تقنين العملات المشفّرة بين مؤيّد ورافض/إسراء زين الدين

0 318

إسراء زين الدين:
أدّى التزايد في استخدام الانترنت إلى ظهور المجتمعات الإفتراضية، ممّا ولّد مفهومًا ماليًا جديدًا يتعلّق باقتراح عملات مشفّرة ومنها البيتكوين التي برزت في العام 2008 والتي تعتبر الأكثر انتشارًا تحديدًا في الفترة الراهنة بحيث أصبحت محطّ اهتمام الكثير من المستثمرين.
تُعرَّف هذه العملات بأنّها عملات رقمية لا مركزية، تُستخدم لشراء السلع أو بيعها وتنفرد بقدراتها في وسائل التخزين المبتكرة وإمكانيات النمو. كما يُطلق عليها أيضًا تسمية "العملة الإفتراضية" أو "العملة اللامركزية".
ومع اختلاف تسمياتها لا بدّ من توضيح الفرق بينها وبين العملات الرقمية بحيث إنّ هذه الأخيرة تكون مدعومة من البنوك المركزية للدولة وتختزل في قيمتها الشرائية القيمة الشرائية ذاتها المختزنة في العملات الورقية، في حين أنّ العملات المشفّرة تكون لا مركزية وصنيعة نفسها ولا تعبّر عن أيّ عملة ورقية سابقة ولا تُسأل عنها جهة رسمية فتُسجّل المعاملات المالية الجارية عبر النقود الإفتراضية في سجّل حسابات مشترك يُدعى "blockchain" أو "دفتر الأستاذ"، فهذه العملات تشترك بأنّها ليست منظّمة من البنك المركزي.
وقد اعتبرت مجموعة العمل المالي (FATF) أنّ العملة المشفّرة هي عملة إفتراضية لا مركزية تعتمد على نموذج رياضي محمي بواسطة الترميز.
بعد توضيح هذا اللغط بين المفهومين، لا بدّ من الإنتقال الى إشكالية البحث وهي مدى إمكانية اعتبار العملة المشفّرة عملة قانونية وبالتالي تمتُّعها بقوّة إبراء:
بدايةً لا بدّ من تعريف العملة القانونية بأنّها تمثّل وحدة التبادل التجاري التي يصرّح لها القانون بقوّة إبراء ضمن الدولة المصدّرة لها فتستمدّ قوّتها في الإبراء والوفاء بالديون والإلتزامات من السلطة القانونية في كلّ دولة. كما أنّ إصدارها له ضوابطه وقواعده التي تنظّمه. يدلّ هذا التعريف على لزوم تدخّل الدولة لتقنين العملات المشفّرة أيّ أن تصدر قانونًا يحدّد الإطار القانوني لها ويعتبرها عملة قانونية وكيفية التعامل به.
وفي هذا الصدد تباينت المواقف التشريعية للدول بين مؤيّد ورافض لاستخدام العملات المشفّرة وعلى سبيل المثال:
– كندا اعتبرت أنّ هذه العملات لا تتمتّع بمصداقية قانونية لكنّها ليست ممنوعة.
-أمّا المملكة المتحدة فهي واحدة من المدافعين السابقين عنها بحيث تُعتبر بيتكوين ملكية شخصية وتخضع السلع والخدمات التي تشتريها بيتكوين لضريبة القيمة المضافة.
– البنك المركزي الصيني اعتبر أنّ التعاملات المالية و النشاطات التجارية المرتبطة بالعملات الإفتراضية تُعتبر غير قانونية، وكذلك بالنسبة للدول العربية كالسعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر بحيث تضمّنت تحذيرات البنوك المركزية التابعة لها أنّ العملات الإفتراضية هي عملات غير قانونية.
– وكان للبنك المركزي في لبنان اتجاهًا مشابهًا بحيث حذّر من استخدام العملات المشفّرة ومنَع مؤسّساته التي تخضع لرقابته من استخدامها.
تعود أسباب هذا الرفض إلى المخاطر السلبية للعملات الإفتراضية كَون قيَم الأصول غير ثابتة وتتعرّض لتقلّبات كبيرة في الأسعار وعدم قبول النقود المشفّرة كعملة تتمتّع بقوّة إبراء قانوني، كما لا يمتلك الأشخاص الذين يتعاملون بها بالخبرة اللازمة ممّا قد يعرّضهم لعمليات الإحتيال وهذا ما جرى مع اللبنانيين الذين خسروا حوالى 300 مليون دولار أميركي، بالإضافة إلى سبب مهمّ وهو عدم خضوع هذه العملات للرقابة المالية اللازمة ولا يمكن معرفة هويّة الأشخاص الذين يقومون بالتحويل ممّا قد يسهّل عمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
على الرغم ممّا سبق، فقد اتخذت السلفادور اتجاهًا مخالفًا بتقنينها للبتكوين وغدت في أيلول 2021 أوّل دولة يعتمد برلمانها البتكوين عملة قانونية إلى جانب الدولار الأميركي، وهذا القانون يعني أنّه يسمح أن تكون السلع والخدمات داخل البلاد مسعّرة بالبتكوين، ويمكن للمواطنين أن يدفعوا الضرائب المستحقة عليهم بها كما أنّه لا يمكن رفض التعامل بها، وبذلك تكون قد اكتسبت خصائص مهمّة من خصائص النقود كونها وسيلة للتبادل.
وتتجه عدّة دول إلى إصدار قوانين مشابهة ومنها اوكرانيا والمكسيك.
أخيرًا نرى من جهتنا أنّه يجب التعاطي مع العملات المشفّرة بحذر خاصةً أنّها أصبحت تفرض نفسها على الأنظمة المالية للدول رغم مخاطرها، ممّا سيدفع العديد من البلدان إلى إصدار قوانين تنظّمها خوفًا من تداعياتها على اقتصادها، إلّا أّن الأمر يُترك لتشريع كلّ دولة بعد دراستها الدقيقة لأوضاعها من جميع الجوانب مع التشديد مجدّدًا على مخاطرها التي لا يمكن التغاضي عنها.
المصادر:
– Monnaie virtuelle et monnaie éléctronique:distinction et encadrement contractuel des porte-monnaie virtuels affectés,www.tendancedroit.fr
– مخاطر و تداعيات العملات المشفّرة على القطاع المالي، فريق عمل الإستقرار المالي في الدول العربية، ابو ظبي- دولة الإمارات العربية المتحدة،2019
– دراسة بعنوان العملات المشفرة، البنك المركزي الأردني، آذار 2020،cbj.gov.jo
– د. سابين الكك، العملة الرقمية في ميزان الفرص والمخاطر، مجلّة "محكمة"، 2020/11/15 .
"محكمة" – الجمعة في 2021/11/12

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!