واحدةً في شخصية قانونية لبنانية، ولكنّ هذا الماهر الحَسَن لم يكتف بها ولم يرتو منها، وهو البادئ مشواره في غمارها مساعداً قضائياً، فأضاف عليها حضوراً خلاّقاً في إثبات الذات، إذ استطاع أن يتغلّب على مصاعب الحياة ليحتل مكانة متقدّمة في لائحة الشرف في تاريخ لبنان يصعب إنزاله عنها ولو بعد سنوات وسنوات.
وعندما يستعيد اللبنانيون عهد باني الدولة والمؤسّسات الجنرال فؤاد شهاب الدستوري في نظرته إلى النظام، يحضر إسم حسن عواضة كأحد الرجالات المتمتّعين بصفات الرجولة وقوّة الشخصية وجرأة القول والإستقامة والنزاهة، والذين عملوا على إرساء نظام الدولة القويّة، قبل أن تأتي الحرب وتقوّض مداميكها وتفتك بها لمصلحة تفشّي الطوائفية في كلّ شيء وهو ما لا يبني وطناً متماسكاً على مرّ الزمن، بل يجعله عرضة للإهتزازات والإشكالات.
شغل إبن مشغرة منصب القاضي العدلي فالقاضي المالي في ديوان المحاسبة، وتخرّج على يديه نخبة من القضاة والمحامين خلال ممارسته التدريس في الجامعة اللبنانية، وارتدى زيّ المحاماة في الكثير من القضايا والدعاوى مدافعاً ومرافعاً، وأسندت إليه نقابة المحامين في بيروت منصب رئيس إحدى هيئاتها التأديبية ففضّ الكثير من مخالفات بعض المحامين ونزاعاتهم الناشئة عن المهنة، وألّف كتباً عن المالية العامة والضرائب والإقتصاد المالي تعتبر مكسباً كبيراً للمكتبة القانونية والعلمية.
تكبير العمر
ولد حسن عواضة في 9 كانون الأوّل من العام 1923 في منزل والديه عقل عواضة وزينب هدلا في بلدة مشغرة الشامخة بعائلاتها المسلمة والمسيحية وبأهاليها البقاعيين المنفتحين على العلم كزوّادة حياة.
لكنّ لتاريخ الولادة هذا قصّةً صغيرة أجبرت الوالد على التلاعب به وتأخيره بعض الشيء، وذلك من أجل تمكين نجله البالغ من العمر ستّة عشر عاماً من الدخول إلى دار المعلّمين. وبما أنّه من مواليد شهر كانون الأوّل، والدخول يتمّ عادةً في شهر تشرين الأوّل، أيّ قبل شهرين، فكان لزاماً أن يتمّ تكبير سنّه وهذا ما حصل بالفعل، فصار من مواليد العام 1922 وهذا ثابت في بطاقة الهوّية.
حفظ عواضة مثل كلّ أقرانه، القرآن الكريم، ودرس في مسقط رأسه التعليم المسيحي فبزّ رفاقه المسيحيين وكأنّه بعقله الراجح يريد تأكيد أهمّية الإنسان قبل الطائفة، فالذات أقدر على العطاء متى تأمّنت لها كلّ ظروف الحياة الصحيحة والمعفاة من ضرائب البؤس والخيبات. وأكمل دراسته في بلدته حتّى شهادة”السرتفيكا”. لم يكن هذا الصفّ متوافراً آنذاك، فأصرّ والده على مدير المدرسة سليم أبو خليل أن يفتح صفّاً خاصاً به ونال مبتغاه وتسجّل الإبن بمفرده فيه، وقدّم الإمتحان الرسمي في مدينة زحلة ونجح.
تلميذ حوض الولاية
لم يعرف حسن عواضة الهبوط في حياته إلاّ عندما نزل مضطّراً إلى العاصمة بيروت لإكمال دراسته فيها، فسجّله والده في المدرسة الرسمية في حوض الولاية حيث درس لغاية صفّ “البريفيه”، وهي الشهادة التي تخوّل حاملها يومذاك، خوض غمار مباراة الدخول إلى دار المعلّمين التي كانت منتهى الآمال ومشتهى التطلّعات، فتقدّم لها ونجح مع أربعة تلاميذ آخرين، وعيّن في العام 1939 معلّماً في بلدة سحمر المجاورة لقريته البقاعية.
الأستاذ والتلميذ
ولأنّ طالب العلم الحقيقي لا يشبع، فإنّ حسن عواضة لم يستنكف عن طلب المزيد، فكان المعلّم والتلميذ في آن معاً، يدْرُس ويُعلّم، يتلقّى ويربّي، ولذلك درس مرحلة البكالوريا بقسميها الأوّل والثاني على نفسه، وتقدّم للإمتحان الرسمي الذي يرتعب كثيرون منه، بموجب طلب حرّ، ونجح من المرّة الأولى في العامين 1940 و1941، وانتسب إلى كلّيّة الحقوق في جامعة القديس يوسف”اليسوعية”، فصار يعمل ويدرس في الوقت نفسه وتمكّن من تجاوز السنوات الثلاث دون إبطاء أو تأخير، ممّا يدلّل على تمتّعه بذكاء حاد وإرادة قويّة مشفوعة بطموح كبير لتحقيق الذات، لكنّ هذا الأمر لم يكن سهلاً على الإطلاق.
ففي السنة الأولى لم يتسنّ له أن يتابع المحاضرات المخصّصة في الصفّ، وأن يداوم في الجامعة، بسبب بُعْد المسافة التي لم تكن حائلاً بينه وبين طموحه، وجاءه الفرج بنقله من مدير مدرسة مشغرة الرسمية، وهو في السنة الثالثة، ناظراً ليلياً إلى مدرسة الصنائع التي صارت لاحقاً كلّيّة الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية وحالياً دار المحفوظات الوطنية، وأخذ يدرس نهاراً في “اليسوعية” ويعمل ليلاً في هذه المدرسة التاريخية.
تسأل عواضة عن مفتاح هذا الفرج غير المنتظر، فلا يتردّد في الإفصاح عن أنّه أتى على يد الأديب والمؤرّخ فؤاد افرام البستاني(1904-1994) الذي كان شقيقه متزوّجاً من إحدى بنات بلدته مشغرة، وكان أستاذاً له في دار المعلّمين يعلّم مادة الأدب العربي، وتوطّدت العلاقة بينهما، ووقف على نجاحاته، فرغب في مساعدته، وهو ما حصل بالفعل.
يروي عواضة أنّه عندما كان مدير المدرسة الرسمية في قرية سحمر، هاله أن يرى ذهاب الأولاد أفواجاً وزرافات ووحداناً إلى الحقول والسهول لمعاونة ذويهم في الزرع والحصاد والقطاف بسبب فقر الحال وعدم القدرة على الإستعانة بعمّال من هنا وهناك. لم يقف متفرّجاً إزاء هذا المشهد المتناقض بين جيل يسعى وراء رزقه ويريد العلم مدخلاً إلى الحياة، فأخذ يعوّض قدر المستطاع على “المتسرّبين” قهراً إلى العمل في الأرض واتفق مع الأهالي على أن يذهب جميع التلاميذ لمعاونتهم في كدحهم اليومي في الأرض شرط أن يرسلوا أولادهم بعد الإنتهاء إلى المدرسة، وهذا ما حصل ونفّذ الإتفاق بحذافيره، وهذا العمل الإنساني لا يقوم به إلاّ ذوو الروح المفعمة بالإنسانية والراغبون بحياة أرقى وأفضل.
خطيب “اليسوعية”
في “اليسوعية” درس عواضة على كبار رجالات القانون ومنهم القاضي والوزير إميل تيّان(1901-1977)، والقاضي والوزير الدكتور شكري بطرس قرداحي(1890-1973)، والقاضي بشارة طبّاع، بينما لا ينسى من أساتذة دار المعلّمين عارف العارف الذي كان ضريراً وأستاذاً ممتازاً على حدّ وصفه، وهو غير الصحفي والسياسي الفلسطيني عارف العارف(1891-1973) وإنْ كان الإسم واحداً.
لم تمرّ سنوات الدراسة في “اليسوعية” على خير، وكان من الطبيعي أن يتأثّر الطلاّب بالواقع السياسي المعاش آنذاك حيث كان ثمّة غليان بوجه الإنتداب الفرنسي ومطالبة بالإستقلال على كلّ الصعد.
وذات يوم وقف حسن عواضة خطيباً في حرم”اليسوعية” المحسوبة إدارياً إلى جانب الفرنسيين، داعياً إلى جلاء آخر جندي فرنسي مستعمر عن أرض لبنان. كان كلامه واضحاً وصريحاً بحضور وزير الخارجية حميد فرنجية(1907- 1981). لم “يبلعها” مدير كلّيّة الحقوق هناك، فألصق ورقة على الباب تمنع عواضة من الدخول قبل مراجعة رئيس الجامعة الذي كان بدوره فرنسياً. لم يسكت الشاب المأخوذ بالكتابات الثائرة على المستعمرين في بلاد الغرب عن هذا الظلم، فخابر صديقه فؤاد افرام البستاني بما حصل معه وكان الأخير حاضراً خطابه، وكان يعرف رئيس الجمهورية، فاصطحبه معه إليه وعالج القضيّة بعين الحكمة، فتابع عواضة دراسته حتّى نال إجازة في الحقوق ومبتغاه في آن معاً بجلاء الفرنسيين في العام 1946.
كاتباً في “بداية بيروت”
لم يطل به الأمر في مدرسة الصنائع، حتّى طلب عواضة نقله إلى ملاك وزارة العدل كمساعد قضائي وذلك في العام 1947 حيث بقي ثلاث سنوات كاتباً للضبط مع رئيس محكمة البداية الناظرة في القضايا المدنية والتجارية القاضي ممدوح بك خضر(مواليد بيروت في العام 1914 وتولّى رئاسة هيئة التفتيش القضائي بين 13 تموز 1966 والأوّل من تموز 1978) والعضوين القاضيين فؤاد الداوود وشفيق راجي أبو حيدر(1913-2010) الذي نقل في ما بعد إلى السلك الإداري وعيّن محافظاً للعاصمة بيروت بين العامين 1967 و1977.
ولعب الحظّ مرّة ثانية مع هذا الشاب الطامح دوماً إلى الأعلى، إذ لاحت فرصة نيل منحة من الدولة اللبنانية لمتابعة الدراسة في فرنسا، فقصد رئيس المجلس النيابي صبري حمادة(1902- 1976) لتحقيق مبتغاه، ولم يردّه إبن مدينة الهرمل خائباً، بل ساعده في الحصول عليها، وبالفعل سافر إلى فرنسا في العام 1949 ليتخصّص في العلم الجنائي، وينال في العام 1950 الدكتوراه في الحقوق من جامعة السوربون الوحيدة آنذاك في كلّ فرنسا، وذلك على رسالة أجرى فيها مقارنة بين القوانين اللبنانية والفرنسية، وتحديداً بين صلاحية قاضي التحقيق في فرنسا وقاضي التحقيق في لبنان، فضلاً عن نيله دبلوماً في العلم الجنائي.
معركة القضاء
عند عودته إلى وطنه، قرّر حسن عواضة أن يستقيل من وظيفته ليرتدي زيّ المحاماة، فما كان من مدير عام العدلية آنذاك القاضي أنيس صالح إلاّ أن طالبه بدفع قيمة المنحة الدراسية التي أعطيت له لقبول استقالته لأنّ من شروط المنحة العمل في الدولة، فلزم مكانه، وما إنْ لاحت دورة قضاة في العام 1951 حتّى خضع لمباراتها، ونجح مع ثلاثة آخرين بينهم القاضي نصري الياس سلهب(1921-1995) وقد صار لاحقاً سفيراً ومحافظاً للبقاع ورئيساً للمجلس الأعلى للجمارك، وبيار صفا الذي تزاحم معه على المركز الأوّل، فسبقه عواضة في الإمتحانات الخطيّة.
عيّن عواضة مستشاراً في محكمة الاستئناف المدنية في طرابلس برئاسة القاضي إميل يني الذي ما لبث أن نقل إلى الإدارة بتعيينه محافظاً للعاصمة بيروت بين العامين 1960 و1967 وهو من أهالي مدينة طرابلس العاصمة الثانية كما كان يقال في الماضي، وقد شبّهه الناس بالخليفة عمر بن الخطّاب، إذ كان نزيهاً ومهذّباً ولا يقبل وساطة من أحد.
درست لكي أكون قاضياً
يخبر عواضة أنّه في إحدى المرّات كان يتذاكر مع القاضي يني، فحاول هذا الأخير أن يملي عليه نصّ القرار المنوي تدبيجه فرفض”لأنّني لست كاتباً وأنا درست لكي أكون قاضياً” كما يقول لنا، وهذا ما أخبرته للقاضي يني الذي ضحك وقال له:” أنت الثاني الذي يرفض أن أملي القرار عليه، بعد القاضي أديب علاّم(1921- 2006)” الذي صار مدعياً عاماً استئنافياً، وذهب عواضة للتعرّف إليه وأخبره بهذه القصّة وقد أصبحا منذ ذلك الوقت، صديقين حميمين.
في إحدى المرّات، أصدر القاضي عواضة أحكاماً ضدّ شقيق أحد الوزراء في عهد الرئيس بشارة الخوري، فما كان منهما إلاّ أن طلبا نقله إلى مكان آخر وكان لهما ما أرادا. يبتسم عواضة ويقول:” كنا نرفض، أديب علاّم وأنا، أيّ اتصال حتّى ولو كان من مرجعيات عليا، وكنا نعمل بضميرنا”.
مع شهاب وسركيس
نقل عواضة من القضاء العدلي في طرابلس إلى القضاء المالي في بيروت ، وعيّن مستشاراً في ديوان المحاسبة حيث تعرّف إلى القاضي إلياس سركيس(1924-1985) رئيس الجمهورية لاحقاً، وصارا زميلين وصديقين. ويخبر عواضة أنّه في عهد رئيس الجمهورية الجنرال فؤاد عبدالله شهاب(1902-1973) رفض إلياس سركيس مناقصات عائدة لوزارة الدفاع والجيش اللبناني فاستدعاه شهاب واستسفر منه عن الأمر وعن سبب هذا الرفض بحضور المعنيين، وأعجب بشرح الأسباب القانونية لرفضه وعدم قبوله بالوساطات، وتذكّره عندما انتخب رئيساً للجمهورية فعيّنه مديراً عاماً في رئاسة الجمهورية، وهو المؤمن باحترام الدستور والقانون وإحلالهما في كلّ شيء ولا يزال الناس يردّدون عبارته الشهيرة “شو بيقول الكتاب” أيّ الدستور.
زمالة جنبلاط
في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة أو الألبا ALBA التي أطلقها إلكسي بطرس(1915-1980) في 15 آذار 1943، درّس حسن عواضة مادة العلم الجنائي بدءاً من العام 1955، وتزامل مع نخبة من كبار رجالات الدولة والمجتمع سياسياً وعلماً وثقافة، منهم على سبيل المثال، الدكتور إدمون ربّاط(1904-1991) الذي كان يدرّس القانون المدني، والوزير والنائب والسفير والصحفي غسّان تويني(1926- 2012)، والزعيم كمال جنبلاط(1917-1977) الذي ربطته به صداقة حميمة ومتينة. ومن تلامذته في الألبا القاضي سري حسامي الذي صار رئيساً لديوان المحاسبة بالوكالة لمدّة سنة بموجب المرسوم رقم 228 تاريخ 8 أيار 1990، والقاضي وديع شلهوب، والوزير والنائب والمحامي إدمون رزق.
ودرّس عواضة أيضاً، بين العامين 1959 و 1992 في كلّيّة الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية في الصنائع في بيروت، مواد التشريع المالي والضرائب والإقتصاد المالي لصفوف الدراسات العليا. ومن تلامذته فيها نذكر رئيس المجلس النيابي ورئيس حركة “أمل” المحامي نبيه بري، ورئيس المجلس الدستوري الدكتور عصام سليمان، ورئيس الجامعة اللبنانية والوزير الدكتور عدنان السيّد حسين، والقاضيان شبيب مقلّد، وسامي منصور، والمحامي موريس دياب.
أنا جنرال
ولاحقاً، توطّدت العلاقة بين الدكتور عواضة، والأستاذ نبيه بري الذي أحبّ أن يكرّم أستاذه وقد بلغ من العمر عتياً، فأرسل بطلب ترشيحه للإنتخابات النيابية في دورة العام 2009 عن المقعد الشيعي في قضاء البقاع الغربي، فرفض عواضة وأجابه: أنا جنرال في مكتبي، ليش بدك تنزلي شرايطي وتعملني نفر عندك” فضحكا، وقال له بري:”أنت أستاذي وحقّك عليّ أن أكرمك”، غير أنّ عواضة تمسك برأيه واعتذر عن قبول الترشّح.
أعطى عواضة سلسلة محاضرات في المعهد الوطني للإدارة في بيروت بدءاً من العام 1960 ولغاية العام 1972، ودرّس في قسم الدراسات العليا في الفرع الفرنسي في كليّة الحقوق والعلوم السياسية والإقتصادية في الجامعة اللبنانية، وأشرف على أطروحات دكتوراه عديدة.
يتوقّف عواضة كثيراً عند عهد الرئيس شهاب الذي عايشه عن قرب وعن كثب ويعنيه كثيراً، ويذكر أنّه عيّنه عضواً في اللجنة العليا للإصلاح الإداري، وكانت مهمّتها إعداد القوانين المعمول بها لغاية اليوم في الدولة اللبنانية، إذ كانت هذه القوانين ترسل من لجنة فرعية إلى هذه اللجنة العليا التي تحضر جلسات مجلس الوزراء وتشرح مشاريع القوانين. وفي أحد الأيّام، قال الجنرال شهاب للرئيس سركيس:”حسن عواضة خَرْج يعمل رئيس التفتيش المالي” وهكذا كان.
سفراء مخالفون
وبما أنّ وزارتي الخارجية والدفاع الوطني تخضعان للتفتيش المالي التابع مباشرة لرئاسة الحكومة، ترأس عواضة لجنة من مفتّشين إثنين وسافروا إلى عدد من الدول الأوروبية والأميركية لتفتيش سفارات لبنان الموجودة فيها، ونظّموا تقارير بمخالفات جزائية إرتكبها عدد من السفراء وتشاور عواضة بشأنها مع وزير الخارجية آنذاك فيليب تقلا(1915-2006) الذي اقترح أن يجري إجبار هؤلاء السفراء على الإستقالة عوضاً عن محاكمتهم جزائياً، “لأنّ لبنان لا يحتمل ذلك” بحسب قوله له، وهكذا استقال هؤلاء بناء على طلب تقلا.
لم ينته مشروع شهاب الإصلاحي وقد وجد ضالته في عواضة الذي كان على قدر الثقة والمسؤولية وجرأة القول وعدم الخشية من إبراز الحقّ والحقيقة معتمداً على حماية الرئيس شهاب الكبيرة.
ولم تنجُ وزارة الدفاع الوطني من”غارات” عواضة التفتيشية، وتمكّنت تقاريره المدروسة من استبعاد عدد من الضبّاط بسبب الفساد والإرتكابات مستنداً أيضاً على حماية ودعم شهاب على ما يقول عواضة لـ“محكمة”.
حالت الطائفية البغيضة دون تعيين القاضي حسن عواضة رئيساً لديوان المحاسبة، إذ كان هذا المنصب محسوباً لغير الطائفة الشيعية ضمن توزيع مناصب الفئة الأولى في الدولة اللبنانية قبل اتفاق الطائف، وهذا ما دفع رئيس الجمهورية آنذاك الوزير والنائب والسفير والصحفي والمحامي شارل حلو(1913-2001) إلى تقديم عرض للقاضي عواضة يرمي إلى تعيينه وزيراً في إحدى حكومات عهده كخيار بديل عن رئاسة ديوان المحاسبة، لكنّ تقشّف إبن بلدة مشغرة البقاعية دفعه إلى الإعتذار وتفضيل البقاء في الجسم القضائي.
إقفال الهاتف بوجه رئيس الوزراء
عيّن حسن عواضة عضواً في هيئة الحوار الوطني التي كانت غايتها وقف الحرب اللبنانية المندلعة في 13 نيسان 1975 بعد استقالته من التفتيش المالي وانتسابه إلى نقابة المحامين في بيروت في العام 1972، وهي ضمّت رجالات الدولة آنذاك مثل صائب سلام(1905-2000)، بيار الجميل(1905-1984)، عبد الله اليافي(1901-1986)، كميل شمعون(1900-1987)، كمال جنبلاط(1917- 1977)، إدمون رباط(1904- 1991)، رشيد كرامي(1921 – 1987)، ريمون إده(1913- 2000)، و”كنا نتفق على أمر ما في الإجتماع، ثمّ يتراجعون عنه”. ويُرْفق عواضة حديثه بابتسامة إعتراضية، ويضيف أنّه في أوّل اجتماع إقترب منه الرئيس صائب سلام وقال له:” انت أوّل موظّف بيسكّر تلفونو بوجّ رئيس الوزراء” وضحكنا. والسبب أنّه سبق للدكتور عواضة أن وضع يده على قضيّة تهمّ سلام الذي طلب منه “لفلفتها”، ولكنّ عواضة عالجها بالنزاهة القانونية المفترضة والمعروفة عنه واتصل به سلام صارخاً بوجهه ممّا اضطرّه إلى إقفال التلفون بوجهه وقدّم استقالته من الوظيفة.
كما عيّن عواضة عضواً في لجنة تعديل الدستور التي أنشئت في عهد الرئيس أمين الجميل، إلى جانب شخصيات بارزة منها مروان حمادة، وعاكف حيدر، وروبير غانم، وقامت بإجراءات وتعديلات لم يقيّض لها أن تبصر النور.
لا يغيب عن بال حسن عواضة أن يذكر رفيق دربه في المحاماة وشريكه في مكتب المحاماة أدولف تيّان، كونه معجباً بأدائه وسيرته، وهو انضوى في مكتبه في محلّة الحمراء في بيروت بعدما كان يتدرّج في مكتب المحامي إميل أبو زيد الذي سافر إلى فرنسا، وبقيا معاً يتشاركان هموم هذه المهنة وهذه الحياة حتّى عند انتقال مكتبهما للمحاماة إلى جادة الرئيس سامي الصلح(1899- 1968) في بيروت.
أوكلت نقابة المحامين في بيروت إلى حسن عواضة رئاسة إحدى لجانها التأديبية الأربع للنظر في ملفّات المحامين المخالفين ووضع حدّ لتصرّفاتهم الخارجة عن آداب المهنة، وذلك حفاظاً على هيبة الجناح الثاني للعدالة.
وتولّى نيابة رئاسة مؤسّسة فؤاد شهاب التي يرأسها الوزير الأسبق شارل رزق، وعضوية اللجنة الإدارية لأصدقاء كمال جنبلاط التي يرأسها الوزير السابق عبّاس خلف.
وعمل عواضة مُحَكّماً في غرفة التجارة والصناعة في بيروت منذ العام 1972، وفي محكمة التحكيم في الغرفة التجارية الدولية منذ سنة 1997.
وترأس عواضة رابطة خريجي كلّيّة الحقوق والعلوم السياسية والإقتصادية في جامعة القديس يوسف في ستينيات القرن العشرين، وانتخب المحامي شفيق الوزّان(1925-1999) نائباً له قبل أن يصبح رئيساً للوزراء بين العامين 1980 و1984.
ونال عواضة الدكتوراه الفخرية في العام 2016 من”الكونسرفاتوار الوطني للفنون والمهن”(CNAM) في باريس بناء على اقتراح الهيئة الإدارية وموافقة وزير الخارجية الفرنسي، وذلك بسبب إسهامه الفعلي في إنشاء المعهد العالي للعلوم التطبيقية والإقتصادية مع الزعيم الراحل كمال جنبلاط الذي كان وزيراً للتربية في ذلك الوقت.
الحبيبة سورية
تزوّج عواضة في العام 1954، من إبنة مدينة حمص السورية عفاف البنّي بعدما تعرّف إليها من خلال شقيقها الذي كان يدرس في الجامعة الأميركية في بيروت، وصودف أن انضمّت إليه لتدرس البكالوريا التي لم تكن متوافرة في مسقط رأسها، وتسجّلت في مدرسة المقاصد، وتولّى عواضة تدريسها اللغة الفرنسية بناء لطلب شقيقها وكان عمرها 16 سنة ونشأت علاقة حبّ بينهما توّجت بالزواج وإنجاب الطبيب البروفسور حسّان في العام 1955، والمهندسة المعمارية سوسن في العام 1959، ومهندس الكومبيوتر أيمن في العام 1965.
يملك عواضة الكثير من المؤلّفات منها: المالية العامة والضرائب(مقالات في الإقتصاد المالي)، الإجراءات الضريبية، وهو نال درعاً من وزارة التنمية الإدارية في عهد الوزير والنائب والمحامي فؤاد السعد بين العامين 2000 و2003، ودرعاً مماثلاً من الحركة الثقافية في انطلياس، وذلك تقديراً لعطاءاته وجهوده الجبّارة في ميادين العلم والعمل والخدمة العامة.
(نشر في مجلّة “محكمة” – العدد 27 – آذار 2018 – السنة الثالثة)

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

رفعاً للمسؤولية فإنّ أيّ تعليق يمثّل رأي صاحبه وكاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع والمجلة.