"بالإحضار".. قضاة لبنان يشاركون السياسيين إفتتاح السنة القضائية!

1 46

كتب علي الموسوي:
بصفة عاجلة جدّاً، أصدر رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد، قراراً وجاهياً "نافذاً على أصله" بإحضار كلّ قضاة لبنان للمثول أمام السلطة السياسية في الإحتفال المتلفز بافتتاح السنة القضائية يوم الجمعة في 27 تشرين الأوّل 2017.
وبالثوب القضائي الإلزامي، يتوجّب على هؤلاء القضاة الحضور تحت طائلة الملاحقة الكلامية والتأنيب، تماماً مثلما يفعل ناظر المدرسة بالتلاميذ، والضابط العسكري بالرتباء والعناصر، في سعيه "لتنفيذ القانون"، بحسب ما يستشفّ من كتاب فهد إلى الرؤساء الأُول في المحافظات لتعميم مضمونه على القضاة الذين وصلهم بسرعة خارقة، وصورة فورية لتنفيذه حرفياً ومن دون أيّ تلكوء وكأنّه أمر يوم عسكري لا مجال للتفكير فيه، ولا للإعتراض، بل "نفّذ، وغلّف إعتراضك بالنسيان، أو احفظه في قلبك وفكرك"، تماماً كما هو حال الكثير من الشعوب في "الدول الديموقراطية" لئلاّ نقول القمعية، لأنّ العدالة والقمع لا يلتقيان!.
ولم يكتف هذا القرار المبرم، بهذه "التوجيهات" الجوهرية من أجل نصاعة الحضور القضائي، بل طلب القاضي فهد إبلاغه بأسماء كلّ قاض يمكن أن يتغيّب عن هذا الحفل السياسي بامتياز، مع ذكر الأسباب والموانع، وهذا ما زاد من انزعاج القضاة الذين اعتبروه تهديداً مبطّناً لهم، فإذا ما امتنع أحدهم عن الحضور، فإنّ هيئة التفتيش القضائي بانتظاره لدمغ سجّله بالأسئلة والاستفسارات، مع إمكانية إلحاقها بالعقوبات، وذلك بذريعة مخالفة قرار قضائي صارم، وعدم التقيّد بالأوامر النافذة من دون السماح بمجرّد التفكير فيها، علماً أنّ هناك قضاة محالين على التفتيش وخضعوا مراراً وتكراراً للإستجواب والتحقيق، ونالوا في نهاية المطاف، مواقع مرموقة في التشكيلات القضائية الأخيرة.
ولا شكّ أنّ القاضي جان فهد هدف من وراء كتابه إلى تأمين أكبر حشد من السلطة القضائية في "حفل ارستقراطي" يقتصر عادةً على الرؤساء والوزراء والنوّاب الحاليين والسابقين والمتقاعدين، والسياسيين والدبلوماسيين وكبار موظّفي الدولة ونقيبي المحامين في بيروت والشمال مع أعضاء المجلسين والنقباء السابقين وكلّ الطامحين بحضور مثل هذه الإحتفالات التي تقام عادةً في مطلع كلّ عهد رئاسي، وهذا ما يشي به التاريخ وتعاطي السلطة السياسية مع سلطة يفترض أنّها بحسب الدستور مستقلّة وإنْ كانت تأتي في الدرجة الثالثة من حيث التصنيف العام في هيكيلية الدولة.
ويعتقد القاضي فهد أنّ هذه المناسبة العزيزة تشكّل مدخلاً رئيسياً لاستعراض الإنجازات والتحدّيات القضائية أمام نوعية المشاركة السياسية التي قلّما يتاح للقضاء مجتمعاً أن يلتقيها دفعةً واحدةً، ولذلك لا بدّ من أن "تظهر السلطة القضائية بأبهى حلّتها" على ما ورد في كتابه المذكور.
ويأتي إفتتاح السنة القضائية بعد أيّام قليلة على صدور مرسوم التشكيلات القضائية بما تضمّن من تدخّل سياسي صريح، و"تحديد وتحرير" طائفي غير مسبوق للمراكز، ولكنّه يجيء أيضاً على وقع الإعتكاف الأطول في تاريخ القضاء اللبناني إعتراضاً على الرفض السياسي الممنهج بعدم اعتبار القضاء سلطة مستقلّة، بالإضافة إلى "عملية السطو" على صندوق التعاضد، من دون أن تبصر المعالجة التشريعية المرتقبة، النور لغاية الآن، على الرغم من مرور شهرين تقريباً على تراجع مجلس القضاء الأعلى عن هذا الإعتكاف.
كما أنّ هذا الإفتتاح المتأخّر للسنة القضائية، على غرار سنوات كثيرة، يطلّ من دون أن يتبلور أيّ شيء من فحوى العريضة القضائية التاريخية التي وقّعها 352 قاضياً عند بدء الإعتكاف في تموز 2017، ووصل التفكير آنذاك، إلى حدّ التهديد بالإستقالات الفردية والجماعية.

ردّ القضاة
ردّة الفعل الأوّلية لشريحة كبيرة من القضاة على كتاب القاضي فهد، تضمّنت رفضاَ مطلقاً لطريقة المخاطبة وللعبارات الموضوعة في نصّ الكتاب، إلى درجة أنّ هناك كثيرين منهم إتخذوا قراراً بالإستنكاف عن المشاركة، على الرغم من أنّ المناسبة عزيزة عليهم كثيراً، لأنّها تتعلّق بجوهر وجودهم وعملهم اليومي وتؤكّد تضامنهم وتعزّز فرص التلاقي القليلة، فهناك قضاة لا يعرفون زملاءهم في مناطق أخرى، وهذا ما اتضح خلال التدقيق في مرسوم التشكيلات القضائية، ممّا يؤكّد ضرورة وجود لقاء جامع لكلّ القضاة من دون مناسبات محدّدة، طالما أنّ الغاية المتوخّاة هي الإرتقاء بالعدالة وإظهار القضاء سلطة موحّدة.
ويعترض القضاة على أسلوب التخاطب، من فرض إلزامية الحضور وتدوين أسماء القضاة المتغيّبين وأسباب هذا الغياب ورفع الأمر إلى مجلس القضاء في مهلة أقصاها يوم غد الإثنين في 23 تشرين الأوّل 2017، لأنّ هذا الأسلوب التهديدي لا يليق بهم وهم المؤتمنون على إحقاق الحقّ، كما أنّه يسهّل الدخول إلى ملفّاتهم بما يتنافى والقانون والعدالة المطلوبة، وهو أمر ليس لمصلحة الجسم القضائي برمّته كسلطة مستقلّة.
كما أنّ القضاة يحتجون على عبارات وردت في كتاب فهد ومنها إرتداء اللباس الرسمي الخاص بالقضاة وهو "الروب" الأحمر والأسود، وذلك من باب لزوم حضور مراجع عليا في الدولة والنقل التلفزيوني المباشر، وكأنّ صورة هذا "البرستيج" هي التي تصنع العدالة، فيما الحقيقة التي يعرفها الجميع هي أنّ الحلّة الممتازة يجب أن تكون في الأحكام والقرارات وإدارة الملفّات والجلسات، وفي الإستقلالية التامة عن هيمنة السلطتين التشريعية والتنفيذية طبقاً لما ينصّ عليه الدستور الذي هو الحكَم الوحيد بينهم، فضلاً عن أنّ الحلّة الراقية تكون في المواقف الدفاعية عند حصول تهجّم ما على القضاة حتّى ولو أخطأ أحدهم عن حسن نيّة قانونية، في قرار ما، وجلّ من لا يخطئ.
ويرى عدد لا بأس به من القضاة الذين وقفت "محكمة" على موقفهم ورأيهم، أنّ التلاقي والتواصل بين مجلس القضاء الأعلى والجسم القضائي برمّته بشكل دوري، ضروري لإظهار وحدة الصفّ وتبادل الهواجس والأفكار خدمةً للمؤسّسة القضائية، وهذا ما أوصلوه مراراً إلى المعنيين في مجلس القضاء الأعلى من دون أن يلقوا آذاناً صاغية، فلماذا حتمية الحضور الإستعراضي في حفل خطابي يقتصر على الكلمات الإنشائية والوعود المناسبتية من دون تنفيذ فعلي لها؟!.
ولئلا يتهمّ هؤلاء القضاة بـ"الخروج على القانون" وعدم "الإلتزام بالأوامر"، وما شابه من العبارات و"الإتهامات الجاهزة"، فإنّهم مستعدّون لتبلّغ التعميم الموجّه إليهم، من منطلق الحفاظ على وحدة المؤسّسة القضائية، مع توضيح موقفهم منه كتابةً وعدم الإكتفاء بالكلام، وتبيان الأسباب الموجبة لرفض الحضور.
رجال قانون يعتدّ بمواقفهم، أطلعتهم "محكمة" على كتاب رئيس مجلس القضاء الأعلى، فوصفوه بعد التمعنّ في قراءته، بأنّه "مذكّرة جلب"، و"كمن يمسك الآخر من أذنه"!.
النصّ الحرفي لكتاب فهد
فماذا جاء في كتاب القاضي جان فهد؟
جانب الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف في ….(اسم المحافظات).
الموضوع: حفل"باسم الشعب تُبنى الدولة" إفتتاحاً للسنة القضائية 2017 -2018.
الصفة:عاجلة جدّاً.
بالإشارة إلى الموضوع المنوّه عنه أعلاه، نحيطكم علماً بأنّ مجلس القضاء الأعلى قرّر، بالتوافق مع دوائر القصر الجمهوري، إفتتاح السنة القضائية 2017- 2018 بحفل عنوانه:" باسم الشعب تُبنى الدولة"، وذلك نهار الجمعة الواقع فيه 27 تشرين الأوّل 2017، عند الساعة الثالثة من بعد الظهر في قاعة "الخطى الضائعة" في قصر العدل في بيروت.
إنّ فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سيشرّف القضاء برعاية وحضور هذا الحفل الذي سيُنقل مباشرة على الهواء عبر شاشات التلفزيون، ويشكّل هذا الحدث المناسبة الوحيدة التي يتمّ فيها عرض واقع القضاء العدلي وإمكانياته وإنجازاته وتحدّياته أمام السلطتين التشريعية والتنفيذية وأمام المواطنين، فيقتضي أن تظهر السلطة القضائية بهذه المناسبة بأبهى حلّتها.
إنّنا نطلب منكم التفضّل بالتعميم على جميع السادة القضاة التابعين لمحاكمكم ودوائركم القضائية بأهميّة وضرورة المشاركة في هذه المناسبة بالثوب القضائي وإبلاغنا خلال مهلة أقصاها يوم الإثنين الواقع فيه 23 تشرين الأوّل 2017، بأسماء القضاة الذين سيتغيّبون عن الحفل، وأسباب هذا التغيّب.
إنّنا إذ نشكر تفهّمكم لعنصر العجلة في هذه المسألة نظراً لقرب موعد الإفتتاح، ندعو لكم بالتوفيق.
مع فائق التقدير
رئيس مجلس القضاء الأعلى
جان داود فهد".


"محكمة" – الأحد في 2017/10/22.

*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يرجى الإكتفاء بنسخ جزء من الخبر وبما لا يزيد عن 20% من مضمونه، مع ضرورة ذكر إسم موقع "محكمة" الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

تعليق 1
  1. المحامية مريانا برو يقول

    من غير المسموح وبعد فضيحة التشكيلات القضائية ان نمعن في غرس السكين في ظهر القضاة واعتبارهم موظفين وعليهم واجب الطاعة
    من المعيب ان يتم مخاطبة القضاة باسلوب الاستعلاء وعدم احترامهم
    لن نسمح بذلك وعلى القضاة ان لا يصمتو والا فسيدفعون الثمن الى الابد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!