القضاء لن يكونَ ساكنًا أو صامتًا بل فاعلًا ومبادرًا/سهيل عبود

0 642

القاضي سهيل عبود*:
أيّها السيّداتُ والسادة، عائلاتُ شهداءِ القضاء،
الزميلاتُ والزملاء،
"نحنُ في زمانٍ لا يُشبهُ الأزمنة، وحالٍ لا تُماثِلُ الأحوال، فيومُنا مشتبهُ الخبر، وغدُنا مجهولُ الأثر… ولذلك تعثّرتِ الأقلام، وتهّدجتِ الأصوات، فصار الإعتزالُ كرامةً، والخمولُ سلامةً…".
إنّها كلماتٌ استعدتها بتصرّفٍ من كتاباتِ أحدِ روّادِ النهضةِ الحديثةِ، تعودُ في تاريخها إلى عام 1882.
فأينَ نحنُ في العام 2021 من العام 1882، وهل باتَ اعتزالُ الكلامِ والعملِ كرامةً كما وصّفَ القائل، أم أمست مواجهةُ التحدّياتِ المحدقة بنا جميعًا واجبًا محتومًا، لهُ من المغامرةِ حظوظٌ كبيرة ومن النجاحاتِ إمكانياتٌ متاحة؟
وبعدَ الإنحناءِ أمامَ من استُشهِدَ من بيننا في ذكرى تحيي الموتَ بالذاكرة، وتنوءُ بثقلِ الحدث، دون أن تُثقلَ بمرورِ الوقت، وبعد توجيهِ تحيّةِ الوفاءِ والتقديرِ إلى أوّلينَ من بينِنا، تضرّجوا بِدماءِ شَهادةٍ، أجدُ نفسي ملزمًا تجاههُم وتجاهكُم بوعدٍ أحمِلهُ باسمِ السلطةِ القضائية:
وعدٌ بالمحافظةِ على الأمانة،
وعدٌ بإعلاءِ الكرامة،
وعدٌ بسلطةٍ قضائية لها مع الحرّيةِ التصاقٌ، ومع الاستقلاليةِ ديمومةُ لقاءٍ، ومع العودةِ إلى العملِ مرتجى وأمل.
ونسمعُ كلامًا دائمًا ولا أحلى، عن تطلّعِ الجميعِ وإرادتِه في سلطةٍ قضائيةٍ مستقلّة، فنُجابَهُ بواقعٍ لا يأتلفُ مع ظاهرِ الكلامِ لا بل يتنافى مع مضمونِهِ.
ونُفاجأُ بتعرّضٍ شِبهِ يومي، وبانتقاداتٍ وتجنّياتٍ تطالُ القضاءَ في استقلاليتهِ وعملِهِ، والقضاةَ في شخصِهم وكرامتِهم، وبمحاكماتٍ اعلاميةٍ بديلًا عن سلوكِ ما أقرّهُ القانونُ أساسًا لتصويبِ أيّ خللٍ أو أيّ خطأٍ بِمعزَلٍ عن أيّ تهجّمٍ أو تعرّضٍ غير ِ مبرّرين.
كما نتلقّى سهامَ تحدّياتٍ، ونُجابَهُ بشعبوياتٍ، وكأنّ التعرّضَ والتجنّي باتا الوسيلةَ الناجعةَ لحلِّ كلِّ الأزمات.
إنّه الزمنُ الصعبُ، في وطنٍ أمست سلطاتُه مأزومةً، وخَياراتُهُ محدودةً، فبات شعبُهُ أسيرَ إحباطٍ وآمالُه محلَّ تساؤل.
فأينَ القضاءُ، وأين السلطةُ القضائيةُ مِن استلهامِ تضحياتِ الشهداءِ الذين نذكُرهم اليوم؟
إنَّ القضاءَ مُستلهِمًا دماءَ شهدائِهِ، ومُواكَبًا من قضاةِ لبنانَ الشرفاء، قد حسمَ الخَياراتِ وحدّدَ الأولوياتِ، وهو لن يكونَ ساكنًا أو صامتًا بل فاعلًا ومبادرًا.
وهو من أقرَّ تشكيلاتٍ ومناقلاتٍ قضائيةً مع ملاحِق ثلاثة وآخرُها الملحقُ تاريخ 2021/5/27، وذلك بإجماع وبإصرار غير مسبوقين، وبحرّيةٍ غير منقوصة،
وهو من تقدّمَ باقتراحاتٍ وملاحظاتٍ بصدد قانون استقلاليةِ القضاء،
وهو من فعَّلَ التنقيةَ الذاتيةَ،
وهو من أطلقَ عودةَ العملِ إلى المحاكمِ، مقصّرًا إستثنائيًا العُطلةَ القضائيةَ، وفق خُطّةٍ تستفيدُ منَ الإمكانياتِ والتِقنيات المُتاحة،
وهو يَعملُ على تفعيلِ الملاحقاتِ والمحاكماتِ في زمنٍ صعبٍ، باتت مقوّماتُ العملِ فيه وظروفُه أكثرَ من صَعبة.
أختُمُ ولا أنهي، لأنّ لا نهايةَ في الشَهادةِ بل حياة، ولا انتهاءَ بل ذِكرى وإلهام، لمن سبقونا في مسيرةٍ قضائيةٍ أرادوها ونريدُها حرّةً ومستقلّةَ ومسؤولة، عن آمالِ شعبٍ نحكمُ باسمِهِ، فهل نحنُ على مستوى التحدّيات والآمال؟ وعلى مستوى الشهادة والتضحيات؟
لكم منا الوعدُ، ولنا منكم الدعمُ، لتحقيقِ ما نصبو إليه جميعًا، لوطنٍ نريدُهُ مساحةَ حرّيةٍ وعدالةٍ، لا مساحةَ يأسٍ ونزاعاتٍ وإحباط.
عاشت ذكرى من نحيي، ذكرى القضاة السادة حسن عثمان، وليد هرموش، عماد شهاب وعاصم بو ضاهر.
عاش القضاءُ اللبناني حرًّا مستقلًّا،
عاش لبنان.
* كلمة رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود في ذكرى شهداء القضاء في قصر العدل في صيدا في 8 حزيران 2021.
"محكمة" – الثلاثاء في 2021/6/8

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!