الإفتقار إلى سياسة قضائية(عن اعتكاف القضاة)/عصام كرم

0 8

النقيب عصام كرم*:
أنا كنت أقول دائماً إنّ ثلاثة لا يجوز أن يخطئوا: ألمعجم، لأنّه يضلّل الناس. ألطبيب، لأنّه يقتل الناس. ألقاضي، لأنّ خطأه يصير اجتهاداً.
من هنا … مسؤولية القاضي. ومن هنا … وجوب استقلاله. والمعادلة بين الإستقلال والمسؤولية من أنقى المعادلات.
عمر بن الخطّاب وَلِيَ القضاء سنتين، طَوال ولاية أبي بكر. فلم تُقدّم شكوى واحدة. فسأل الناس: لماذا؟ فجاء الجواب: خوفاً من عدل عُمَر. أبو جعفر المنصور أراد أن يجيء بـ أبي حنيفة قاضياً. فرفض. فحبسه. وخلاّه في الحبس حتّى مات.
ما يجري، اليوم، في القضاء دليلٌ على شيء أساس: الإفتقار إلى سياسة قضائية تقوم على ركيزتين: نطلب للقاضي لنستطيع أن نطلب من القاضي. أنا لا أفهم كيف يستطيع قاضٍ أن يربع بالقوس، وفي باله هاجس القسط المدرسي. وفي باله أعباء الصحّة والإستشفاء. أطلب له. وأطلب منه. أطلب منه عدلاً في الناس. وانضباطاً في الحضور إلى دار العدل. وتعالياً على الضغوط. والإتكاء، إذ يقضي، وهو الفاروق، على ذمّته وعلى كتابه. فأنا ضدّ عبارة "إرفعوا يدكم عن القضاء". لأنّ من يرفع يده، مقتدراً، يعود فيضعها بالإقتدار نفسه. أنا أطلب من القاضي أن يتمتّع بمناعة ذاتيّة يوفّرها، هو ، لشخصه، مؤمناً بأن لا يدٌ فوق يده إلاّ يد الله.
ألسلطان خاف من القاضي. ألثورة الفرنسية أنشأت مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث… ألتشريعية. والتنفيذية. والقضائية. ثمّ أنزلت القضاء من منزلة Pouvoir إلى منزلة autorité. باللغة العربية كلتا العبارتين تُعرّب بكلمة "سلطة". ألثورة قبل ديغول إذ يكتب دستور 1958.
هذا المشرف على العلاقات الصعبة مع الحقيقة، الصامت الأكبر، هو والجيش، يتكلّم بقرارات وأحكام وتدابير، هذا الساهر الدائم المُدرك أنّه لا يجوز أن يغمض عينيه ليظلّ الحقّ موفوراً … هذا الممسك بالميزان … اعتكف؟ فتّشوا عن السبب وأزيلوه قبل أن تندّدوا بالنتيجة. ألقاضي لا يعتكف. فإذا فعل، فتكون ثمّة ضرورات أباحت المحظورات. فلنتوفّر على تأمين هذه الضرورات. ولنطلب قاضياً يقول حقّاً ويكتب عدلاً ويكون فم القانون la bouche de la loi كان يقول مونتسكيو.
*ألقيت هذه الكلمة في ندوة نادي قضاة لبنان التي أقيمت اليوم في دارة نقابة الصحافة في بيروت بعنوان:"إستقلالية السلطة القضائية:تحدّيات وحلول"، وقد تلاها المحامي جاد طعمة بالنيابة عن النقيب عصام كرم بسبب تعرّضه لحادث دخل بنتيجته إلى المستشفى للمعالجة.
"محكمة" – الجمعة في 2019/5/31

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!