القضاء والقدر أقوى من محاولات البشر/جورج رزق

0 60

بقلم القاضي جورج رزق:
غيّب الموت يومي الخميس والجمعة في الأوّل والثاني من الشهر الجاري قاضيين شابين في مقتبل العمر، لا بل ملاكين خسرهما القضاء بلوعة وأسى كبيرين، هما القاضية اليان الياس بو ناصيف المستشارة لدى محكمة استئناف بيروت، والقاضي سامر نبيه غانم المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان، وخسرهما لبنان أيضاً، فالوطن والقضاء في اعتياد دائم على الخسارة.
عُرف القاضيان الشابان بدماثة الأخلاق، وأحبّهما رفاقهما، فكانا يمارسان مهنتهما في القضاء بجدّ ونشاط وحبّ وشغف وإخلاص ومسؤولية، هذه الرسالة الإنسانية الشريفة التي لا تقوم أوطان من دونها، أو بغيابها، فأحبّاها محبّة جمّة، لكن لم يتسنَّ لهما أن يتذوّقا إلاّ مرارتها ومرارة الأيّام العصيبة التي كنّا، ولا نزال، نحيا فيها، في خِضمّها وفي دوّامتها، لا بل في "أتونها" الموقدة ناره "الخافتة" باستمرار، والمستيقظة غبّ الطلب، وقد عاشا محبّتهما القضائية محبّةً شاملةً بلا حدود، وبلا شروط.
لقد كان قدرهما صعباً، وكذلك كان قدر عائلتيهما، فالإثنان تجرّعا الكأس المرّة وتوفّيا بطريقة مؤسفة، أليمة ومؤلمة، الأولى في صراع مع مرض عضال خبيث، والثاني في حادث نادر الحصول، أثناء تناوله الطعام، واستمرّ إثره في حالة الغيبوبة، ومنذ ذلك الحين بدأت مسيرة عذابهما ومعهما مسيرة آلام عائلتيهما، واستمرّت حتّى تاريخ وفاتهما، فكانا خلال صراعهما المرير للبقاء معزّزين مكرّمين بالصلوات والعبادة، ومكلّلين بأكاليل الغار والعاطفة النبيلة المبلّلة بدموع الإخلاص والوفاء من قبل ذويهما ومن الزملاء والأصدقاء،
"وقطرة دمع من عين كئيبة توقد صحراء كاملة من الرمال المستعرة"
عمل القاضيان الملاكان سامر واليان بفرح وعطاء كبيرين وكان عملهما مفعماً بالأمل في مستقبل زاهر، مدركين " أنّ الإنسان بأخلاقه وإبداعه وعمله"،
و"أنّ الأمل فضيلة وتصميم بطولي للروح"!؟
و"أنّ الأمل في الغد ضرورة للشعوب لاستمرار الحياة"!؟
إلاّ أنّه هكذا، وعلى الرغم من الأمل بالحياة والمستقبل، قرع بابهما المرض الخبيث والحادث الأليم، صدفة، وداهماهما على حين غرّة، وأذاقاهما مع ذويهما، طعم العذاب والألم قبل أن يذيقاهما طعم الموت، فاستمرّا في المقاومة حتّى الموت، واستمرّ الموت في اعتباره أكبر وأعمق سرّ من أسرار الحياة.
أولم يقل ميخائيل نعيمة:"عندما فهمت أسرار الحياة تشوّقت للموت لأنّه أعمق أسرار الحياة"!؟
القاضية اليان، في السابعة والثلاثين ربيعاً، والدة كلارا ومارينا، ابنة القاضي الياس بو ناصيف الذي أعرفه، ونعرفه جيّداً. والقاضي سامر في السابعة والأربعين ربيعاً، إبن الدكتور نبيه غانم، تعرّفت على والديه في إحدى المناسبات الاجتماعية، والده الدكتور نبيه ووالدته السيّدة ليلى، وقبل فترة وجيزة من حصول الحادث المؤلم وكان حديثهما عن أولادهما بفخر واعتزاز، الدكتور رمزي والمحامي ناجي، وعن سامر، ومرّت أيّام على لقاء التعارف بيننا، إلى أن سمعت بوقوع الحادث الأليم، وعلى الفور خطرت ببالي صورة والديه وهما يتحدّثان عن ابنهما بلهفة واعتزاز، وتصوّرت حالهما بعد تلقّيهما الخبر المفجع، وأردت أن تبقى في ذهني وفي بالي، الصورة الأولى، وهما اللذان اعتادا على رؤية سامر بوجهه الضاحك دائماً، ورؤيته دائم الحركة والنخوة، والذي لم يكن يفارق مكتبه إلاّ نادراً،
لقد كان القدر قاسياً وظالماً مع هذين الملاكين!
وكأنّي بذوي الفقيدين الغاليين يردّدون مع أبي العتاهية:
"تعوّدت مرّ الصبر حتّى ألفته
وألجأ في حسن العزاء إلى الصبر"
ومع أحمد شوقي:
فُلكٌ في السعدِ والنحسِ يدور
لا تعارض أبداً مجرى الأمور
قل إذا شئت صروفٌ وغير!
وإذا شئتَ: قضاء وقدر.
"محكمة" – الخميس في 2020/10/8

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!