القاضي فادي الياس يوضح ما جرى في لقاء بعبدا القضائي المالي

0 661

أصدر رئيس مجلس شورى الدولة القاضي فادي الياس البيان التالي:
إنّ الاجتماع الذي حصل في القصر الجمهوري، كان على وقع ما جرى من أحداث في الشارع، تلت صدور قرار مجلس شورى الدولة الذي قضى بوقف تنفيذ تعميم مصرف لبنان رقم 151. فالدولة شخص معنوي هي مصدر إنشاء وتفعيل المرافق العامة على اختلافها، وهي تقوم بمهامها مستهدفة توخّي المصلحة العامة. إذ إنّ أشخاص القانون العام تحكمها قواعد عامة مشتركة وهي في حاجة إلى استمرارية التعامل مع بعضها، في سبيل تسيير أمور الدولة، من دون إهمال الرقابة التي يجريها القضاء الإداري على عمل الإدارة العامة.
وفي هذا الإطار، يأسف رئيس مجلس شورى الدولة للحملات الممنهجة في وسائل الإعلام التي استهدفته وتطاولت على كرامته وعلى مناقبيته، في مزايدة غير مبرّرة على استقلالية القضاء وحياد القاضي وتجرّده بما اعتبرته (جلوس القاضي مع أحد الخصوم).
إنّ من انبرى في إطلاق هذه المواقف، لا يعرف خصوصية القضاء الإداري، والإختلاف بين القواعد التي تنظّم إجراءات التقاضي بين كلّ من جهتي القضاء الإداري والعدلي، وبخاصة ما يتعلّق منها بدعوى الإبطال لتجاوز حدّ السلطة.
إنّنا نوضح في هذا المجال، أنّ الدعوى المقدّمة أمام مجلس شورى الدولة، الرامية إلى وقف تنفيذ ومن ثمّ إبطال تعميم مصرف لبنان رقم 151 لمخالفته القانون في وجه عام، هي بحسب طبيعتها، لا تهدف إلى حماية حقوق أو مصالح شخصية في حدّ ذاتها، وبالتالي فهي تتصف بالصفة الموضوعية وليست الشخصية أو الذاتية، والغاية منها حماية الشرعية التي تفرض على الإدارة عند إصدار قراراتها أن تراعي قواعد القانون، كما وأن تراعي الغرض الذي توخّاه القانون من إصدار القرار وهو تحقيق الصالح العام فلا تنحرف عنه أو تسيء إليه.
وانطلاقًا من ذلك، تعتبر دعوى الإبطال موجّهة ضدّ تصرّف الإدارة مصدرة القرار غير المشروع وليس ضدّ شخص معيّن وتحديدًا شخص مصدر القرار، كون العبرة هي للقرار المطعون فيه وليس للشخص الذي أصدره، فهي لا تقوم على نزاع بين خصوم باعتبار أنّ المختصم فيها هو القرار الإداري لا الشخص المسؤول في الإدارة التي أصدرت هذا القرار.
إنّ هذه الإستقلالية لا تمنع التواصل والتعاون بين المجلس وباقي أشخاص القانون العام ضمن الأطر والحدود التي رسمها القانون لتسيير عمل الدولة، ولا يخفى عن البال أنّ المجلس يؤدّي دورًا استشاريًا إستنادًا إلى المادة 57 من نظامه التي توجب استشارته في مشاريع النصوص التنظيمية.
وفي هذا الإطار لا بدّ من الإشارة إلى أنّ رئيس مجلس شورى الدولة يترأس الغرفة الإدارية والغرفة الأولى الناظرة في قضايا الإبطال، وبالتالي فإنّ مصدر أيّ قرار إداري (وزير، مدير عام، حاكم مصرف لبنان…) يمكن أن يكون قراره موضع طعن أمام الغرفة المذكورة لإبطاله وفي الوقت نفسه يمكنه أن يتقدّم بطلب استشارة من الغرفة الإدارية في شأن أيّ قرار إداري آخر يريد أن يصدره من دون أن ينشأ عن ذلك أيّ خصومة مانعة تحول دون إمكان إعطائه الإستشارة المطلوبة.
إنّه انسجامًا مع مبدأ الفصل المرن (بين السلطات وتوازنها وتعاونها) الذي كرسته الفقرة (هـ) من مقدّمة الدستور اللبناني، ليس ثمّة تعارض بين المهمّة الإستشارية لمجلس شورى الدولة في لبنان ومبدأ الفصل بين السلطات، إذ إنّ مهامه الإدارية والتشريعية والقضائية تشكّل ضمانة للتوازن والتعاون بين السلطات الثلاث في الدولة، من خلال الرقابة المسبقة التي يمارسها مجلس شورى الدولة على مشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية، والرقابة اللاحقة التي يمارسها من خلال دعاوى الإبطال.
إنّ ما يهمّ رئيس مجلس شورى الدولة أن يوضحه بالنسبة إلى الاجتماع الذي حصل في القصر الجمهوري هو ما يلي:
عرض رئيس المجلس خلال الإجتماع أنّ التعميم الصادر عن مصرف لبنان يتعارض مع بعض أحكام قانون النقد والتسليف، ما استوجب اصدار قرار بوقف تنفيذه. كما وأوضح أنّ المادة 57 من نظام مجلس شورى الدولة، توجب استشارة المجلس في مشاريع النصوص التنظيمية ومنها القرارات الصادرة عن حاكم مصرف لبنان.
وأمّا بالنسبة إلى تنفيذ القرارات القضائية الصادرة عن المجلس، فقد أوضح رئيس المجلس أنّ ثمّة أصولًا خاصة حدّدها القانون في المادة 126 من نظام مجلس شورى الدولة توجب أن تقدّم طلبات تنفيذ القرارات الصادرة بحقّ السلطة الإدارية إلى رئيس مجلس شورى الدولة الذي يحيلها من دون إبطاء مع النسخة الصالحة للتنفيذ إلى المراجع المختصة لإجراء المقتضى. مع التأكيد على أنّ ما أوضحه رئيس المجلس كان مستندًا إلى النصوص القانونية المذكورة وانتهى عند هذا الحدّ.
وبعد ما تمّ عرضه أعلاه، يؤكّد رئيس مجلس شورى الدولة أنّه خلافًا لما جرى تداوله في بعض الأوساط لم يتمّ إجراء أيّ اتفاق بين مجلس شورى الدولة ومصرف لبنان في شأن القرار الصادر عنه، وأنّ كلّ ما أثير في هذا الشأن من أقاويل هو من نسج خيال مطلقيها وبعيد كلّ البعد عن الواقع والحقيقة وعن إمكان تحقّقه قانونًا في ظلّ وجود هيئة حاكمة مؤلّفة من ثلاثة قضاة، لا يمكن، في أيّ شكل تصوّر أن يختزلهم الرئيس في شخصه.
لا شكّ أنّ ما ضجّت به البلاد في هذا الموضوع استهدف النيل من هيبة القضاء وثقة الناس به، وجرّ البلاد إلى العبثية والفوضى والإنحلال.
حمى الله لبنان من الجهل وسوء النيّة".
"محكمة" – الأربعاء في 2021/6/9

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!