السفير السوداني أحمد حسن لـ"محكمة": بعض أبنائنا يشكون من معاملة عنصرية

0 59

كتب علي الموسوي:
نادراً جدّاً ما يتعامل اللبنانيون مع المواطن السوداني بتمييز عنصري بسبب الاختلاف في لون البشرة المائلة نحو الاسمرار، فهذا الأسلوب في التعاطي غير موجود إلاّ بنسبة ضئيلة جدّاً ولدى أصحاب النفوس الضعيفة والجاحدة من الخارجين على قانون الإنسانية الصافية.
ويكشف سفير جمهورية السودان في لبنان الدكتور أحمد حسن أحمد محمّد في حديث مع "محكمة" أنّ هذا الأمر يقلق أبناء الجالية الذين يشكون إليه "تعامل بعض اللبنانيين العنصري"، موضّحاً أنّه لا توجد إساءات مباشرة، أو اعتداءات، أو معاملة سيّئة وجارحة، باستثناء طريقة التمييز العنصري المرفوضة من كلّ ذي عقل.
وكيفما تجوّل اللبناني في ربوع وطنه، يجد المواطن السوداني مؤتمناً على أرواح اللبنانيين وممتلكاتهم وأرزاقهم من خلال تعيينه ناطوراً لهذا المبنى، أو لذاك العقار، فيقوم بعمله على أكمل واجب وبرضى تام، حتّى أنّ هناك لبنانيين كثيرين يعتبرون الناطور السوداني واحداً منهم، فيهتمون به وكأنّه فرد منهم، وكيف لا ورابطة الدم العربي تجمع بينهم، وعلاقة الأخوة الإنسانية تقرّبهم من بعضهم بعضاً.
وما يزيد من هذه الألفة، أنّ المواطن السوداني مسالم بطبعه، ولا يؤذي أحداً، ولا يقوم بأيّ عمل من شأنه تعكير العلاقات بين وطنه ولبنان، فجلّ الجرائم المنسوبة إلى عدد من السودانيين تكمن في أنّهم دخلوا الأراضي اللبنانية خُلسة وبطريقة غير شرعية، مستفيدين من التسهيلات المقدّمة في سوريا، وفي طليعتها دخول أراضيها بدون حاجة إلى تأشيرات، وهو إجراء يطاول كلّ المواطنين العرب، ثمّ كان المهرّبون يتولّون إدخالهم إلى لبنان عبر الجبال والوديان والممرّات غير الرسمية، لقاء مبالغ مالية مختلفة. وقد تقلّصت نسبة التهريب بسبب الحرب القائمة في سوريا، وهذا ما انعكس إيجاباً على انخفاض معدّل السودانيين المخالفين.
ولا يخفى على أحد أنّ دافع الشباب السودانيين الوافدين، هو الحصول على عمل شريف في لبنان يقتاتون منه، ويؤمّنون من خلاله، المال اللازم لإبعاد شبح العوز عن عائلاتهم الموجودة في وطنهم الأمّ حيث تعاني السودان مثل دول إفريقية أخرى ومثل دول العالم الثالث، من المشكلات الاقتصادية، والتغيّر المناخي، والتبدّل في تكوين الطبيعة، والتصحّر، وتراجع فرص العمل.
قضيّة السوداني المسجون
واللافت للنظر ما يقوله السفير أحمد حسن أحمد محمّد من أنّ السجون اللبنانية تخلو من مواطنين سودانيين محكومين بجرائم شائنة، ويقتصر الحال على المواطن محمّد فضل جوك الذي اتهم بجريمة قتل ونال جزاءه عليها عقوبة في سجن رومية المركزي، على الرغم من إصراره على نفي هذه التهمة عنه، وتأكيده أنّه لم يرتكبها، ومع ذلك حُكم عليه وأمضى محكوميته كاملة ولا يزال موقوفاً من دون وجود سبب مقنع لاستمرار التوقيف والحبس، إذ يفترض أن يكون خارج السجن منذ فترة ليست بالقليلة، مثلّ أي سجين لبناني أو عربي أو أجنبي، ينهي محكوميته ويعود إلى حرّيّته، فيتمّ ترحيله إلى بلده، وليس إبقاءه خلف القضبان من دون جرم، وهذا الفعل بحدّ ذاته هو جرم يُسأل عنه المعنييون به، ويفترض بأهل القضاء أن يتحرّكوا للوقوف على حال هذا السجين ومعالجة قضيّته لئلاّ يقال إنّ السجون اللبنانية تضمّ مساجين من دون جرائم، وربّما يكون هناك أشخاص آخرون تشبه حالهم وضع السجين جوك، مما يستدعي التحرّك السريع لحلّ هذه المخالفة الواضحة لحقوق الإنسان، خصوصاً وأنّ السجون اللبنانية تعاني أساساً من اكتظاظ بشري، وترحيل السجناء الذين أنهوا محكوميتهم يخفّف من هذه الصورة المأساوية.
ودفع السلوك الحسن للسوداني جوك، وتمتّعه بسيرة حسنة، المسؤولين في سجن رومية المركزي، إلى تعيينه أميناً لمخزن الطعام حيث كلّف بتوزيع المأكولات داخل السجن، وهذه الميزة لا ينالها إلاّ أصحاب الأخلاق الحسنة بحسب توصيف السفير أحمد حسن أحمد محمّد.
الأزهري من الأوائل في لبنان
والوجود السوداني في لبنان ليس جديداً على الإطلاق، بل هو يعود إلى مطلع القرن العشرين حيث وصلت طلائع الطلاّب القادمين للإلتحاق بالجامعة الأميركية في بيروت من أجل الدراسة. ولعلّ أبرز أسماء هؤلاء الطلاّب هو إسماعيل الأزهري، واسمه الكامل إسماعيل بن سيّد أحمد بن إسماعيل بن أحمد الأزهري بن الشيخ إسماعيل الولي (1901-1969) الذي صار في ما بعد أوّل رئيس للوزراء في وطنه بعد تحرّره من الاستعمار الإنكليزي في العام 1954، وأوّل من رفع علم استقلال السودان، وأنهى دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت في العام 1930.
واستمرّ توافد الشبان السودانيين إلى لبنان طلباً للعلم بأعداد كبيرة ومنهم من أصبح من قيادات الصفّ الأوّل في بلده، إلى أن توقّف هذا التدفّق مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1975، ليعود تدريجياً في منتصف ثمانينيات القرن العشرين حيث امتزج الحضور بين العمل وطلب العلم، وتكاثرت الأعداد "لسبب رئيسي هو السفر المباشر من العاصمة الخرطوم إلى دمشق التي كان لها تعامل راق نتيجة عدم التشدّد في موضوع إعطاء تأشيرات الدخول، فهاجر العشرات وتمكّنوا من الدخول إلى لبنان بمساعدة المهرّبين واستقرّ معظمهم في بيروت" على حدّ قول السفير أحمد حسن أحمد محمّد الذي استلم منصبه في لبنان في العام 2012.
وتبذل سفارة جمهورية السودان قصارى جهدها في تخفيف أعداد مواطنيها المخالفين في لبنان، بالتعاون مع المديرية العامة للأمن العام حيث يوجد اتفاق بينهما يقضي بأن تقوم السفارة بتسجيل أسماء الراغبين بالعودة إلى السودان طوعاً وترفع وثائقهم إلى الأمن العام الذي يقوم بدوره بتسهيل سفرهم بدلاً من إدخالهم إلى السجون والنظارات، وهذا ما يساعد كثيراً على تخفيف اكتظاظ السجون اللبنانية.
إستئصال ظاهرة الهجرة غير الشرعية
ويكشف السفير أحمد حسن أحمد محمّد لـ"محكمة" أنّ هناك نحو أربعة آلاف سوداني تركوا لبنان وعادوا إلى السودان،"ونحن مصرّون على استئصال ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ولذلك فإنّ السفارة تساعد الشبّان في تأمين تذاكر سفر زهيدة الثمن لهم، لكي يعودوا بكرامة"، موجّهاً شكره للمدير العام للأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم على "تعاونه الكبير معنا في هذا الموضوع الحسّاس".
ويعلن أنّ هناك بين ألف وألف وخمسماية سوداني يقيم بصورة غير شرعية على الأراضي اللبنانية في الوقت الراهن، داعياً إيّاهم "إلى الاتصال بالسفارة وتسجيل أسمائهم في برنامج العودة الطوعية، وهو برنامج مشترك بين السفارة والأمن العام اللبناني، لكي يتمكّنوا من العودة إلى السودان معزّزين مكرّمين"، مضيفاً أنّه "يوجد بين 2500 و3000 سوداني يعيشون في لبنان بشكل رسمي وقانوني، وأولادهم مقيّدون في المدارس، ويقومون بأعمالهم الاعتيادية في العمالة المتواضعة في معظم الأحيان، وهم محترمون جدّاً".
مركز في بيروت يشمل سوريا والأردن
ويقول السفير أحمد حسن أحمد محمّد إنّ بلاده قرّرت افتتاح مركز في بيروت في المقبل من أيّام العام 2016، لخدمة أبناء الجالية السودانية الموجودة في لبنان وسوريا والأردن وترتيب أوضاعهم القانونية وتشريعها.
ويذكّر السفير أحمد حسن أحمد محمّد بالنادي السوداني الاجتماعي، وهو الوحيد لجالية عربية وأجنبية في لبنان، بعدما فتح أبوابه في العام 1967، ولا يزال مثابراً على تنفيذ المهام المنوطة به، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، توعية الشباب، وتقديم دورات تدريبية لهم في مجالات مختلفة بينها اللغات، والحاسوب، حيث يتطوّع أساتذة من الجامعة الأميركية في بيروت ومن سواها، لتأمين هذه الدورات، فضلاً عن أنّ السفارة تساهم بدورها، في تقديم برامج ترفيهية ومحاضرات توعية لأفراد الجالية السودانية تشمل كلّ الموضوعات، والمسائل التربوية وعلم النفس تحديداً، وذلك من أجل الحفاظ عليهم كثروة مستقبلية، وإيماناً منها بدورهم في بناء وطنهم.
(نشر في مجلّة "محكمة" – العدد الثالث – كانون الثاني 2016)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!