اليوم 09/09/2018 الساعة 11:22 PM

وزير العدل سليم جريصاتي لـ”محكمة”: أنهينا”الجزر القضائية”.. وقانون العفو جاهز ولنكافح الفساد المؤسّساتي و”معركة الحرّيات” وهمية/فريال الأسمر



حاورته المحامية فريال الأسمر:
يكشف وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال سليم جريصاتي في حديث مطوّل مع “محكمة” أنّ مشروع قانون العفو العام بات جاهزاً، وأنّ “الحكومة الجديدة سوف تكون مدعوة لدراسة مشروع قانون العفو لأنّنا جاهزون”، مؤكّداً أنّه لا أساس لمعركة حرّيات، بل هي معركة وهمية، يقصد منها النيل من عهد الرئيس العماد ميشال عون ومنه شخصياً بصفته وزيراً للعدل.
ويتطلّع جريصاتي الحريص على سمعة القضاء إلى “مكافحة الفساد المؤسّساتي” شرط أن “تتكوّن لديه ملفّات أكثر وعناصر إثبات أكثر”، ويقول في هذا الإطار:”حرّكنا ملفّ السوق الحرّة في المطار، ولديّ ملفّات أخرى”.
ويرفض وزير العدل ما قيل عن وقوفه ضدّ استقلال السلطة القضائية في إعداد تشكيلاتها ومعارضته لتعديل المادة الخامسة، بل “شرحت أنّه ليس في أوّل عهد فخامة الرئيس ميشال عون يتمّ الاستغناء عن المرسوم العادي، لأنّ المناقلات تصدر بمرسوم عادي، وليس بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء، وبالتالي المرسوم العادي له كيان دستوري بعد اتفاق الطائف، وهو ما تبقّى من صلاحية صلبة لرئيس البلاد، وليس من أوّل يوم نقوم بشحطة قلم بسحب هذه الصلاحية”، معلناً عن تسلّمه “ثلاثة مشاريع من مجلس القضاة الأعلى مع ملاحظاته، وأنا منكبّ على دراسة المشروع الأفضل”.
وصارت عبارة “وزير الأداء القضائي” ملازمة للعضو السابق في المجلس الدستوري، بعدما تردّدت على لسانه مراراً وهو يؤكّد مضمونها”أنا وزير الأداء القضائي، وإذا كانوا ينتظرون من وزير العدل أن يكون وزير مالية ويوقّع على معاملات مالية ويسيّر المرفق المالي، فهذا ليس عمل وزير العدل”، مشدّداً على أنّه لم يكن “متهاوناً مع أيّ مخالفة في الأداء القضائي على الاطلاق، وأعدت شريان الحياة إلى العدل بالتشكيلات القضائية” وانتهى “وجود قضاة ثوابت، وجزر قضائية لا يقترب منها أحد”.
ويؤيّد جريصاتي “أن تتكفّل وزارة العدل بإدارة السجون، ولكنْ تنقصنا الميزانية والطواقم.. ونعمل على استحداث سجون جديدة وتحويل السجون القائمة إلى سجون حديثة”.
ولا يهدأ وزير العدل سليم جريصاتي في متابعة كلّ شاردة وواردة تتعلّق بالأداء القضائي الذي يحرص على الإعلاء من شأنه لما للقضاء من مكانة كبيرة في إقامة الدولة الفاعلة والقادرة، ولذلك تراه يوزّع مهامه بمنهجية مدروسة بين شؤون المحاكم وقصور العدل وشجونها وما أكثرها، فضلاً عن المتطلّبات الآنية واليومية في الوزارة واللجان والهيئات واجتماعات تكتّل”لبنان القوي” للتيّار الوطني الحرّ، والتغريدات السياسية اللازمة على “تويتر” للتعبير عن موقف ورأي لا بدّ من رفع الصوت لإيصاله سريعاً.
وبين زحمة النشاطات هذه، كان لـ“محكمة” لقاء هادئ ورصين مع جريصاتي العائد حتماً إلى موقعه على رأس وزارة العدل في حكومة الرئيس سعد الدين الحريري المنتظرة وذلك كممثّل للقاضي الأوّل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.
ويفخر إبن مدينة زحلة عروس البقاع، بترداد عبارته الشهيرة الملاصقة له ألاّ وهي”وزير الأداء القضائي”، وبعدم تهاونه مع أيّ مخالفة تتعلّق بهذا الأداء، ويقول: “لست وزير مالية يوقّع على معاملات مالية ويسيّر المرفق المالي، فهذا ليس عمل وزير العدل”.
ولم يأت جريصاتي إلى وزارة العدل من خارج سرب الحقوقيين، بل هو واحد من كبارهم، فالرجل محام وعضو سابق في المجلس الدستوري ووزير سابق للعمل، ولذلك يتأنّى في اختيار عباراته ومواقفه القانونية ومنها على سبيل المثال انتقاده لتعديل المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي في الجلسة النيابية الشهيرة في كانون الثاني 2017 إذ كان من المقرّر إجراء التعديل المرتقب بحيث لا يعود للسلطة التنفيذية ممثّلة بوزير العدل حقّ تجميد أيّة مسودّة لتشكيلات قضائية يعدّها مجلس القضاء الأعلى، ويقول جريصاتي: “إنّ وزير العدل لا يوضع أمام الأمر الواقع، وسمعت مناقشة لهذه المادة، وشرحت أنّه ليس في أوّل عهد الرئيس ميشال عون يتمّ الاستغناء عن المرسوم العادي، لأنّ المناقلات تصدر بمرسوم عادي، وليس بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء، وبالتالي المرسوم العادي له كيان دستوري بعد اتفاق الطائف، وهو ما تبقى من صلاحية صلبة لرئيس البلاد، وليس من أوّل يوم نقوم بشحطة قلم بسحب هذه الصلاحية، ومن هذا الباب انتقدت المادة الخامسة المذكورة، وتعهّدت حينها الحكومة بأن تضع مشروعاً، ولديّ ثلاثة مشاريع تسلّمتها حديثاً من مجلس القضاة الأعلى مع ملاحظاته، وأنا منكبّ على دراسة المشروع الأفضل”.
عن القضاء والقضاة والنادي الحاضن لهم والتشكيلات والانتدابات، ومشاكل قصور العدل والمحاكم، والعفو العام، والحرّيات العامة، والفساد، والسجون، كان هذا الحوار مع معاليه:
• كيف تلخّص عهدك في وزارة العدل وأين أصبت وأين أخطأت؟
الحقيقة أنّ هذا السؤال جيّد، لأنّ كلّ مسؤول متولّي خدمة عامة مفترض فيه أن يجري من وقت إلى آخر ما يسمّى عملية تقويم في الشأن العام، وأنا لست طارئاً على العدلية لأنّي كنت محامياً وضعت حدّاً لنشاطي في المحاماة نظراً للتمانع المنصوص عنه في القانون بين الوزارة وممارسة المحاماة، وأنا كنت عضواً في المجلس الدستوري لتسع سنوات حيث نظرنا في طعون مختلفة سواء في دستورية القوانين أو طعون انتخابية، وعندما كنت وزيراً للعمل في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي كانت تسلّم لي كلّ الملفّات القانونية الحسّاسة، وبالتالي فأنا أعرف العدلية من ناحية أنّ القضاء سلطة وحسب المادة 20 من الدستور سلطة وظيفتها مستقلّة تمام الاستقلال، فيها ضمانات للقاضي والمتقاضين، والعدل يعني لوزير العدل ما يعنيه أيّ نصّ دستوري فيه الإلزام وفيه تعبير صحيح عن مبدأ الفصل بين السلطات وتعاملها وتوازنها.
بالعودة إلى سؤالك أين أصبت؟ لقد أصبت في أن أعدت شريان الحياة إلى العدل بالتشكيلات والمناقلات القضائية العامة التي شملت أكثر من 558 قاضياً.
وأصبت في أنّي اعتمدت لأوّل مرّة مبدأ المداورة بين القضاة عند إجراء هذه المناقلات، وأصبت عندما أدخلت عنصر الشباب إلى المفاصل الحسّاسة في الوظيفة القضائية وأصبح الشباب اليوم في الحقيقة في المواقع الحسّاسة في القضاء العدلي أو الإداري أو الاستثنائي والمقصود به هنا القضاء العسكري، و أخيراً أصبت عندما أجريت مناقلات نوعية في المساعدين القضائين والكتبة ورؤساء الأقلام، كما أنّني أصبت في دراسة بعض القوانين الحسّاسة التي أوكلت إليّ، وأصبت في عقد وفي إعادة شبك المعاهدات الدولية مع وزارة العدل، وأصبت في أنّني لم أكن متهاوناً مع أيّ مخالفة في الأداء القضائي على الاطلاق، وأصبت في أنّني حرّكت الدعوى العامة أكثر من مرّة بمقتضى المادة 14 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وكان النائب العام التمييزي(القاضي سمير حمود) يتجاوب مع تحريك الدعوى العامة من الوزير، وأصبت في إعادة الحياة إلى التفتيش القضائي وتحريكه في أكثر من مساءلة.
وأصبت في تنقية الجسم القضائي من بعض القضاة وحفظ هذا الجسم والسلطة القضائية من أيّ تشكيك أو تساؤل في نزاهتها أو حسن أدائها.
لا أجد فشلاً في مسيرتي، فالاعلام المكثّف يشير إلى أنّ وزير العدل كان مناهضاً للحرّيات العامة أو كابتاً لها، بينما لدى وزير العدل نظرية على صعيد التواصل الاجتماعي وأنا كتبت من أوّل يوم تواصلت فيه مع النائب العام التمييزي لن يكون هناك توقيف احتياطي عندما يحصل شيء على صعيد التواصل الاجتماعي من قدح وذمّ وتحقير، وقد أعطاني رئيس الجمهورية العماد ميشال عون تعليمات فور دخولي وزارة العدل إذ إنّه أعلمني أنّه لا يريد أن يسمع بموضوع تحقير رئيس البلاد وملاحقة الإعلاميين أو غير الإعلاميين، وبموضوع التحقير التلقائي والتحرّك التلقائي من النيابة العامة التمييزية.
وعندما حصلت توقيفات إحتياطية، بادرت إلى معالجتها بناءً لتعليمات خاصة من فخامة رئيس الجمهورية، وحدثت أحداث معيّنة مع إعلاميين مثْل مارسيل غانم وحصل بالنتيجة أن انتصر القضاء ومَثَل هذا الأخير، ولا أساس لمعركة حرّيات، بل هي معركة وهمية، القصد منها النيل من العهد ومن وزير العدل، وأنا أعلم أنّه كما كان يقول الرئيس سليم الحص:”في لبنان كثير كثير من الحرّية وقليل قليل من الديمقراطية”، ولكنّ الحرّية المتفلّتة من أيّ ضوابط لم تعد حرّية، فالحرّية تقف عند حدود حرّيات الآخرين.
ولوزير العدل دور أكبر في مكافحة الفساد وهو العنوان العريض للعهد، ونحنا حرّكنا ثلاثة ملفّات في مكافحة الفساد لغاية الآن، وفي المرحلة المقبلة على وزير العدل أن يركّز أكثر على موضوع مكافحة الفساد.
جزر قضائية
• لكنْ يقال إنّ السياسة طغت على التشكيلات القضائية الأخيرة بدليل تقدّم قضاة أقلّ درجات إلى مراكز عالية على قضاة أعلى درجات منهم؟
الهرمية القضائية لا تشبه الهرمية العسكرية، وإذا كان هناك قاض في درجة أقلّ، فهذا لا يعني أنّه لا يقدر أن يلج موقعاً قضائياً متقدّماً على الاطلاق، وثمّة أمثلة كثيرة على ذلك، فالرئيس الأوّل لمحاكم التمييز أيّ رئيس مجلس القضاء، بدأ حياته مدعياً عاماً لجبل لبنان بدرجة ليست عالية وكان في عمر الشباب، إذن المقياس ليس هنا، والسياسة لم تتدخّل في التشكيلات القضائية، وأنا تركت مجلس القضاء الأعلى يعمل عليها وهي خرجت من لدنه بالإجماع. صحيح أنّه كانت لوزير العدل بعض الملاحظات، وقد جلست مع رئيس مجلس القضاء(القاضي جان فهد) ومدعي عام التمييز(القاضي سمير حمود) ورئيس هيئة التفتيش القضائي(القاضي بركان سعد) وأبديت ملاحظات أخذوا ببعضها ولم يأخذوا ببعضها الآخر، وهذه هي أصول اللعبة، وأصول المناقلات بحسب نصوص القضاء العدلي، وأفتخر بأن أقول بأنّ السياسة لم تدخل إلى أيّ مكان، وبعدما كنا نسمع في الماضي بوجود قضاة ثوابت، وبوجود جزر قضائية لا يقترب منها أحد، ولكنّ الأمر اختلف، وأنا لا أشكّك بنزاهة هؤلاء القضاة على الإطلاق، فالسياسة كانت لتمكينهم من ملفّاتهم، وجاء وزير العدل وحرّك الدائرة وأظهر عنصر الشباب ووزّعهم.
• ولكنّ التشكيلات القضائية توقّفت لفترة من أجل أسماء بعض القضاة؟
إطلاقاً، وأنا لم أحتج إلى أيّ معالجة سياسية بملفّ أيّ قاض. وقيل إنّني رافقت بعض القضاة في زيارة بعض المسؤولين لكي يتعرّفوا إليهم، وهذا أمر عار عن الصحّة.
قصّة تعديل المادة الخامسة
• لماذا هناك رفض لأن يكون القضاء مستقلاً عن السياسة في إجراء التشكيلات القضائية؟
لا يوجد رفض على الإطلاق، وأنا عندما استلمت حقيبة العدل كانت توجد جلسة لمجلس النوّاب، ومن ضمن بنود جدول أعمالها مناقشة تعديل المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي، وفي الحقيقة أنّ وزير العدل لا يوضع أمام الأمر الواقع، وسمعت مناقشة لهذه المادة من رئيس لجنة الإدارة والعدل النيابية روبير غانم، والنائب بطرس حرب ونائبين سابقين، وكانت لي مناقشة في هذه المادة واستمهلت لأدرسها وأخذ رأي مجلس القضاء الأعلى، وأنا ملزم بالنصّ أن آخذ برأي مجلس القضاء في كلّ ما يتعلّق بالسلطة القضائية، وعندما استمهلت شرحت أنّه ليس في أوّل عهد فخامة الرئيس ميشال عون يتمّ الاستغناء عن المرسوم العادي، لأنّ المناقلات تصدر بمرسوم عادي، وليس بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء، وبالتالي المرسوم العادي له كيان دستوري بعد اتفاق الطائف، وهو ما تبقى من صلاحية صلبة لرئيس البلاد، وليس من أوّل يوم نقوم بشحطة قلم بسحب هذه الصلاحية، ومن هذا الباب انتقدت المادة الخامسة المذكورة، وتعهّدت حينها الحكومة بأن تضع مشروعاً، ولديّ ثلاثة مشاريع تسلّمتها حديثاً من مجلس القضاة الأعلى مع ملاحظاته، وأنا منكبّ على دراسة المشروع الأفضل حتّى إذا ما جاء وزير غيري، أو أنا، يكون أمامه اليوم مسودّة قانون تؤمّن استقلاليه القضاة بدءاً من التشكيلات القضائية.
تهديد قضاة
• شاع بين القضاة أنّك هدّدت قضاة كباراً بالإقالة من مناصبهم، فهل هذا صحيح؟
لا أهدّد القضاة، وليست لديّ السلطة لذلك، فالقضاة الذين يعيّنهم مجلس الوزراء هم قضاة حقوقيون مثل رئيس مجلس القضاء الأعلى، والمدعي العام التمييزي، ورئيس هيئة التفتيش، والنائب العام المالي، والمفتّشين العامين، وأنا لا أهدّد قضاة، بل أقول فقط أنا لست وزير وصاية وعندما أشعر أنّ ثمّة أداء قضائياً سيئاً ألفت النظر إليه.
طقوش وموجب التحفّظ
• لماذا أحلت القاضي راشد طقوش على التفتيش القضائي؟
الرئيس راشد طقوش قصّته مختلفة، فقد وجّه كتاباً إلى وزير العدل فيه قدح وذمّ وتحقير ولم أقم بشيء شخصي ضدّه، لم ألاحقه قضائياً، وأعرف أنّه قاض في منصب شرف، ولأنّي أعرف بالعدل وهناك قانون ينظّم منصب الشرف ويفرض على منصب الشرف موجب التحفّظ وخرج عنه، أحلته على التفتيش القضائي، أحلته على أهل بيته على التفتيش القضائي لا العدلي. وأنا حزين أن يكون هذا القاضي خرج عن موجب التحفّظ، عن الصمت الحضاري، والصمت الكبير يرافق كلّ قاض يخرج من منصب الشرف.
أنا وزير الأداء القضائي
• يؤخذ عليك أنّك تدخّلت في غير ملفّ معروض أمام القضاء لما تعتبره تصويباً للأداء القضائي، فكيف تردّ على ذلك؟
أقول أنا وزير الأداء القضائي، وإذا كانوا ينتظرون من وزير العدل أن يكون وزير مالية ويوقّع على معاملات مالية ويسيّر المرفق المالي، فهذا ليس عمل وزير العدل، وذلك بدليل أنّ وزير العدل يستطيع مباشرةً أن يحيل قضاة على التفتيش القضائي. فلماذا هذه الصلاحية؟ ووزير العدل يساهم في المناقلات العامة ويوقّع المرسوم. ولماذا وزير العدل يحرّك الدعوى العامة، والنائب العام التمييزي مضطرّ أن يقبض على اختصاصه سواء حفظ الدعوى أم حرّكها؟ كلّ ذلك ببساطة، لأنّ وزير العدل ليس وصياً على المرفق، بل هو وزير الأداء.
• ولكنْ لدى تدخّلك في الملفّ سيضطرّ القاضي إلى أن يتصرّف بما تريده؟
على الاطلاق، وعندما يكون هناك تأخير في ملفّ لا سيّما في الملفّات الصادمة للرأي العام مثل القتل، الاغتصاب، الإرهاب، فعندها يجب على وزير العدل أن يسأل فيها.
إنتداب قاض مكان غانم
• ألا تعتقد أنّ التشكيلات القضائية ظلمت قضاة يتمتعون بالمناقبيه والعمل الدؤوب؟
اليوم النظرة إلى القضاء غريبة، فإذا تمّ تعيين قاض مستشاراً في محكمة التمييز يعتبر هذا قصاصاً، بينما مستشار التمييز في فرنسا معناه أنّه وصل إلى قمّة القضاء. هنا لدينا ميل إلى القضاء الجزائي والعجلة والتنفيذ، وبرأيي ليس كلّ القضاة مهيّئين لكي يكونوا في مواقع معيّنة، ولم يقع الظلم على كلّ القضاة، ولكن أستطيع أن أقول إنّ هناك قضاة يستحقّون أن يكونوا في مواقع معيّنة، والمداورة شملت كلّ القضاة في لبنان.
ولا بدّ أن أشير إلى التصرّف اللائق من وزير العدل، فالكلّ يعلم أنّ الرئيس سامر غانم يرقد في المستشفى، وندعو له بالشفاء العاجل، وشُغر مركزه، وكان لا بدّ من انتداب قاض كون المناوبة القضائية أرهقت كافة القضاة في جبل لبنان بالنسبة لمعالجة القضايا الواردة، فاستأذن وزير العدل عائلة القاضي سامر غانم بشخص شقيقه المحامي ناجي غانم لكي يتمّ انتداب قاض يحلّ محلّه، وهذا ما حصل بالفعل.
الانتدابات أثقلت القضاء
• هل هناك مجال لتشكيلات قضائية بعد تشكيل الحكومة خاصة وأنّ الانتدابات أثقلت الجسم القضائي؟
الانتدابات أثقلت القضاء، ووزير العدل الجديد مدعو إلى تخفيف الانتدابات لاسيّما أنّنا أجرينا دورة وأخذنا 34 قاضياً متدرّجاً، ومعهد الدروس القضائية يقوم بتخريج قضاة وفي الوقت نفسه لا توجد مناقلات عامة ولكن هناك مراكز ستصبح شاغرة مثل النيابة العامة التمييزية في شهر أيّار 2019(الأوّل من شهر أيّار)، ورئيس مجلس شورى الدولة في شباط 2019، والمديرة العامة لوزارة العدل في شهر آذار، ووفاة القاضية المناضلة الرئيسة ماري دنيز المعوشي رئيسة هيئة التشريع والاستشارات، وسوف نبادر إلى إجراء تشكيلات نوعية في المراكز الحسّاسة.
ناد للقضاة
• هل تؤيّد إنشاء القضاة نادياً خاصاً بهم؟
لا أستطيع أن أؤيّد أو لا أؤيّد، لأنّ مجلس القضاء الأعلى هو من يأخذ القرار، والنصّ واضح فكلّ شيء يتعلّق بمجلس القضاة يجبرني على أخذ موافقته، والحقيقة أنّ بعض القضاة تقدّموا من وزير الداخلية بموضوع تأسيس ناد للقضاة، واستشارني بكتاب خطّي وقمت بإحالته إلى مجلس القضاء فكان الرأي سلبياً، وأبلغته لوزير الداخلية، ولا يزعجني هذا الموضوع، لأنّه اليوم توجد جمعيات قضاة يجتمعون عند الحاجة، وتوجد بينهم مواقع التواصل الاجتماعي، وهم غير منعزلين ويستطيعون أن يوصلوا أصواتهم ساعة يشاؤون.
الإعلام والقضاء
• ألا ترى أنّ بعض الاعلام أصبح عدواً للقضاء؟ فإذا ما تحدّث الاعلام عن قضيّة معيّنة أصبح القضاء رهين نتائجها؟
بعض الإعلام يروّج عن القضاء صورة غير واضحة، ووزير العدل لا يحرّك الدعوى العامة بحقّ أيّ تحقيق استقصائي تقوم به أيّ وسيلة إعلامية مسموعة أو مرئية أو مكتوبة قبل أن يتأكّد، ولدى النيابة العامة التمييزية القدرة على التحقّق من جدّية ذلك، وبعض الاعلام يكون مُضَلّلاً وقد أسماه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “fake news”(أخبار مزيّفة) وتكمن مشكلته في أنّه يضلّل السلطة خطأ، ففي قضيّة المقدّم سوزان الحاج مثلاً أخذ القضاء مجراه حتّى آخر درجة ولا تزال الدعوى عالقة أمام القضاء العسكري، وسوف تمثل الحاج بالتهم المساقة ضدّها أمام المحكمة العسكرية الدائمة، وقد تعاطت بعض الصحف المكتوبة مع هذا الحدث بطريقة غرائزية أيّ بطريقة غير علمية وغير موضوعية، وقالت إنّ وزير العدل تدخّل بالقضيّة بصفقة بإخراج الحاج، ولديه السلطة في ذلك، وهذا كلام خطير الهدف منه النيل من القضاء وليس من وزير العدل، لذلك أسميته كلاماً غرائزياً رخيصاً لا قيمة قانونية له بدليل أنّه في كلّ يوم نسمع بهكذا أخبار ويأتي يوم آخر ويطويه إلى غير رجعة.
• بعض وسائل الإعلامية تتابع أيّ قضيّة وتشهّر بالقاضي، بكرامته، بأخلاقه، ولا يحقّ للقاضي الردّ، فمن يحفظ كرامة القاضي؟
وزير العدل هو الذي يحفظ كرامة القضاة، وضمانة القضاء منصوص عنها في المادة 20 من الدستور، وضمانتهم من ذاتهم، من أجهزتهم، من التفتيش القضائي، والنيابة العامة التمييزية تستطيع أن تلاحق أيّ مرتكب يضرّ بكرامة القاضي وسمعته وهيبته، وأيضاً وزير العدل.
القضاة يلتزمون الصمت. القضاة لا يخرجون عن الصمت، ولا يتكلّمون في الاعلام إلاّ بعد إذن وزير العدل وأنا كوزير للعدل حاضر ومقيم وقائم في عملي، ولست عابر سبيل في عملي، ولو كنت طبيب أسنان أو مهندساً، أو أيّ مهنة أخرى، ولم أكن ملمّاً بالعدل، أو بعمل الضابطة العدلية لمرّت عليّ بعض الأمور.
الموافقة الاستثنائية والإصلاحات الرئيسية
• لماذا تمّ الهجوم عليك في موضوع انقطاع الكهرباء والماء عن بعض قصور العدل؟
لأنّ هناك تراكماً في مشاكل قصور العدل، وهناك تقصيراً في الوزارة المسؤولة وهي وزارة الأشغال العامة، وراسلت الوزير يوسف فنيانوس ودعوته للذهاب إلى الحالة الطارئة، إذهب على التراضي، وأنا أقول لك كوزير للعدل إذهب إلى التراضي في قصر عدل بعبدا، وعندك الأموال المرصودة فاذهب إلى التفاهم الاستثنائي أو الموافقة الاستثنائية بحسب تعميم رئيس الحكومة أو رئيس الجمهورية، وابدأ في الإصلاحات الرئيسية في قصر عدل بعبدا.
• كل قصور العدل عانت انقطاع الكهرباء…
لقد تمّت الإحاطة بالموضوع في قصر العدل بيروت، والسبب ليس التراكم أو الاهتراء أو عدم التجهيزات، بل هناك أوقات يتمّ استعمال طاقة فوق اللزوم، ولا أضع اللوم على القضاة، ولكنّ ميزانية 41 مبنى يضمّ قصور العدل والمحاكم هي 250 مليون ليرة لبنانية في السنة، فماذا أفعل؟ أذهب إلى وزارة الأشغال العامة التي فيها مديرية الطرق والمباني أيّ المباني الرسمية، وهل هناك أسمى من مبنى رسمي اسمه قصور العدل؟
وزارة العدل تدير السجون
• ماذا عن مشكلة السجون في لبنان؟
هناك مرسوم قديم يجعل من وزارة العدل مولجة بإدارة السجون على أن تنتقل إليها، ولكنّ المشكلة تكمن في عدم قدرة وزارة الداخلية على نقل السجون إلى وزارة العدل غير المهيأة لإدارة السجون التي لها بعد أمني، لذلك يفترض أن يقوم الأمن بحراسة السجون، وأن تكون الإدارة داخل السجون لوزارة العدل بدءاً من المدير والأعوان سواء أكان سجن نساء أو رجال أو أحداث لأنّه يجب تفريقهم.
ولدى وزارة العدل مشروع متقدّم وهي تبحث الآن مع الاتحاد الأوروبي طرق التمويل، واستحداث سجون جديدة وتحويل السجون القائمة إلى سجون حديثة، وأهمّ شيء تدريب طواقم السجون لكي تستطيع وزارة العدل إدارة السجون، ولدى هذه الوزارة ضمانة لإدارة السجون لأنّها حين تديرها أوّلاً تعرف حقوق السجين والمعاهدات الدولية وتطبّق العدالة وتنفّذ قانون تخفيض العقوبات، وتزور السجناء لا سيّما المرضى منهم والمحكومين سنين طويلة، وأقول إنّه يجب أن تتكفّل وزارة العدل بإدارة السجون، ومشروعي قائم في هذا الاتجاه ولكنْ تنقصنا الميزانية والطواقم.
• ولكنّ هذه المشكلة قائمة منذ زمن بعيد، وما زلنا نتكلّم بالمشروع؟
هذه المشكلة قائمة منذ سنة 1964، وبرأيي أنّ وزارة الداخلية أنهكت في مسألة السجون، ولكنّ الأخطر من كلّ ذلك أنّ المفارز أصبحت نظارات لنقل الموقوف إلى المحكمة وانتظار الضابطة العدلية للتحقيق معه عوضاً عن القيام بمهامها وهي محاربة الجريمة.
عندما كتبنا لمجلس الوزاراء عن اختصاص السجون، إقترحنا عليه أن تكون بعض السجون في الثكنات العسكرية لأنّه لم تعد لدى السجون المركزية (رومية – زحلة – صيدا – طرابلس) القدرة لاستيعاب عدد زائد، وارتأى مجلس الوزراء أن يصار إلى تحديث أقسام في هذه السجون لزيادة القدرة الاستيعابية، وفي الوقت نفسه كنا نتحدّث عن قانون العفو، ولو سار في المسار الطبيعي لكان أخرج من السجون أكثر من ألف سجين.
السجناء السوريون
• هل أنّ عدد السجناء من التابعية السورية أصبح يوازي عدد السجناء الآخرين؟
كلا، فبحسب الاحصائيات هناك 37 في المائة من السجناء هم من السوريين محكومين أو موقوفين في جرائم نوعية خطيرة وجرائم عادية، والنسبة متحرّكة.
العفو
• هل هناك أمل في أن تقرّ الحكومة الجديدة قانون العفو العام؟
أعتقد أنّ الحكومة الجديدة سوف تكون مدعوة لدراسة مشروع قانون العفو لأنّنا جاهزون.
• ما هو العمل الذي لم تستطع إنجازه، وإذا بقيت وزيراً للعدل ترغب في تحقيقه؟
لو أتيح لي الظرف، ولا أقصد الظرف السياسي، بل لو تكوّنت لديّ ملفّات أكثر وعناصر إثبات أكثر، فإنّني كنت أرغب بمكافحة الفساد المؤسّساتي، و”كنت بفضّل حرّك ملفّات أكثر”، وحرّكنا ملفّ السوق الحرّة في المطار، ولديّ ملفّات أخرى، لأنّ وزير العدل لا يحرّك ملفّاً ويقف، والبرنامج الجديد هو مكافحة الفساد.

(نشر في مجلّة “محكمة” – العدد 33 – أيلول 2018 – السنة الثالثة)

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

رفعاً للمسؤولية فإنّ أيّ تعليق يمثّل رأي صاحبه وكاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع والمجلة.