إمرأة تروي لـ"محكمة" تجربتها في "نظارة بعبدا": الهواء يخجل أن يدخل إلى سرداب الموت/نادين خزعل

0 48

كتبت نادين خزعل:
الوصف الذي يليق بهذا المكان هو "حظيرة للحيوانات المهملة" من قبل الإنسان، هكذا تختصر سيّدة نتحفّظ عن ذكر إسمها الحقيقي، مشاهداتها وانطباعاتها عن نظارة قصر عدل بعبدا حيث أمضت مدّة شهرين ونيّف بشبهة التزوير التي لم تكن صحيحة على الإطلاق وجرى منع المحاكمة عنها بشأنها.
حضرت هذه السيّدة إلى مكاتب "محكمة" لكي تخفّف عن نفسها ما ذاقته من ويلات في غياهب هذه النظارة التي لا بدّ أنّ لها مثيلات في غير منطقة لبنانية، لعلّ المعنيين يتحرّكون لإنقاذ الإنسان والحؤول دون خروجه من هناك بلا رحمة.
هي غرفة لا تتجاوز مساحتها العشرة أمتار، تقول هذه المرأة، جدرانها الأربعة غير واضحة المعالم، وغير معروفة اللون، من أثر العفن والرطوبة. في زاويتها باب خشبي مهترئ يوجد خلفه مكان يستعمل للمرحاض دون أدنى شروط الصحّة، أو النظافة.
هنا لا هواء.لا ماء إلاّ بضعة ليترات في غالونات صدئة مهترئة.هنا لا زمان ولا مكان. هنا العدم بأكثر صوره تجلّياً وحضوراً.هنا نظارة قصر العدل في بعبدا.
في الطوابق السفلى تحت " القصر" توجد الأقبية. فيها يتمّ احتجاز الموقوفين قيد التحقيق والمشتبه بهم والأظنّاء. لاحقاً، قد تثبت التهمة عليهم أو قد تظهر براءتهم، لا فرق، فجميعهم هنا محتجزون بطريقة مهينة لا إنسانية، ولا كرامة فيها، ولا عدل، ولا من ينصفون.
تحت مكاتب القضاة الذين يحقّقون في شتّى أصناف الجرائم، توجد جريمة أكبر يتمّ ارتكابها من قبل الدولة والقانون والنظام الدستوري. سرداب طويل يفصل بين الحياة والموت البطيء، بين النور والظلمة.
باب حديدي مهترئ عفن صدئ هو بوّابة العبور إلى حيث يتساوى الليل والنهار عتماً، والزمن غياباً.
في هذه الأمتار العشرة، يتكدّس الموقوفون والذين يتراوح عددهم غالباً بين الخمسة عشر والعشرين. يفترشون الأرض رأساً بكعب. ينامون دون أغطية، ودون فرش. تتلاصق أجسادهم من ضيق المسافة. يسيل عرقهم فيتشاركونه بجراثيمه وميكروباته. يتنفّسون حفنة هواء تدخل إلى "حظيرتهم" من خلال ما تيسّر من قضبان الحديد، كأنّ الهواء وهو سرّ الحياة، يخجل أن يدخل إلى سرداب الموت الفاضح.
لمرّة واحدة كلّ يوم، تقدّم لهم الدولة طعاماً في سطول منظرها مقزّز، ورائحتها منكرة، ولا خيار آخر لديهم. والأهمّ من ذلك كلّه، أنّ الموقوفين ليسوا لوحدهم، بل يشاركهم وحشتهم ليؤنسوها، ضيوف دائمون من الجرذان، والصراصير، والنمل، والحشرات الزاحفة.
نعم…
هذا هو المشهد في نظارات قصر عدل بعبدا للرجال والنساء على حدّ سواء.
هنا يتساوى البريء مع المظلوم. يتساوى الخاطئ مع المذنب، مع المجرم. فكيف لدولة أن يكون ضمن حرم قصر عدلها هذه الأقبية من الظلم والظلامة؟!.
وحتّى المجرم؛ في أبشع صوره يبقى إنساناً، فهو يسجن للتأديب والعقاب، ولكن لا يحقّ لأحد إنتهاك كرامته وإنسانيته بهذا الشكل الفاضح الذي يتعارض مع أدنى حقوق الإنسان، ومع شرعة الكرامة الإنسانية التي كفلتها المواثيق والدساتير.
إنّ ما يجري هو جريمة كبيرة لا يمكن السكوت عنها. إنّ هذا الملفّ برسم وزارة العدل، ووزارة الداخلية، ووزارة الشؤون الإجتماعية، ووزارة الصحّة، والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، لأنّها يجب أن تتعاون في ما بينها ضمن آلية تنسيق معيّنة تكفل للموقوف أن يتمّ إيداعه في مكان لا يقابل جريمته بجريمة أكبر وأبشع.
آن الأوان للإضاءة على هذا الملفّ الصامت الذي لا يجد من يثيره ويتكلّم عن بشاعته وفظائعه سوى قلّة ممن كانوا فيه وخرجوا وامتلكوا جرأة وصف ما رأوه وعايشوه.
إنّنا ومن منبر "محكمة" نطالب كلّ الأجهزة الرسمية المعنية بضرورة التحرّك سريعاً لإيجاد الحلّ الفوري لإنهاء هذه المأساة، بل هذه الجريمة، كي يبقى قوس العدالة في لبنان منتصراً على أقبية الظلم، ومنتصباً في سبيل إحقاق الحق.
(نشر في مجلّة "محكمة" – العدد 8 – حزيران 2016).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!