الإعتداء على محام يفقد الدولة هيبتها أيضاً/نصر شومان ونادر شافي

0 27

المحامي نصر شومان والمحامي د. نادر شافي:
إخجل أيّها العار، إنّ في لبنان المنهار، بعض من القوى الأمنية الوحشية تساهم في الدمار، وتعتدي في وضح النهار، على من يدافع عن حقوقها وعن حقوق الكبار والصغار، وتدوس رأسه بحذائها المغبار.
لم يخطر ببالنا يوماً أن نُشاهد بأمّ العين المحامي الذي يدافع عن حقوق البشر ولا سيّما عن حقوق القوى الأمنية نفسها، سيكون هو الضحية، فيحتشد جمعُ من القوى البربرية بلباسهم العسكري وأرزة لبنان على رأسهم وتنهال عليه بالضرب والشتائم له ولمن يُمثّله، أمام الملأ على الطريق العام وتُعامله بأبشع أنواع المعاملة الوحشية وتقييد يديه بالأصفاد القمعية التي يجب أن تُكبل بها "الزعران" كما قال نقيب المحامين الدكتور ملحم خلف.
إنّها سخرية القدر في لبنان، بأن يقع محامٍ بين أيدٍ بربرية وحشية فتعامله معاملة لاإنسانية، يخجل الجاهل أن يتعامل بها مع حيوان برَّي شرس، في الوقت الذي يسرح المجرمون ويمرحون دون حسيب أو رقيب، ويهربون من نظارتها في النهار بسهولة لم نشهد نظيرها حتى في الأفلام الساذجة الإخراج …. فيما بعضهم يلتهون بمطاردة فروج مرَّ أمامهم دون أن ينالوا منه "شيئاً"….
إنّها معاملة بربرية وحشية ناتجة عن تعميم باطل صادر عن وزير الداخلية (في حكومة تصريف الأعمال) العميد المتقاعد محمّد فهمي الذي حرم المحامي من حرّية التنقّل للدفاع عن حقوق موكّليه، تلك الحرّية المُقدّسة في الدستور اللبناني وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 وفي جميع الشرعات والمواثيق الدولية، فتعميم وزير الداخلية المذكور باطل ومخالف لقرار المجلس الأعلى للدفاع (حيث الوزير فهمي هو أحد أعضائه) الواضح والصريح بإستثناء المحامين والقضاة من تلك التدابير لتسهيل قيامهم بواجباتهم وبرسالتهم الشريفة.
إنّ القضيّة الآن بعد أن وصلت إلى هذا الطور من المعاملة الوحشية والبربرية، لم تعد قضيّة محامِ بالذات، بل هي قضيّة كرامة الإنسان وحقوقه في لبنان، وقضيّة التعدّي على كرامة ورسالة المحاماة التي تستفرس للدفاع عن هذه الحقوق السامية.
إذا كان البعض قد أراد لنا أن نُحاكم فإنّنا نقبل المُحاكمة، ومن حقّنا أن نقول ما نشاء بدون خجل أو مُواربة أو حياء. وسنكون في هذه المُحاكمة صُرحاء، أشدّ ما تكون الصراحة حتّى ولو كانت موجعة للبعض أو تورّم منها أنوف آخرين. لأننا كُنا نعتقد أنّ صوت العقل سيغلب، وأنًّ المصلحة العليا ستُغلب، فلتكن المُحاكمة هي نهاية المطاف، ولتكن مشيئة الله هي العليا، وليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ليحي من حيَّ عن بيّنة، ويهلك من هلك عن بيّنة.
إذا كانت معاملة المحامي بهذه البربرية من القوى الأمنية شفاء لما في الصدور المريضة، فاقضوا عليه، وقولوا لنا كيف ستبحثون عن محامٍ ليُطالب ويُدافع عن حقوقكم ؟ وإذا كان الحكم على المحامي قرباناً لاستتباب الأمن وإحقاقاً للعدالة، فسنتقدَّم مُختارين طائعين لنكون قرباناً.
أمّا إذا كانت هذه المعاملة البربرية الوحشية مساساً بقيم المُحاماة وأعرافها وحُسن العلاقة بيننا وافتئاتاً على المحامي وعلى القانون، فإنّنا نحتجُ ونعترضُ ونقول ما الذي جعل العلاقة بين القوى الأمنية والقضاء والمحامين، وهم أبناء رحم واحد وغاية واحدة، تصل إلى هذا المنحنُى وذاك المنعطف الخطر؟!
لم نبدأ نحنُ بالعداوة.. لم نتسلَّل إلى مسدّساتكم وأصفادكم. ولكنّنا أصحاب حقّ، وأصحاب قضيّة، وأصحاب رسالة. وما أتينا نُمارس هذه الرسالة إلاّ بقوّة القانون وبمنطق الحقّ.
فإذا كنتم حُرَّاس الأمن وتطبيق القانون، فنحنُ المدافعون عن هذا الأمن بالقانون، فطبيعة عمل المحامي وخبراته لا يُمكن أن تحمله على الإعتداء على الأمن والقانون، مع تأكيدنا على وجود ضبّاط ورتباء وعناصر كثر شرفاء يمكن الاستفادة من خبراتهم ونظافة كفّهم وولائهم للوطن.
لا يجوز أن يكون هناك خلاف بين الفريقين على أصل واحد، هو الأمن والأمان لصون كرامة الإنسان، فكيف يتفق الطرفان على المبدأ ثمّ يختلفان عند التنفيذ؟!
إنّ طبيعة عمل الفريقين جدّ مختلفة. فالمحامي يطالب ويدافع ويترافع علناً. ويؤكّد في كلّ كلمة ثقته بالقوى الأمنية وتضحياتها، بينما طبيعة عمل رجل الأمن هي العمل بالكتمان والسكوت،
أيّها السادة، نحنُ المحامون نعاني من اضطهاد بعض القوى الأمنية والسلطة، ونعاني من تعسف الإدارة وجهلها. عندما نُمارس رسالتنا في الدفاع عن حقوق غيرنا، وعن حقوق القوى الأمنية نفسها التي يقدم بعض عناصرها على البطش بنا.
نحن الذين نقف أمامكم إجلالاً لدوركم في توطيد الأمن والأمان، ونحنُ الذين تعلّمنا من أسلافنا العظام أن نخاطبكم بالاحترام والتوقير، ونحنُ الذين لا زال نقيبنا يدافع عن حقوقكم، ويطلب منا أن نقوم بهذه الرسالة، ولا تزال أبواب نقابتنا مفتوحة لمن أراد منكم معونة قضائية للدفاع عن حقوقه.
إنّ المحامي يرتدي السواد حزناً ليكون قريباً منكم ومع من قهرتهم شهوة الإنسان والسلطان ليسمع أنَّاتهم فيُرسلها إلى قلبْ القاضي، ويستفرس في الدفاع عن حقوقكم.
بعد كلّ هذا، يحتشد جمعُ من القوى البربرية وتنهال على المحامي بالضرب والشتائم له ولمن يمثّل، إذا كان التعامل مع محامٍ في الطريق العام أمام العلن يتمّ بهذا الأسلوب البشع، فما بالنا بالمواطن الذي يتمّ التحقيق معه ضمن أبواب مغلقة، والذي يستنجد بمحامٍ للدفاع عنه؟
أين هيبة القانون؟! وكيف يُطبَّق في ظلّ سوء البعض داخل الإدارة وفسادها وعدم فاعلية المراقبة والمحاسبة؟
من وكيف ومتى سيُحاسب من لا يحترم بذَّته العسكرية وشرفها وكرامتها، ومن لا يحترم أرزة لبنان الموضوعة على رأسه؟!
"محكمة" – الخميس في 2020/11/26

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!