القاضي أسعد بيرم يبقي هادي حبيش تحت المراقبة القضائية/علي الموسوي

0 64

كتب علي الموسوي:
لم يكتف قاضي التحقيق في بيروت أسعد بيرم بتعليل مختصر وموجز لردّ طلب النائب المحامي هادي حبيش برفع "حدّ" المراقبة القضائية التي أنزلها به بمنعه من مزاولة مهنته كمحام ودخول قصور العدل مدّة ثلاثة أشهر، بل قدّم قراراً من ثماني صفحات"فولسكاب" تقدّم مشهدية قانونية عن حالة تنازع الإختصاص بين القضاء والمجلس التأديبي لنقابة المحامين عند ملاحقة المحامي الذي اقترف جرماً جزائياً يعاقب عليه قانون العقوبات.
ومثلما ذهب حبيش ووكيله القانوني مروان ضاهر إلى الغَرْف من معين القضاء الفرنسي لتدعيم وجهة نظرهما الرافضة لقرار بيرم الذي أحدث مفاجأة غير متوقّعة في الأوساط القانونية مع أنّه ليس الأوّل من نوعه في تاريخ القضاء اللبناني لجهة منع محام من ممارسة المحاماة، توجّه بيرم هو الآخر إلى القانون نفسه لتبيان موقفه "الدفاعي" عن قراره المتخذّ في 13 تشرين الثاني 2020 بعد استجواب حبيش على مدى ثلاث ساعات، وذلك باعتبار أنّ المادة 111 أ.م.ج. المتنازع حول تفسيرها، والمتعلّقة بوضع شخص تحت الرقابة القضائية، مستوحاة من قانون أصول المحاكمات الفرنسي.
وقد وجد بيرم بحسب ما يستدلّ من سطور قراره المشبع بالدرس والتمحيص والصادر اليوم ضمن مهلة الثلاثة أيّام من تسجيل طلب حبيش في قلم دائرة قاضي التحقيق، أنّ القانون الفرنسي صنّف المحاماة في عداد المهن المقصودة بالمنع من الممارسة وهو ما أخذه عنه قانون أصول المحاكمات الجزائية الصادر في العام 2001، بعدما كان هذا التصنيف غير مدرج لا بل غير وارد على الإطلاق في قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم والذي لم يتضمّن البتّة أيّ نصّ صريح أو ضمني يتيح لقاضي التحقيق الإستعاضة عن توقيف المدعى عليه بوضعه تحت المراقبة القضائية.
لكنّ المفارقة أنّ القانون الفرنسي لم يولِ قاضي التحقيق حقّ "نزع" مسألة ممارسة المحاماة عن المحامي المدعى عليه، بل ألزمه بإحالته على مجلس نقابة المحامين، فيما لم يجار المشرّع اللبناني القانون الفرنسي في هذا التوجّه عندما اقتبس منه وعنه مضمون المادة 111 أ.م.ج.، فحذف حصرية صلاحية المنع من الممارسة عن مجلس نقابة المحامين عند حصول ملاحقة قضائية، ورأى القاضي بيرم أنّه لو أراد المشرّع اللبناني أن يفعلها وأن يبقي الصلاحية لمجلس نقابة المحامين لنصّ عليها صراحة ومن دون لبس ما دامت منصوصاً عليها في القانون الفرنسي، وبالتالي فإنّ هذا الإستثناء مقصود ومتعمّد ومفتعل وعن قناعة راسخة ولم يأت بطريقة اعتباطية، ليخلص بيرم إلى اعتبار المحاماة من ضمن المهن المقصودة في المادة 111 أ.م.ج. التي أغفلت تعدادها بالتفصيل، وبالتالي أعطى نفسه كقاضي تحقيق صلاحية منع المحامي هادي حبيش من ممارسة المحاماة.
وميّز بيرم بحسب القوانين الناظمة، بين وظيفة المجلس التأديبي والوظيفة القضائية الأشمل والأعمّ عند ملاحقة محام. فالأوّل مخوّل حصراً بالقيام بمهامه عندما يخلّ المحامي بواجباته المهنية أو يسيئ إلى كرامتها فينزل المجلس التأديبي به عقوبة تأديبية تبدأ بالتنبيه وتمرّ باللوم والمنع من مزاولة المهلة مدّة ثلاث سنوات كحدّ أقصى وانتهاء بالشطب من الجدول النقابي العام، بينما يبرز دور القضاء عند ارتكاب المحامي جرماً جزائياً تمهيداً لتوقيع العقوبة المناسبة به، مع التأكيد بأنّ الصلاحية القضائية هنا نهائية ولا تعطى ولا تهدى لأيّ شخص أو هيئة أو جمعية أو نقابة بما فيها نقابة المحامين ما لم يرد نصّ قانوني يمنحها ذلك وهو أمر غير وارد أصلاً.
وتطرّق بيرم إلى ما تلفّظ به حبيش من عبارات تضمّنت قدحاً وذمّاً بالقاضي غادة عون أمام مكتبها في قصر عدل بعبدا عندما اتخذت قراراً بتوقيف موكّلته هدى سلوم، فوجدها تخرج بشكل نهائي عن مفهوم الحصانة المعطاة للمحامي في متن المادة 75 من قانون تنظيم المحاماة والمحصورة بإبداء مرافعة خلال المحاكمات، أو تقديم تدوينات وكتابات ضمن لوائح ومذكّرات.
وانتهى بيرم في قراره المسهب التعليل والقابل للإستئناف، إلى "تكبيل" حبيش بالمراقبة القضائية التي سبق له أن فرضها عليه، وبالتالي إبقاء منعه من مزاولة المحاماة ودخول قصور العدل قائماً.
"محكمة" تنشر قرار بيرم كاملاً على الشكل التالي:
إنّ قاضي التحقيق في بيروت،
لدى التدقيق،
وبعد الإطلاع على المذكّرة المقدّمة من المدعى عليه المحامي الأستاذ هادي حبيش، بواسطة وكيله المحامي الأستاذ مروان ضاهر، والواردة والمسجّلة في قلم الدائرة بتاريخ 2020/11/20، والمتضمّنة طلب العودة عن قرار.
وبعد الإطلاع على موقف النيابة العامة الإستئنافية في بيروت بتاريخ 2020/11/20،
وحيث يطلب المدعى عليه الرجوع عن القرار الصادر بتاريخ 2020/11/13 القاضي بمنعه من دخول قصور العدل كافة لمدّة ثلاثة أشهر وبمنعه من ممارسة مهنة المحاماة لمدّة مماثلة للأسباب التالية:
أ‌- لعدم صلاحية قاضي التحقيق بمنع محام من ممارسة مهنة المحاماة وانحصار هذه الصلاحية بالمجلس التأديبي لنقابة المحامين سنداً للمادة 99 من قانون تنظيم مهنة المحاماة.
ب‌- لعدم صلاحية قاضي التحقيق بمنع محام من ممارسة مهنة المحاماة كون مهنة المحاماة غير مشمولة بأحكام المادة 111 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
ج‌- لعدم ملاءمة الأفعال الجرمية المنسوبة إلى المدعى عليه مع قرار وضعه تحت المراقبة القضائية ومنعه من مزاولة مهنة المحاماة ومنعه من دخول قصور العدل لعدم توافر الشروط العامة التي تفترض جواز التوقيف في الجرائم المدعى بها.
د‌- لعدم ملاءمة الأفعال الجرمية المنسوبة إلى المدعى عليه مع قرار وضعه تحت المراقبة القضائية ومنعه من مزاولة مهنة المحاماة ومنعه من دخول قصور العدل لعدم توافر الشروط الخاصة لوضع المدعى عليه تحت المراقبة القضائية لوجود سبب تبريري.
أوّلاً: لجهة عدم صلاحية قاضي التحقيق بمنع محام من ممارسة مهنة المحاماة كون مهنة المحاماة غير مشمولة بأحكام المادة 111 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
حيث يدلي المدعى عليه أنّ المادة 111 فقرة ه من قانون أصول المحاكمات الجزائية استثنت المهن المنظّمة بقوانين خاصة، ومنها المحاماة، من نطاق الوضع تحت المراقبة القضائية كونها أجازت المنع من ممارسة بعض المهن وليس كلّ أو أيّ مهنة.
وحيث إنّه في قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم لم يرد أيّ نصّ يعطي لقاضي التحقيق إمكانية الإستعاضة عن توقيف المدعى عليه بوضعه تحت المراقبة القضائية، وإنّما القانون الجديد الصادر في العام 2001 أعطى هذه الصلاحية بموجب المادة 111 منه والتي تنصّ على:
"لقاضي التحقيق، مهما كان نوع الجرم، وبعد استطلاع رأي النيابة العامة، أن يستعيض عن توقيف المدعى عليه بوضعه تحت المراقبة القضائية، وبإلزامه بموجب أو أكثر من الموجبات التي يعتبرها ضرورية لإنفاذ المراقبة. منها:
أ- إلتزام الإقامة في مدينة أو بلدة أو قرية ومنع مبارحتها واتخاذ محلّ إقامة فيها.
ب- عدم التردّد على محلات أو أماكن معيّنة.
ج- إيداع جواز السفر لدى قلم دائرة التحقيق وإعلام المديرية العامة للأمن العام بذلك.
د- التعهّد بعدم تجاوز دائرة المراقبة وإثبات الوجود دورياً لدى مركز المراقبة.
ه- عدم ممارسة بعض المهن التي يحظّر عليه قاضي التحقيق ممارستها طيلة مدّة المراقبة.
و- الخضوع للفحوصات الطبّية والمخبرية دورياً في خلال مدّة يعيّنها قاضي التحقيق.
ز- تقديم كفالة ضامنة يعيّن مقدارها قاضي التحقيق…."
وحيث إنّ هذا النصّ، المستوحى من قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي، أعطى لقاضي التحقيق الصلاحية بوضع المدعى عليه تحت المراقبة القضائية وبإلزامه بموجب أو أكثر من تلك المعدّدة فيه من دون تحديد هذا التعداد بصورة حصرية لورود عبارة "منها"، ومن دون إيراد أيّة استثناءات عليه تتعلّق بشخص أو صفة المدعى عليه ولا حتّى بطبيعة الجرم.
وحيث إنّ المشرّع الفرنسي أدخل هذه الصلاحية إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي بتاريخ سابق لتاريخ صدور قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني وأعطى لقاضي التحقيق صلاحية وضع المدعى عليه تحت المراقبة القضائية بموجب المادة 137 فقرة 2 منه التي تنصّ على:

"Le contrôle judiciaire est ordonné par le juge d'instruction, qui statue après avoir recueilli les réquisitions du procureur de la République".

ومن ثمّ عدّد في المادة 138 منه ماهية التدابير الممكن اتخاذها، وقد أخذ المشرّع اللبناني من هذه المادة التدابير التي عدّدها في المادة 111 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، ومنها التدبير المذكور في الفقرة 12 من المادة 138، الوارد في الفقرة ه من المادة 111، والذي ينصّ في القانون الفرنسي على ما يلي:

° Ne pas se livrer à certaines activités de nature professionnelle ou sociale, à l'exclusion de l'exercice des mandats électifs et des responsabilités syndicales, lorsque l'infraction a été commise dans l'exercice ou à l'occasion de l'exercice de ces activités et lorsqu'il est à redouter qu'une nouvelle infraction soit commise. Lorsque l'activité concernée est celle d'un avocat, le conseil de l'ordre, saisi par le juge d'instruction ou le juge des libertés et de la détention, a seul le pouvoir de prononcer cette mesure à charge d'appel, dans les conditions prévues à l'article 24 de la loi n° 71-1130 du 31 décembre 1971 portant réforme de certaines professions judiciaires et juridiques ; le conseil de l'ordre statue dans les quinze jours."

وحيث يتبيّن من نصّ القانون الفرنسي المشار إليه أعلاه، والذي استوحيت منه الفقرة ه من المادة 111، أنّه أجاز لقاضي التحقيق منع المدعى عليه من ممارسة بعض المهن،"Ne pas se livrer à certaines activités de nature professionnelle "
ومن ثمّ أوجب على قاضي التحقيق في حال كان المدعى عليه الممنوع من ممارسة المهنة محامياً أن يحيل الأمر إلى مجلس نقابة المحامين الذي له وحده صلاحية منع المحامي من ممارسة مهنة المحاماة، وهذه الفقرة أضيفت بموجب تعديل قانوني حصل في العام 1993،
وحيث من مقارنة ما هو وارد في المادة 111 فقرة ه من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني مع ما هو منصوص عليه في الفقرة 12 من المادة 138 من قانون أصول المحاكمات الجزائية يتبيّن لنا الأمور التالية:
1- أنّ المشرّع الفرنسي قصد ضمناً مهنة المحاماة من ضمن بعض المهن التي من الممكن المنع من ممارستها بدليل تنظيمه آلية البتّ بهذا الأمر من خلال إحالته إلى مجلس نقابة المحامين في حال كان المدعى عليه يتمتّع بصفة محام، علماً أنّ مهنة المحاماة منظّمة أيضاً في قانون خاص بها في التشريعات الفرنسية، الأمر الذي يفيد بأنّ القانون اللبناني قصد أيضاً مهنة المحاماة من ضمن "بعض المهن" التي يمكن لقاضي التحقيق المنع من ممارستها.
2- أنّ القانون الفرنسي حجب عن قاضي التحقيق صلاحية منع المحامي من ممارسة المهنة في إطار وضعه تحت المراقبة القضائية وأعطاه فقط صلاحية إحالة الأمر إلى مجلس نقابة المحامين، الأمر الذي يفيد بأنّ المشرّع اللبناني ولو كان يريد حصر صلاحية منع المحامي من ممارسة المهنة بعد وضعه تحت المراقبة القضائية من قبل قاضي التحقيق بمجلس نقابة المحامين لكان أورد بصورة صريحة حجب هذه الصلاحية عنه وفق ما هو وارد في نصّ القانون الفرنسي، وأنّه لا يمكن استنتاج هكذا استثناء طالما لم يرد عليه نصّ صريح في القانون.
3- وعلى سبيل الإستطراد، إنّ القانون الفرنسي حصر إمكانية وضع المحامي أو غيره تحت المراقبة القضائية عند ارتكاب الجرم المدعى به خلال أو بسبب ممارسة المهنة، بينما القانون اللبناني لم يحصر فقط المنع من ممارسة المهنة بالجرم المرتكب خلال أو بسبب ممارسة المهنة كون الفقرة ه من المادة 111 أتت بصورة مطلقة، مع الإشارة إلى أنّه بحالة الملفّ الراهن إنّ الأفعال المنسوبة إلى المدعى عليه حصلت خلال ممارسته مهنة المحاماة.
وحيث وفقاً لما هو مبيّن أعلاه تكون مهنة المحاماة من ضمن المهن التي أعطت المادة 111 فقرة ه من قانون أصول المحاكمات الجزائية لقاضي التحقيق صلاحية المنع من ممارستها عند وضع المدعى عليه المحامي تحت المراقبة القضائية، ويقتضي ردّ ما أدلى به المدعى عليه لهذه الجهة لعدم القانونية.
ثانياً: لجهة عدم صلاحية قاضي التحقيق بمنع محام من ممارسة مهنة المحاماة وانحصار هذه الصلاحية بالمجلس التأديبي لنقابة المحامين سنداً للمادة 99 من قانون تنظيم مهنة المحاماة.
حيث يدلي المدعى عليه أنّ قانون تنظيم مهنة المحاماة يعتبر بمثابة النصّ الخاص وعند تعارض النصّ الخاص مع النصّ العام يقتضي تطبيق النص الخاص وأنّ المادة 99 من قانون تنظيم مهنة المحاماة أعطت المجلس التأديبي الحقّ بمنع محام من ممارسة المهنة لفترة محدّدة.
وحيث من نحو أوّل، إنّ المادة 99 من قانون تنظيم مهنة المحاماة واردة ضمن الباب الرابع من القانون تحت عنوان "في انضباط المحامين"، وهي تنصّ على التالي:
" كلّ محام، عاملاً كان أو متدرّجاً، يخلّ بواجبات مهنته المعيّنة بهذا القانون أو يُقدم أثناء مزاولة تلك المهنة أو خارجاً عنها، على عمل يحطّ من قدرها، أو يسلك مسلكاً لا يأتلف وكرامتها يتعرّض للعقوبات التأديبية الآتية:
1- التنبيه.
2- اللوم.
3- المنع من مزاولة المحاماة مدّة لا تتجاوز الثلاث سنوات.
4 – الشطب من جدول النقابة".
وحيث يتبيّن سنداً لهذه المادة أنّ صلاحية المجلس التأديبي في نقابة المحامين تنحصر بالنظر بالأخطاء المسلكية التي يرتكبها المحامي والتي تتمثّل بمخالفة الواجبات المهنية المنصوص عنها في المواد 80 وما بعدها من قانون تنظيم مهنة المحاماة أو بارتكاب عمل يحطّ من قدر مهنة المحاماة أو يسلك مسلكاً لا يأتلف وكرامة المهنة، وحدّدت العقوبات التي يمكن للمجلس التأديبي إنزالها بحقّ المحامي الملاحق تأديبياً ومنها المنع من مزاولة المهنة لفترة محدّدة،
وحيث إنّ الخطأ المسلكي يختلف كلّياً عن الجرم الجزائي المعرّف عنه بأنّه الفعل الذي يعاقب عليه القانون بعقوبة جزائية،
وحيث يخرج عن اختصاص المجلس التأديبي في نقابة المحامين صلاحية النظر بالجرائم الجزائية المرتكبة من قبل المحامين سواء كانت الملاحقة الجزائية نتيجة أفعال حاصلة خلال أو بسبب المهنة أو كانت نتيجة أفعال خارجة عن هذا الأمر، إذ إنّ القضاء هو السلطة الوحيدة صاحبة الحقّ في النظر في الأفعال الجرمية المرتكبة وتحديد الوصف القانوني لهذه الأفعال وتحديد المسؤولين عنها سواء خلال مراحل الإدعاء أو التحقيق أو المحاكمة، وهذه الصلاحية هي حصرية وتتعلّق بالإنتظام العام لارتباطها بسيادة الدولة، ولا يمكن التنازل عن هذه الصلاحية لأيّ مرجع آخر إلاّ بموجب نصّ قانوني واضح وصريح.
وحيث لا يتبيّن وجود أيّ نصّ في قانون تنظيم مهنة المحاماة أو في أيّ قانون آخر ينزع صلاحية السلطة القضائية لجهة ملاحقة المحامين جزائياً ليعطيه إلى المجلس التأديبي في نقابة المحامين، فيكون بالتالي القضاء الجزائي هو المرجع الوحيد المختص لملاحقة المحامين جزائياً واتخاذ التدابير اللازمة المنصوص عنها قانوناً في مرحلة التحقيق الإستنطاقي وتحديد العقوبات المناسبة من قبل محكمة الأساس بعد إدانتهم أو تجريمهم بالجرائم المدعى بها.
وحيث من نحو ثان، إنّ عقوبة المنع من مزاولة المهنة لفترة محدّدة والتي يعود للمجلس التأديبي في نقابة المحامين إنزالها بالمحامي الملاحق تأديبياً ليست محصورة فقط بهذا النوع من الملاحقات، إذ إنّ قانون العقوبات وفي المادة 94 منه أجاز لمحكمة الأساس، ومن ضمن التدابير الإحترازية الممكن اتخاذها ضمن الأحكام النهائية الصادرة عنها، إمكانية منع شخص من مزاولة مهنة من أجل جريمة اقترفت خرقاً لواجباتها لفترة تتراوح ما بين الشهرين والسنتين،
وحيث إنّه في حالة مهنة المحاماة وسنداً للفقرة الثانية من المادة 94 من قانون العقوبات، وبالنظر لوجود شرط الإنتساب إلى نقابة المحامين لممارسة المهنة، يمكن الحكم بالمنع من مزاولة العمل في الحالات التي ينصّ عليها القانون، كما هو الحال في الجرم المعاقب به بمقتضى المادتين 357 و358 من قانون العقوبات، وكذلك بحالة الجرائم التي لم يرد فيها نصّ بذلك أيّ أنّه تعود لمحكمة الأساس تقدير إنزال هذا التدبير.
وحيث يستفاد من نصّ المادة 94 من قانون العقوبات أنّه يعود للقضاء الجزائي صلاحية إنزال عقوبة المنع من مزاولة مهنة المحاماة لفترة محدّدة، الأمر الذي يفيد أنّ هذه الصلاحية لا تدخل حصراً ضمن صلاحيات المجلس التأديبي في نقابة المحامين، كما أنّها ليست مناطة فقط بمحاكم الأساس بل يمكن اتخاذها خلال مرحلة التحقيق الإستنطاقي من قبل قاضي التحقيق تفعيلاً لنصّ المادة 111 من قانون أصول المحاكمات الجزائية عند وضع المحامي المدعى عليه تحت المراقبة القضائية والإستعاضة عن توقيفه.
وحيث وسنداً لما هو مبيّن أعلاه لا يعتبر نصّ المادة 99 من قانون تنظيم مهنة المحاماة نصّاً خاصاً حاجباً لإمكانية تطبيق نصّ المادة 111 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لانحصار مفعول النصّ الأوّل بحالة ملاحقة المحامي نتيجة الخطأ المسلكي، وعدم تعارضه مع صلاحية القضاء الجزائي بالنظر بالدعوى الجزائية المقامة بوجه المحامي المدعى عليه واتخاذ التدابير المنصوص عنها قانوناً بحقّه خلال مرحلة التحقيق الإستنطاقي، وإنزال العقوبات اللازمة بعد إدانته من قبل محكمة الأساس.
وحيث يقتضي بالتالي ردّ ما أدلى به المدعى عليه لهذه الجهة لعدم القانونية.
ثالثاً: لجهة عدم ملاءمة الأفعال الجرمية المنسوبة إلى المدعى عليه مع قرار وضعه تحت المراقبة القضائية ومنعه من مزاولة مهنة المحاماة ومنعه من دخول قصور العدل لعدم توافر الشروط العامة التي تفترض جواز التوقيف في الجرائم المدعى بها.
يدلي المدعى عليه في مذكّرته بعدم إمكانية وضع المدعى عليه تحت المراقبة القضائية إلاّ في حالة الجرائم التي يكون فيها التوقيف جائزاً، وأنّ المادة 75 من قانون تنظيم مهنة المحاماة لا تجيز توقيف المحامي احتياطياً في دعاوى القدح والذمّ والتحقير التي تقام على محام بسبب أقوال وكتابات صدرت عنه أثناء ممارسته مهنته،
حيث من نحو أوّل إنّ المادة 111 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، الواردة تسلسلياً بعد المادة 107 منه والتي أعطت لقاضي التحقيق سلطة تقرير التوقيف الإحتياطي في الجرائم التي تتخطّى عقوبتها السنة حبساً، أجازت لقاضي التحقيق الإستعاضة عن توقيف المدعى عليه بوضعه تحت المراقبة القضائية مهما كان نوع الجرم، أيّ حتّى بحالة الجرائم التي لا تتخطّى عقوبتها السنة حبساً لأنّ نصّ عبارة مهما كان الجرم أتت مطلقة ولم تحصرها بفئة معيّنة من الجرائم مثلما حصل في نصّ المادة 138 من قنون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي.
وحيث من نحو ثان، إنّ النيابة العامة الاستئنافية في بيروت ادعت بوجه المدعى عليه حبيش بمقتضى المواد 381 و382 و383 و386 من قانون العقوبات، وإنّ جرمي المادتين 381 و382 من قانون العقوبات يتعلّقان بالمعاملة بالشدّة وبالتهديد وغير معدّدين ضمن نبذتي جرائم التحقير والقدح والذمّ، وإنّ العقوبة المحدّدة لكلّ من هذين الجرمين تتجاوز السنة حبساً، فيكون بالتالي التوقيف في هاتين الحالتين جائزاً بمعزل عن صفة المدعى عليه.
وحيث من نحو ثالث، وعلى سبيل الإستطراد، إنّ المادة 75 من قانون تنظيم مهنة المحاماة منعت توقيف المدعى عليه المحامي في جرائم القدح والذم والتحقير التي يلاحق بها بسبب أقوال أو كتابات صدرت عنه أثناء ممارسته مهنته.
وحيث إنّ الأقوال المقصودة بمقتضى المادة 75 من قانون تنظيم مهنة المحاماة هي تلك الصادرة في المرافعات الحاصلة خلال جلسات المحاكمة والكتابات المقصودة هي تلك المدوّنة في اللوائح والمذكّرات المقدّمة إلى أيّ مرجع قضائي، والتي يمكن أن ترد فيها عبارات من شأنها أن تشكّل تحقيراً أو قدحاً أو ذمّاً بالقاضي كحالة طلبات ردّ قاض أو نقل دعوى للإرتياب المشروع، وإنّ أيّة أقوال أخرى تصدر عن محام أثناء ممارسته للمهنة وتشكّل قدحاً أو ذمّاً أو تحقيراً بحقّ قاض أو محام وكيل للخصم أو أيّ شخص آخر غير واردة في المرافعات لا تعتبر مشمولة بالحصانة الممنوحة للمحامي لجهة التوقيف الإحتياطي في المادة 75 من قانون تنظيم مهنة المحاماة،
وحيث إنّ الوقائع المدعى بها والجرائم المنسوبة إلى المدعى عليه راهناً، والمتمثّلة بإقدامه في بهو قصر عدل بعبدا وأمام جمهرة من المحامين والموظّفين والمتقاضين وداخل مكتب النائب العام الإستئنافي في جبل لبنان أثناء مراجعتها بملفّ متعلّق بموكّلته على توجيه عبارات تعتبرها الجهة المدعية بمثابة قدح وذمّ وتحقير بحقّ السلطة القضائية وبحقّ المدعية القاضي غادة عون، لا تشكّل الأقوال الصادرة خلال المرافعات الشفهية الحاصلة خلال جلسات المحاكمة ولا تدخل بالتالي ضمن مفهوم الأقوال المقصودة بمقتضى المادة 75 من قانون تنظيم مهنة المحاماة،
وحيث سنداً لما هو مبيّن أعلاه يكون إدلاء المدعى عليه لجهة عدم إمكانية الإستعاضة عن توقيفه ووضعه تحت المراقبة القضائية لعدم جواز التوقيف بحالة الجرائم المدعى بها واقعاً في غير محلّه القانوني ويستوجب ردّه.
رابعاً: لجهة عدم ملاءمة الأفعال الجرمية المنسوبة إلى المدعى عليه مع قرار وضعه تحت المراقبة القضائية ومنعه من مزاولة مهنة المحاماة ومنعه من دخول قصور العدل لعدم توافر الشروط الخاصة لوضع المدعى عليه تحت المراقبة القضائية لوجود سبب تبريري.
حيث يدلي المدعى عليه أنّ قرار وضعه تحت المراقبة القضائية غير متلائم مع الأفعال المنسوبة إليه سيّما وأنّ ما قام به يدخل ضمن الدفاع المشروع.
وحيث إنّ قانون أصول المحاكمات الجزائية أعطى لقاضي التحقيق في المادتين 107 و111 من قانون أصول المحاكمات الجزائية سلطة تقدير توقيف المدعى عليه في حال كانت عقوبة الجرم المدعى به تتجاوز السنة حبساً أو الإستعاضة عن التوقيف ووضع المدعى عليه تحت المراقبة القضائية، وأنّه من أجل تقدير القرار الأنسب يعود لقاضي التحقيق الأخذ بظروف حصول الجريمة وملابساتها وظروف المدعى عليه المختلفة، ويعود لقاضي التحقيق تقدير مدى ملاءمة القرار أو الإجراء أو التدبير الذي يقرّره بالإستناد إلى الأدلّة والمعطيات المتوافرة لديه.
وحيث إنّ تقدير حالة الدفاع المشروع تعود إلى الأدلّة والمعطيات الموجودة في الملفّ والتي لا يمكن البحث بها راهناً في هذا القرار كونه، وبمعزل عن الموقف منها، البحث بها يشكّل رأياً مسبقاً يسبق القرار الظنّي وهو الأمر غير الجائز قانوناً.
وحيث في ظلّ السلطة التقديرية الممنوحة لقاضي التحقيق لاتخاذ الإجراء والقرار الذي يراه مناسباً بحقّ المدعى عليه وفق الأدلّة والمعطيات المتوافرة لديه يكون ما أدلى به المدعى عليه لهذه الجهة مستوجباً الردّ.
وحيث وسنداً لما صار بيانه سابقاً لجهة الجواب على النقاط التي أثارها المدعى عليه في مذكّرته يكون قرار الإستعاضة عن توقيف المدعى عليه المحامي الأستاذ هادي حبيش ووضعه تحت المراقبة القضائية ومنعه من مزاولة المهنة لمدّة ثلاثة أشهر ومنعه تبعاً لذلك من دخول قصور العدل كافة لمدّة مماثلة واقعاً في مكانه القانوني لجواز تطبيق هذا الإجراء على المحامين ولعدم تعارضه مع مضمون نصّ المادة 99 من قانون تنظيم مهنة المحاماة ولإمكانية توقيف المحامي المدعى عليه في حالة الجرائم المدعى بها راهناً،
لذلك
يقرّر وفقاً لرأي النيابة العامة:
ردّ طلب المدعى عليه المحامي الأستاذ هادي حبيش الرامي إلى الرجوع عن قرار الإستعاضة عن توقيفه ووضعه تحت المراقبة القضائية ومنعه من مزاولة مهنة المحاماة ومنعه من دخول قصور العدل كافة لمدّة ثلاثة أشهر والتأكيد بالتالي على القرار الصادر عن الدائرة بتاريخ 2020/11/13 لهذه الجهة وإبلاغ هذا القرار من يلزم.
بيروت في 2020/11/24
"محكمة" – الثلاثاء في 2020/11/24
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر، مع وجوب ذكر إسم موقع "محكمة" الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!