اليوم 13/05/2018 الساعة 7:29 PM

الجنس “الثاني” /عصام كرم

10:56 ص 13 مايو 2018 | أبرز الأخبار, مقالات


النقيب عصام كرم:
الرئاسة هالة ومهابة … إذا انثلمت زال شيء كثير من الحضرة الرئاسية. هذه كانت للملوك. مع الثورات والديموقراطية اختلف الأمر. صار الرئيس في المتناوَل. فصار عليه، في مسْراه وعِفّته،أن يحمي الهالة ويصون المهابة. قلّ الرؤساء الذين استطاعوا. يكفي أن يجرؤ شخص على اقتحام السُّوْر الهيبان حتّى تنطلق الكلمة وتعبر العين ويَهتكَ الهالةَ المستطيلون. في لبنان كان بشارة الخوري، الرئيس الأوّل في الإستقلال في 1943، مُحاطاً بحُرمة حَجَبتْه عن السِّهام الناقدة. حجبت شخصه. ولم تحجب “العهد”. ولا الحكومة … إلى أن كتب كمال جنبلاط ، في سنة 1951، وكان التجديد الرئاسي كبّر حجم الإستياء والنقمة، مقاله بعنوان:”جاء بهم الأجنبي، فليذهب بهم الشعب”! فقرّرت السلطة مصادرة جريدة الحزب التقدّمي الإشتراكي “الأنباء. فبادرت سبع صحف بيروتية إلى نشر المقال. فصارت مصادرة الصحف السبع. ودخل الناس الحرم الرئاسي وقيل في كمال جنبلاط مديح كثير. فقال: أنا لم أعمل شيئاً خارقاً. كان لوح زجاج يفصل الرئاسة عن الشعب. فرميت الزجاج بحجر كسره … وعَبَر الشعب.
الرئاسة هالة لا يجوز أن تنزح. ولا اعتداد بالصيرورة. حسني مبارك دخل السجن. هذا حَدَث يُذكر. خروجه لا يُعيد إليه مسحة الفرعون. بيل كلينتون إلتصق بفستان مونيكا لونيسكي لا تعتقُه منه “براءته” في الكونغرس الملتئم برئاسة كبير القضاة. ريتشارد نيكسون لحقَتْه لعنة ووترغيت. مثلما لحقت لعنة بيغماليون نيكولا سركوزي وألماسات لوكاسا فاليري جيسكار ديستان. دونالد ترامب قيل فيه ما ليس مقبولاً قوله في رئيس. وهذا في أميركا حيث للرئيس قيمة كبرى.أمامي كتاب”كيف تموت الديموقراطيات” لأُستاذين في هارفرد حَكَيا عن رئيس يسمح بالعنف ويكبح الإعلام … ولكنْ، قولوا لي أيّ رئيس أحبّ الإعلام! … رئيس محاط بفريق إنتخابي موميائي. بلا خطّة. بلا رؤية. لا يدري ماهيّة العقل السياسي. قسّم السلطة بمزاجية! ألسياسة الداخلية سلّمها إلى الجمهوريين. وسلّم السياسة الخارجية إلى الجيش. كأنه لا يعلم أن أزمة صواريخ كوبا، لو تُركت للجيش، كانت وقعت الحرب الكونية الثالثة. والباقي تقاسمه منافع فساد مع عائلته وبعض أصدقائه. فسيّب القضاء. وأنقص من هيبة القيادة الأميركية في المجال الكوني. وهمّه مصالحه ومصالح الصهر العزيز جاريد كوشنير.
ألرئاسة هالة.إذا انثلمت بَرَدَت هِممٌ وتبّرأت ذِمم. إيمانويل ماكرون ظنّوه قادراً على إزالة خرافتين . الأُولى ، أنّ فرنسا عصيّةٌ على الإصلاح. والثانية، أنّ السلطة العامّة موهونة. فلم يكن الواقع في مستوى الطموح. وهكذا في لبنان. ما استطاع ميشال عون أن ينزع من التفكير العام أنّ الدولة اللبنانية عصيّة على الإصلاح. ولا أنّ الوهن ليس من العناصر المكوَّنة للسلطة العامة. عندنا وزراء. وليس عندنا حكومة. عندنا نوّاب. وليس عندنا مجلس نيابي. عندنا قضاة. وليس عندنا قضاء. عندنا موظّفون. وليس عندنا إدارة. عندنا ضبّاط. وليس عندنا مؤسّسات. هذه دولة “دالاديي” في فرنسا أواخر ثلاثينات القرن الماضي وعشيّة الحرب الكونيّة الثانية بعد توقيع إتّفاقات مونيخ. وهذه قرطاجة بعد الحرب البونيّة الثالثة. La troisième guerre punique . وإذا كان المانحون في المؤتمرات الدولية ينتظرون إصلاحاً لبنانياً حتّى يمنحوا، فلن يمنحوا… إلاّ إذا كانوا هُم المستفيدون. أيّ مانحو أنفسهم.”نْكان هلغزْلِةْ عزلتِك حرير بدّك تلبسي”.
ضبّاط يلعبون بالتحقيق؟ قصّة تصير عاديّة. قيصر روسيا، ألكسندر الثاني، قُتل بتفجير لأنّ وزير الداخلية لم يُعلمْه بالمؤامرة التي كان عارفاً بها. ألعثمانيّون كانوا يعرفون المجرم فور حصول الجريمة لأنّهم كانوا،هم،من دبّر وهندس ودفع إلى الفِعْلة.
شرْط الفرنسيين على ايّمانويل ماكرون أن يعرق. أن يجتهد في الحكم حتى يُجهده البذل. ففعل هو ما استطاع . وما استطاع لم يُعطِ الناس ما وُعدوا به. ميشال عون حاول. لكنّه لمس أنّ الدرب دُوْنه وأنّه ، كما في مقال امرىء القيس، لاحقٌ بـ قيصر..
ألمسؤولية ليست عليه وحده. كلّهم شريكه في بلوغ هذه الصيرورة. وليست إنتخابات 6 أيار 2018 هي التي ستصوّب السيرورة . 6 أيار يوم الشهادة. وهذه المرة ألشهيد لبنان. لأنّ الإنتخابات لن تغيّر شيئاً. خطّان كبيران يتناقران. محلّياً إقليمياً دولياً. تعولمت إنتخابات لبنان. وكلّ الأفرقاء … المحلّيين والإقليميين والدوليين… حطّوا كثيراً من الماء في نبيذهم. التسُّونامي … حتّى في كسروان … صار قصّة قديمة. ألربح يوصل إلى التآكل. والحماسة تبرد مع الوقت. والنبض الشعبي ليس حِكْراً على أحد. وعَدّ العشرة سيرة كلّ عاقل.
الأجنبي قرّر الإنتخابات. مثلما قرّر الـ TVA. مثلما قرّر قانون تبييض الأموال. وهو … الأجنبي نفسه … يعرف أنّ تبييض الأموال يجري في بلده تحت ذقنه. وصانعو الإنتخابات بوغتوا … فأجروا تحالفات على طريقة تشرشل:التحالف مع الشيطان لأربح الحرب. بهذه الذهنيّة جاء بوانكاري بـ كليمانصو. وبهذه الذهنيّة جاء كليمانصو بـ فوش. قالوا له، وهو الماسوني المناهض للإكليروس، إنّ فوش كاثوليكي شقيق بادري يسوعي ويذهب يومياً لسماع القدّاس. فقال: مستعدّ للذهاب معه إلى القدّاس إذا كان يؤمّن لي ربح الحرب.
هكذا الطبع البشري الناهد إلى الغَلَبة… وكلّ وسيلة حلال. فاروق، ملك مصر، جاء بالنحّاس … مصطفى النحّاس، زعيم الوفد ، لما اشتدّ خطر روميل، ثعلب الصحراء. جاء به يوم دخل عليه الضبّاط الإنكليز في قصر عابدين يُعلمونه بأنّ دبّاباتهم تطوّق القصر وبأنّ الضرورة الملّحة تفرض مجيء النحّاس إلى الحكم فأطلّ من الشرفة فرأى الدبّابات. فاستدعى النحّاس، خليفة سعد زغلول، وولاّه.
والقصص كثيرة في هذا الآذار الذي شهد نهايات خالوا بداياتها واعدة. هذا الآذار الشاهد على أعياد كثيرة… تاجُها عيد مريم في الخامس والعشرين منه … ثمّ عيد الفصح … عيد الولاية الثانية والإنسان الجديد. وفي أيّامه يوم المرأة الذاهبة إلى الإنتخابات بهمّة سمّاها العرب قعساء. مع أنّ المرأة اللبنانية، وهي على رُقيّ عصري، تعرف أنّ المرشّحين كثيرون. لكنّ المختارين قلّة. أنا لا أرى في كثرة الترشيحات دليل عافية. لأني تعلّمت أن أقيس الطموحات بالإمكانات. وإلاّ فسد القياس وكانت الخيبة. ألمرأة جُزء عزيز من المجتمع. هي النصف الحلو. لكننا، اليوم، نقول في حقوقها. ولا نقول غزلاً فيها. هي، حتى اليوم، وهذا في منازلة الشيء العام … وآخذُها من الفرنسيّة La chose publique … بنت فلان أو زوجة فلان أو أُخت فلان أو مرشّحة فلان لأنّ الدافعين إلى إجراء الإنتخابات أقنعوا أهلنا بأن يزيّنوا اللوائح بالنفح الأُنثوي. ما امرأة أطلّت بذاتها تفرض نفسها بطاقاتها. بجهدها . بلى ! نساءٌ … قليلات … جهدْنَ ، ولكن من دون أن يكافأ جهْدهنّ . فطالبت المرأة بالـ كوتا . أنا لا أعتبرها تليق بالمرأة هذه الـ كوتا. ثمّ … من يصدّق أنّ الآخذ مطرحاً في الخامة العامة مستعدّ لإخلاء مطرحه … إلاّ لمن نازعه عليه فأخذه منه غلابا؟
أنا تابعتُ مؤتمرات المرأة. من ميكسيكو 1975 إلى كوبنهاغ 1980إلى نيروبي 1985 إلى بيكين 1995… فلم أرَ نتيجة مهمّة تشبه حركة المناديات الإنكليزيات بحقّ المرأة بالإنتخاب تتظاهرن بثبات عنيد Les suffrajettes بين الحربين الكونيّتين . فكان للمرأة الإنكليزية وللمرأة الألمانية ذلك الحقّ في سنة 1918 وللمرأة التركية في سنة 1923 وللمرأة الفرنسية في سنة 1944.
في التاريخ أنّ المرأة طالبت بالحرّية الجنسية. بحقّ الإجهاض. بالحماية من التحرّش، أكثر ممّا طالبت بحقّها بالمشاركة في الشأن العام. وفي التاريخ البعيد، وقد ظلم المرأة منذ اليمتولجيا، أشياء ثابتة وأشياء تحت الأخذ والعطاء. منها أنّ المرأة وَليت السلطات. هذا لم يثبت. ما ثبت أنّ النساء سبّبن كلّ الكوارث. حوّاء والتفّاحة التي غصّ بها آدم. باندور و”العلبة”. علبة باندور. هي فتحت العلبة التي خبّا فيها دْروس، إله الآله، البؤس والشقاء. كأنّ باندور اُرسلت إلى الرجال لتعاقب كبرياءهم. زوجة إيميتي، شقيق بْروميتي، رائد الثقافة الأوّل . خطف اللهبة المقدّسة من الآلهة وأعطاها للإنسان، وفي باله أنّه لن يعاقَب لأنّه من سلالة “الجبابرة” les titans . فأباها عليه دْزوس وربطه إلى صخرة في جبل القفقاس وصار نسرٌ ينهش كبده، والكبد تتنامى. فذاق المرّ الموْجع… إلى أن أنقذه هرقل. هكذا في التاريخ. وفي التاريخ أنّ المرأة كانت دوماً واجهة الإغراء. حرب طرواده … سببها المرأة. باريس، إبن بْريام، خطف إيلين زوجة مينلاس. ورومولوس خطف السابينيات les sabines . فكانت فوقيّة الذكورية. وكانت نشأة اللامساواة.
فأين جهد المرأة الساعية إلى حقوقها من التوفّر على مَحْو الصورة التاريخية الكدِرة؟ وأين تفسير الأدب الأُنثوي، وكلّه حكايا التحرُّر الجنسي؟
لماذا لا نعيد قراءة جورج صانْدْ وكوليت وفرانسواز ساغان، وقبلهنّ سافو، وهنّ محطّات في الأدب الأُنثوي littérature féministe . لماذا لا نسعى إلى إدراج أدب المرأة في البرامج الرسمية، والنساء عارفات بأنّ أديبة فرنسيّة واحدة دخلت منهاج البكالوريا هي مدام دو لافاييت من القرن السابع عشر صاحبة la princesse de Clèves . سيمونّ دوبوفوار كتبت “الجنس الثاني”. فقال في كتابها كاتبان كبيران، ألبير كامو وفرانسوا مورياك … قالا كلاماً كبيراً … هذا الكتاب ينال من شرف الذّكَر الفرنسي.
أَوَليس في المِكْنة معالجة قضية المرأة بغير العداوة مع الرجل؟ وهل يجب أن تكون المرأة دوماً في موقف الضحيّة؟ أَوَليس في التاريخ مواثبات أنثوية للذكور؟ ألحَدث العادي fait divers اليومي يحفل بتحرُّش أنثوي بالذّكَر. إبن الرومي قال في الطبيعة، في الربيع، إنها تبّرجت بعد حياء وخَفَر تبّرج الأُنثى تصدّت للذّكر. أكثر من حادثة ونستين … هارفي ونستين؟ بريجيت باردو طالبت بإطلاقه ذاهبةً إلى حدّ القول باسم المرأة اللَّعوب: إذا كان للمرأة ثديان فحتّى يشدّها الرجل بهما؟ في “الأغاني” أنّ ثلاثة ما كان يجوز لهم أن يَرِدوا الحجّ إلاّ مقنَّعين … وضّاح اليمن. إسمه عبد الرحمن. سُميّ وضّاح لجماله وبهائه. والمقنَّع الكندي. وأبو زيد الطائي. كانوا يسترون وجوههم خوفاً من العين وحذراً على أنفسهم من النساء.
* * *
ما أحد ضدّ المرأة. على أن تأخذ حقوقها بإثبات وجودها، لا بالـ كوتا. لأنّ الكوتا، في رأيي ، تنشىء طائفة جديدة … فيصير في لبنان الطوائف تستعشر طائفة.
إثبات الوجود بالإطلالة على التاريخ إطلالة الحريص على إجراء عملية تجميلية. ثمّ بتعاطي العمل العام من دون شعور بأنّها الجنس “الثاني”. هي جنس. والذّكر جنس. وبتكامل الجنسين المتعادلَيْن في التبعات ليصيرا متعادلَيْن في الحقوق، يكون التكامل.
* * *
من يسقي زهرة الغياب؟
وصلني كتاب هيّا طارق زيادة “من يسقي زهرة الغياب”؟ فقرأته. وقراءته ميسورة. أدب وجداني . وفكرْ فتيّ متعافٍ. أنا لا أعرف هيّا. أعرف طارق زياده، القاضي الكاتب. والكتاب الذي وصلني هو كتابها السابع. مرحى للطلاّعين الواعدين! وهيّا!
(نشر في مجلّة “محكمة” – العدد 28 – آذار 2018 – السنة الثالثة)

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

رفعاً للمسؤولية فإنّ أيّ تعليق يمثّل رأي صاحبه وكاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع والمجلة.