الإستخبارات في أبيدجان أخفت اللبناني علي أخضر وتتكتّم عليه

0 224

كتبت ياسمينة العلي:
منذ أربع سنوات والمواطن اللبناني علي أحمد أخضر مفقود. ذهب إلى أبيدجان في سبيل تحصيل لقمة عيشه بعرق جبينه فاختفى أثره كلّياً من دون معرفة أيّ شيء عنه. لا حسّ ولا خبر. لا أحد يدرك مكانه، لا الأهل، ولا الصحبُ، ولا الدولةُ اللبنانية الغارقة في سبات عميق، ولا القارةُ الأفريقية التي ولد فيها تحرّكت لكشف ملابسات لغز الإختفاء في ليلة مظلمة من حياة العائلة المنكوبة بمفارقته لها في عزّ الشباب بعدما أقفلت أبواب الرزق في وجهه في وطنه الأمّ.
أبصر علي أحمد أخضر النور في ساحل العاج من أب لبناني وأمّ من هذا البلد وما لبثت أن توفّيت فعاد به أبوه إلى وطنه حيث عاش معه إلى أنْ كبر وشبّ، فقرّر أن يجرّب حظّه مثل لبنانيين كثر في السفر والعمل، فوقع خياره على موطن والدته التي أخذ منها الكثير بدءاً من لون بشرته السمراء، وصار يتنقّل بين بيروت وأبيدجان باستمرار إلى أن كانت الزيارة الأخيرة في شهر آب من العام 2013 حيث سافر إلى أبيدجان ولم يعد.
الإستخبارات أوقفته
فبعد وصول أخضر بأيّام قليلة، إلى بلده الثاني، تمّ اعتقاله. يقول جيرانه في المبنى الذي سكن فيه إنّ سيّارة تابعة للشرطة حضرت واعتقلته من دون معرفة سبب هذا التصرّف، لكنّ الدولة تُنْكر وجوده لديها، لا بل أكثر من ذلك تقول إنّ السيّارة ليست عائدة للشرطة، بينما المعلومات المؤكّدة تقول إنّ من أوقف أخضر هم رجال الاستخبارات هناك، وقد صادروا كلّ أغراضه الشخصية من منزله المتواضع.
قامت أسرة أخضر بمراجعات عديدة في أبيدجان بحثاً عن مصير ولدها من دون أن توفّق في مسعاها، وعيّنت محامية من ساحل العاج لمتابعة القضيّة مع السلطات هناك، فبذلت جهوداً مضنية من دون أن تتمكّن من حلّ سرّ الإختفاء الفجائي.
توكيل المحامية الخنساء
والشاب أخضر مهذّب وطيّب القلب والسريرة، وينأى بنفسه عن المشاكل، ولا يفتّش إلاّ عن رزق يستطيع من خلاله أن يعيش بسلام وهناء، وأكثر من ذلك فحياته بسيطة تشبه الفقراء الأفارقة، وهذا ما قرّبه من جيرانه في السكن والحيّ والذين لم يروا منه إلاّ خيراً على ما تنقل المحامية مي الخنساء في حديث مع "محكمة".
ومنذ سنتين كلّفت عائلة أخضر المحامية الخنساء القيام بالأمور القانونية اللازمة بحثاً عن إبنها المختفي، فتوّلت على الفور مراجعة وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون، والسفارة اللبنانية في ساحل العاج، وسواهم، وأبدى الجميع كلّ تجاوب لمعرفة مصير أخضر، ثمّ حصل صمت تصفه الخنساء بـ"غير المبرّر"، في وقت كانت تتواصل فيه مع السلطات في ساحل العاج والمحامية هناك لعلّها تصل إلى نتيجة تبرّد قلب الأهل، ولكنْ من دون فائدة، وهذا ما دفعها مع العائلة في نهاية المطاف، إلى عقد مؤتمر صحفي في نقابة الصحافة اللبنانية لوضع القضيّة أمام الرأي العام، إذ إنّ هناك مواطناً لبنانياً مفقود الأثر ويجب أن يكشف اللثام عنه حتّى ولو كان مسجوناً بسبب جرم ما، فالإختفاء بهذه الصورة البشعة يتعارض وحقوق الإنسان، وليس من حقّ أحد إحتجاز حرّية أحد، وإذا كان ثمّة جرم مقترف، فمن حقّه أن ينال محاكمة عادلة وبحضور محام عنه يتولّى الدفاع القانوني عنه.


حقّ الدفاع
وعن هذه النقطة بالذات تقول الخنساء:" إن كان سجيناً فنحن نريد معرفة سبب سجنه، فعلى فرض أنّه ارتكب جرماً يُعَاقِب عليه القانون في أبيدجان، فمن حقّه توكيل محامٍ للدفاع عنه مهما كانت الجريمة، إذ إنّ حقّ الدفاع مشروع ولازم حسب القوانين المحلّية والدولية، وإلاّ فإنّ اختفاء أخضر بعذا الشكل يشكّل مخالفةً فاضحة للمادة الثانية من الإتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والتي تتحدّث عن أنّ "الإعتقال أو الإحتجاز أو الإختطاف أو أيّ شكل من أشكال الحرمان من الحرّية الذي يتمّ على أيدي موظّفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرّفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الإعتراف بحرمان الشخص من حرّيته، أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، ممّا يحرمه من حماية القانون".
وتضيف الخنساء:" نحن لا نطلب من الحكومة اللبنانية حرباً ضدّ من أخفى الشاب أخضر على طريقة المعتصم بالله الذي لبّى نداء امرأة استنجدت به على إثر معاملة جنود ملك الروم لها بطريقة مهينة، ولمّا لم يستجب ملك الروم لتخلية سبيلها هذه شنّ المعتصم بالله عليه حرباً حرّر فيها المرأة، ولكنّنا نريد فقط أن نعرف مصير الشاب أخضر، هل هو على قيد الحياة؟ هل تمّت تصفيته(لا سمح الله)؟ هل سلّم إلى جهة ثالثة؟".
ولم تتضح للمحامية الخنساء سبب تقاعس الدولة في الاستفسار عن أخضر، ولكنّها ترى "إنْ كان من واجب المواطن أن يفدي بلده بدمه ويدافع عنه، فكذلك على الحكومة أن تحمي مواطنيها وتسأل عنهم، في معادلة متوازية إن فُقد أحدها، فُقد الوطن".
لقاءات الخنساء في أبيدجان
وقد سافرت الخنساء يوم الجمعة في 28 تموز 2017، إلى أبيدجان للوقوف على مستجدّات قضية اختفاء شاب في مقتبل العمر، أملاً في العثور على أثر له يعيد الحياة إلى عائلته التي تنتظره منذ أربع سنوات، وهي التقت مدير عام وزارة العدل Coulibaly Mohamed Vabe الذي كان متجاوباً مع الخنساء وطلب منها مراجعة المدير العام لوزارة الداخلية الجنرال سيسيه وهو المسؤول عن الشؤون الأمنية وأمور الموقوفين والمفقودين، ففعلت واجتمعت به لعلّه يحمل الخبر اليقين، فأبلغها الجنرال سيسيه بوجوب أن ترسل السفارة اللبنانية في أبيدجان بصورة عاجلة، كتاباً بالطرق الرسمية عبر وزارة الخارجية في أبيدجان لكي يتمكّن من إجابتها بشكل رسمي.


( نشر في مجلّة "محكمة" – العدد 20 – آب 2017).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!