جرائم أصحاب الياقات البيضاء من حيث المفهوم والآثار/فاديا بيضون

0 4٬859

الدكتورة فاديا بيضون*:
لا يوجد تعريف موحّد لهذه الجرائم بسبب عدم القدرة على تحديد ماهيتها، وقد اختلفت الآراء والتعريفات حولها بدءًا من أدوين سذرلاند في مؤلّفه الشهير "جرائم أصحاب الياقات البيضاء" عام 1939 والذي اعتبرها جرائم ترتكب من قبل أشخاص لهم مكانتهم الإقتصادية والإجتماعية في معرض قيامهم بأعمالهم المهنية.
إلاّ أنّ هذا التعريف ضيّق أفق هذه الجرائم ولا سيّما مع وجود التطوّر العلمي والتكنولوجي الواسع وصولًا إلى اعتبارها بأنّها جرائم الأغنياء التي يرتكبونها أثناء قيامهم بأعمالهم العادية من خلال إساءة استعمال السلطة من أجل تحقيق الربح الشخصي.
ولكنّ المشكلة تكمن في ظلّ هذا التطوّر والتقدّم الهائل في وسائل الإتصالات والتواصل، إذ كيف يمكننا توحيد هذه التعريفات من خلال توحيد شامل وواضح لفاعل هذه الجرائم التي تتزايد أحجامها وتتنوّع أفعالها من يوم إلى آخر.
نذكر بعض أنواع هذه الجرائم على سبيل المثال لا الحصر:
• الإحتكار غالبًا ما يتمّ عبر التكتّلات الإقتصادية الضخمة التي تحتكر سلعة معيّنة وتعمد إلى بيعها بأسعار خيالية.
• أعمال البورصة غير المشروعة التي تتمّ بعقد صفقات واتفاقات مشبوهة.
• التهرّب الجمركي الذي يتمّ من خلال إدخال بضائع قيّمة بدون دفع أيّ رسوم عليها إمّا بدفع الرشوة أو بطرق ملتوية.
إضافة إلى عمليات التجسّس الصناعي، وتهريب المعلومات، وجرائم الإنترنت والحاسوب.
وبالرغم من أهمّية هذه الجرائم، إلاّ أنّه يصعب اكتشافها للأسباب التالية:
أوّلًا: كونها جرائم خفية ويعود ذلك إلى:
• غياب المعرفة: لعدم معرفة الضحيّة أو حتّى وجود جريمة أصلًا كونها تتقبّل بشكل عادي في المجتمعات المتطوّرة والنامية على حدّ سواء.
• غياب النظرية: لأنّ معظم النظريات أجمعت على أنّ الفقر هو الدافع الأساسي للجريمة.
• غياب الإحصاءات: حيث إنّ الجرائم تعرف إمّا من محاضر أو من الإعلام والصحف، وهذا النوع من الجرائم خفي لا يمكن الإفصاح عنه.
ثانيًا: كونها جرائم منظّمة: جرائم مبرمجة ومنظّمة تعمل ضمن جهاز معلوماتي هادف إلى تحقيق الأرباح وغايات إقتصادية ومالية معيّنة دون ترك أيّ أثر عبر شركات تحتكر السوق بحجّة الحفاظ على الإستقرار الإقتصادي.
ثالثًا: العولمة التي ساعدت على نشوء شركات ضخمة تقوم بالمستحيل من أجل تحقيق غاياتها وأهدافها لزيادة أرباحها والسيطرة على أسواق العالم من خلال أعمالها غير المشروعة مثل تبييض الأموال وتجارة الممنوعات.
وقد أثّر هذا النوع من الجرائم بشكل كبير على كافة الأصعدة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية.
فعلى الصعيد الإجتماعي أدّى إلى:
• تدنٍّ في مستوى المعيشة بسبب توزيع المداخيل بشكل غير عادل وغير مشروع ممّا يؤدّي إلى تحوّلات فجائية وسريعة في التركيبة الإجتماعية وظهور طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء وبينهما الطبقة الكادحة.
• البطالة نتيجة ضعف الإستثمار في المجالات الإنتاجية والتحوّل إلى المكننة والمجالات الخدماتية.
• إنتشار الأوبئة بسبب سوء تنفيذ المشاريع وتزايد وجود النفايات في المكبّات نظرًا لعدم وجود خطط إنمائية ودراسات استراتيجية لإنشاء مشاريع خدماتية واستمرار هدر المال العام.
• تحوّل الوظيفة إلى مورد رزق لا إلى رسالة كونها مصدرًا يدرّ الأرباح الهائلة فلا يهمّ إنْ كان ذلك بطريقة مشروعة أو غير مشروعة، لأنّ فساد الأخلاق والسلوك يؤدّي إلى فساد شامل في مختلف فروع الحياة الإجتماعية وقد يؤدّي إلى تقويض أركان المجتمع(اوغست كونت).
كما أدّى على الصعيد الإقتصادي إلى:
• انخفاض معدّل الإدخار بسبب تشوّه نمط الإنفاق والإستهلاك ممّا سيؤدّي إلى نقص المدخّرات اللازمة للإستثمار وحرمان مجالات النشاط الإقتصادي المهمّة من استثمار المدخّرات القومية في المشاريع النافعة للمجتمع بسبب ازدياد الطلب على العملة الأجنبية لتهريب أموال سلطة المال.
• إرتفاع معدّل التضخّم: زيادة في الأسعار، وجود أموال طائلة، تدهور القوّة الشرائية، إنفاق بذخي وتضخّم في الطلب الكلّي للخدمات.
• تشويه المنافسة: لأنّ رؤوس الأموال الضخمة المستخدمة في الشركات والمؤسّسات الكبيرة سوف تحتكر السوق وتبتلع المؤسّسات الصغيرة وتتحكّم بالأسعار كما تشاء.
• إنخفاض الدخل القومي: بسبب تهريب الأموال للخارج نتيجة التجارة غير المشروعة ما يؤدّي إلى إضعاف الدخل وما ينتج عنه من آثار إنكماشية تؤدّي إلى تراجع معدّل زيادة الدخل القومي سنويًا.
وعلى الصعيد السياسي، يستطيع مرتكبو هذه الجرائم:
• إختراق هياكل بعض الحكومات عن طريق تجنيد بعض الوزراء من أجل وضع تشريعات قانونية تجعل أفعالها شرعية وتخدم مصالحها وأهدافها المالية وتساعدها على إنجاز أعمالها بدون أيّ معوّقات.
• تمويل النزاعات الدينية والعرقية: فسلطة المال (المافيا) لديها القدرة على تمويل النزاعات من أجل إشعال الفتن الطائفية(لبنان 1975) ومن أجل تفعيل الإرهاب الحالي(الحركات الإرهابية في سوريا والعراق).
كان لا بدّ من تسليط الضوء على هذا النوع من الجرائم لخطورتها الفتّاكة في الأمم والمجتمعات البشرية وأثرها على مصير أجيال متتالية، بل على مصير دول، والتهديد المحدق باستمراريتها ووجودها.
*المراجع:
• الفقي عيسى عمرو – جرائم التزييف والتزوير – المكتب الفنّي للإصدارات القانونية- لا ذكر لدار النشر- طبعة عام 2005 ص 13 وما يليها.
• د. مغبغب نعيم – مخاطر المعلوماتية والإنترنت- دراسة في القانون عام 1998- ص 215.
• د. السراج عبود – شرح قانون العقوبات الإقتصادي – الطبعة السابعة عام 1998 – ص 54.
• مجلّة الايكونومست البريطانية عام 2000.
• د. سعفان حسن شحاته – أسس علم الإجتماع- الطبعة الرابعة- مكتبة النهضة المصرية- ص 47 – 48.

 

-coleman william james – the criminal elite- the sociology of white
Collar crimes – 3rd edition 1996 p: 235
– GEIs Gilbert – white collar crime – the offender in business and
– The profession 1st edition – 1968 united state Author p: 28 –

*أستاذة قانون في الجامعة الإسلامية.
"محكمة" – الأحد في 2021/2/7
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر، مع وجوب ذكر إسم موقع "محكمة" الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، كما يمنع نشر وتبادل أيّ خبر بطريقة الـ"screenshot" ما لم يرفق باسم "محكمة" والإشارة إليها كمصدر، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!