الجسم القضائي يودّع المعوشي وعون يمنحها وسام الاستحقاق

0 79

شيّع الجسم القضائي في لبنان وبلدة تنورين وقرى قضاء البترون، رئيسة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل القاضي ماري دنيز جبرايل المعوشي في مأتم رسمي وشعبي حاشد في كنيسة مار انطونيوس الكبير في تنورين التحتا حيث ترأس الصلاة لراحة نفسها ممثّل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي المطران بولس عبد الساتر، ومنحها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وسام الاستحقاق اللبناني الفضّي ذي السعف، "تقديراً لعطاءاتها وانجازاتها في السلك القضائي"، وتعبيراً عن "شكر لمسيرة طويلة من النجاح والتألّق ستبقى راسخة في أذهان اللبنانيين"
بحسب تعبير ممثّله وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال سليم جريصاتي.
حضر التشييع ممثّل رئيس مجلس النوّاب نبيه بري النائب ابراهيم عازار، ممثّل الرئيس المكلّف سعد الحريري النائب طارق المرعبي، ووزراء ونوّاب حاليون وسابقون وممثّل قائد الجيش العماد جوزاف عون رئيس الغرفة العسكرية العميد الركن بشاره خوري، رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد، رئيس هيئة التفتيش القضائي القاضي بركان سعد، عضو مجلس نقابة المحامين في بيروت عزيز طربيه ممثّلاً النقيب أندريه الشدياق، الرئيس الأول لمحاكم الاستئناف في الشمال القاضي رضا رعد، ممثّل المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم العميد جوزف طوبيا، وحشد من القضاة والمحامين ورؤساء البلديات والمخاتير والفعاليات وأهالي تنورين وجزين.
وبعد تلاوة الانجيل المقدّس، تلا الأب بول مطر الرقيم البطريركي الصادر عن المقرّ الموقّت للبطريرك الماروني في الأردن، وجاء فيه:"إنّها ابنة جزين العزيزة، وسليلة عائلة المعوشي التي اعطت الكنيسة المارونية والوطن رجالات كبار ومنهم المثلث الرحمة البطريرك الكاردينال مار بولس بطرس المعوشي الذي طبع تاريخ الكنيسة المارونية ولبنان بشخصيته الكبيرة. والدها المغفور له القاضي جبرائيل المعوشي الذي اشتهر بعدله في إصدار أحكامه وجرأته في قول الحقّ وثباته في حماية المظلوم، فسارت على خطاه في إعلاء شأن القانون والعدالة ونصرة الضعيف. وتعلّمت من والدتها السيّدة منى كنعان، ابنة عبيه العزيزة المجروحة جرحاً بليغاً، قيمة الأمومة المسؤولة وحسن التدبير والتقوى.
جدّت المرحومة ماري دنيز في السعي إلى التحصيل العلمي في القانون. فبعد ان نالت إجازتها في القانون اللبناني والكفاءة في القانون الفرنسي من جامعة القديس يوسف في بيروت، نالت شهادة الدكتوراه بدرجة ممتاز مع تهنئة اللجنة من جامعتي الروح القدس الكسليك وبواتييه الفرنسية.
إرتبطت في سر الزواج المقدس بالدكتور عصام طربيه المعروف في بلدته تنورين العزيزة وفي منطقة البترون بخدماته الجلى الطبية والاجتماعية، فوثق به ابناء بلدته واختاروه ليكون رئيس بلديتهم فنهض بمسؤولياته بتفان وإخلاص. أسست وشريك حياتها عائلة رضية باركها الله بثمرة الابنة والابنين، فربياهم على القيم التي تربيا عليها، مع تأمين العلم الرفيع. وسرت بابنتها ليا تؤسس عائلة مع زوجها المهندس ماريو رزق، وفاخرت بولديها ميشال وانطوان ينالان الشهادات العليا في الهندسة من كبريات جامعات سويسرا.
استهلت رسالتها القضائية في هيئة القضايا في وزارة العدل ثم شغلت مناصب عدة في محاكم بيروت والمتن الإبتدائية والاستئنافية، وترقت حتى رئاسة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل. وقد عملت على وضع عدة مشاريع قوانين ومن بينها قانون حماية الأحداث وكلفت برئاسة لجنة ترسيم الحدود. وأصبحت مرجعية قانونية وقضائية كبيرة.
تميزت الرئيسة ماري دنيز بجرأتها وشجاعتها وحريتها في إصدار أحكامها. ولم تترك مجالا لأحد، من سياسيين وغير سياسيين، أن يتدخل أو يجرؤ على القيام بوساطة لديها في أية قضية، بل كان الجميع مطمئنين أن الملف الذي تنظر فيه الرئيسة ماري دنيز إنما يحظى بكامل الحق والعدل. ولذا، كرمت بالعديد من الميداليات، فنذكر وسام الاستحقاق الفرنسي من رتبة فارس، وميدالية وزارة الداخلية اللبنانية. إنها خسارة للقضاء اللبناني وللمجتمع، ولا سيما لأهالي جزين وتنورين".
وألقى الوزير جريصاتي كلمة الرئيس عون فقال: "تتهاوى الكلمات أمام وصف هذه القاضية التي اتسمت بالارادة الصلبة وتسلّحت بالنزاهة وارتدت درع العدالة. لقد تحدت القاضية المعوشي المرض وصارعته كأنّه ليس قدراً، ولم تسمح بأن يكون هو القاضي على قوس محكمة الحياة، فتشبثت بإيمانها حتى الرمق الأخير".
وأضاف: "إن لبنان أحوج ما يكون اليوم الى حضور القاضية المعوشي والى خبرتها وإرادتها ونزاهتها وحس العدالة لديها، خصوصا وأنه قرر السير بورشة محاربة الفساد وأساسها بطبيعة الحال، الجسم القضائي الذي سيعود اليه بت القضايا ومواكبة تطلعات اللبنانيين للنهوض بالوطن. نفتقد اليوم نشاط القاضية المعوشي التي لم تعرف يوما التعب والكلل وسعيها الدائم الى تحقيق العدالة للجميع وقول كلمة الحق وإسداء الرأي السديد ما من شأنه أن يحصن استقلالية القضاء ومنعته".
وتابع: "اعتمدت على خبرتها الطويلة في السلك القضائي الممتدة لنحو أربعين عاماً تعاملت في خلالها مع مختلف أنواع القضايا الشائكة وشكلت قراراتها الجريئة أعمدة لاستمرارية القضاء وسط ظروف صعبة وحرجة شكّلت تحدّيًا صارخًا للجسم القضائي وهدّدت بقاءه وكادت أن تشل عمله. وهي لم تتردد في تحمل المسؤولية أيا كانت الصعوبات، فشغلت منصب رئيسة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل منذ العام 2010، كأول إمرأة تشغل هذا المنصب وكانت على قدر التحدي، وتركت بصمات لا تمحى في هذا المجال على مدى ثماني سنوات باعتراف الجميع، وساهمت ربما من حيث لا تدري بالإضاءة على أهمية دور المرأة في السلك القضائي، وقدرتها على تقديم عمل مميز لا يستند إلا على الكفاءة والقيم والجهد. ولا شك، أن المشعل الذي أضاءته القاضية المعوشي على درب القضاء سيبقى منارة يهتدي بها الكثير من القضاة وأملا يتعلق به كل متهم بريء، وعقابا يخشاه كل من خالف القوانين".
ثمّ قرأ الخوري بيار صعب ما كتبت الراحلة يوم كانت في العشرين من عمرها، وفيه: "الحياة لحظة. بلحظة نسعد بكلّ سعادة العالم، وبلحظة نشقى كلّ شقائه. الحياة لحظة بما في اللحظة من سكوت وصخب، من حبّ وبغض، من دمعة وبسمة، من جنون وتعقل. ما فائدة الكلام؟ هو طريقة للتعبير. وما فائدة التعبير ما دام في القلب لا يخرج منه الا ليعود اليه".
وألقى القاضي جان فهد كلمة في صالون الكنيسة، قال فيها: "حملت في عروقك دم القادة من أجدادك وورثت عنهم ما عرفت به من إشراقة طلعة وقوة شكيمة وصلابة عود ونظرة ثاقبة ورقة كالنسيم حتّى لكأنك الشلال في جزين يا ماريز هدّارًا في الشتاء رقراقًا في الصيف".

لَكأنَّكِ الشَّلالُ في جزّينَ يا ماري دنيز المعوشي/جان فهد


بعد ذلك وريت الراحلة في الثرى في مدافن العائلة.
"محكمة" – الخميس في 2018/07/26

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!