خاص"محكمة":المسؤولية الاجتماعية للمحامي /سلام عبد الصمد

0 85

الدكتور المحامي سلام حسن عبد الصمد:
تُعدّ المسؤولية الاجتماعية la responsabilité sociale – the social responsibility، ركناً أساسياً وهاماً في حياة المجتمعات، وبدونها تُصبحُ الحياة فوضى وشريعة غاب، حيثُ يأكل القويُّ الضعيفَ، وينعدم التعاون، وتغلب الأنانية والفردية.
ويُقصد بالمسؤولية الاجتماعية، في هذا السّياق، النظرية الأخلاقية المتمثّلة باعتبار أيّ كيان، سواء كان منظمةً أو فرداً، يقع على عاتقه العمل لمصلحة المجتمع ككلّ. وهو أمرٌ يجب على كلِّ منظّمةٍ أو فردٍ القيام به للحفاظ على التوازن ما بين الاقتصاد من جهةٍ والنظام الاجتماعي من جهةٍ أُخرى.
ولا تختص المسؤولية الإجتماعية فقط بمنظومة الأعمال، بل هي شأن كلّ فردٍ تُؤثّر أفعاله على البيئة المحيطة به. وهذه المسؤولية يمكن أن تكون سلبيةً عبر الامتناع عن الانخراط في أفعال ضارّة، أو إيجابيّةً من خلال القيام بأفعالٍ تُحقّق أهداف المجتمع بشكلٍ مباشر. فالمسؤولية الاجتماعية إذن، هي عمل مُلزمٌ نابعٌ من داخل الفرد نفسه، ولا يُكلَّف بها أيُّ شخصٍ، وإنّما من يتمتّع بالحرّية الكاملة التي تُلزمه القيام بالأعمال والمسؤوليات الملقاة على عاتقه، حتّى يستشعرَ حجم المسؤولية التي كُلفّ من أجلها، ومن هنا تكمن أهمية المسؤولية الاجتماعية داخل أيّ مجتمعٍ من المجتمعات.
لعقود خلَت، كان النجاح مرتبطاً بمدى تحقيق الأرباح. إلّا أنّه، وبظهور مفاهيم جديدةٍ كمفهوم المسؤولية الاجتماعية، أصبح النجاح يُقاس بالمحافظة على السمعة الجيّدة والثقة في المجتمع.
فمهنة المحاماة مثلاً، تُعدُّ ومن دون أدنى شكّ من المِهن العريقة التي شهدها التاريخ. فهي مهنةٌ حرّةٌ مستقلّةٌ، تُسهم إسهاماً كبيراَ في تحقيق العدالة والإنتصار للمظلوم. فالمحامي يسعى دائماً إلى التماس الطُرق المشروعة في نصرة موكّله تحقيقاً للعدالة. وترتبط المحاماة بالحياة القانونية، وتُشكّل الدعامة الأساسية لتحقيق العدل، فهي مهنةٌ مستقلِّة تُشكِّل مع القضاء سلطة العدل، وهي تُشارك السلطة القضائية في تأكيد سيادة القانون. قثمّة ترابطٌ عضوي بين المحاماة وبين القضاء، وبين المحامي وقوس المحكمة.
فالإنسان في صراعه من أجل الحياة، وكفاحه المستمرّ في درء الأخطار عن حياته وماله وحرّيته وكرامته وعرضه بحاجة إلى حماية. والمحاماة وُجدت لحماية أغلى ما لدى الإنسان، وُجدت لحماية الكرامة الإنسانية والحقوق المشروعة.
وقبل أن تكون مهنة وطريقة لكسب لقمة العيش، تُعتبر المحاماة رسالة الحقّ والعدل، ومهنة الشرف والكرامة والكفاح، وهي تستمدُّ وجودها من أنبل المعاني وأقدس القيم وأشرف المقاصد والغايات.
فالمحامي يسعى دائماً لتقديم خدمات عامة في سبيل تحقيق العدالة في المجتمع. وإنّ تقاليد المحاماة كانت ولا زالت تتمتّع بقوّة المبادئ السامية المقدّسة، بحيث لا يمكن المساس بها دون أنْ يتعرّض النظام القضائي برّمته إلى الاهتزاز، ودونَ أنْ يُنتقصَ حقّ الدّفاع الذي يُعتبر حقّاً مقدّساً.
وانطلاقاً من كلّ ذلك، ليس غريباً على المحامين أنْ يُقدّموا أفضل ما لديهم في سبيل مساعدة الغير ونصرة الحق وإزهاق الباطل. وهذا ما جعل من المحاماة وسيلةً فُضلى للدّفاع عن المحتاج. فنرى البعض يلجأ للمحامي في سبيل طلب العدالة وتحقيقها، دون أن يكون لديه القدرة المادية على تحمّل الأتعاب. وبالمقابل، هناك الكثير من المحامين الذين يُبادرون إلى تقديم خدماتهم مجّاناً، فقط لمجرّد شعورهم بالمسؤولية التي تتمثّل باعتبارهم مسؤولين إجتماعياً وملزمين على مساعدة الغير.
وقيمٌ ومبادئٌ حفظت مكانة المحاماة كفنٍّ رفيعٍ ومسؤوليةٍ إجتماعية، يُؤهلها بجدارةٍ إلى أنْ تكونَ رسالة نصرةٍ للحق ولتحقيق العدالة، والدّعامة الأساسيّة للعدل.
فلا عدلٌ دون قضاء ولا قضاء دون محاماة.
(نشر في النسخة الورقية من مجلّة "محكمة" – العدد 35 – تشرين الثاني 2018)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!