جورج ملكي العفوي المحبّ/ناضر كسبار

0 17

المحامي ناضر كسبار:
من بلدة بشمزين في الكورة الخضراء، إنطلق الشاب المليء بالعنفوان والنشاط وحبّ اكتسابِ العلم إلى بيروت، وتخرّج من كلّية الحقوق في جامعة القديس يوسف – اليسوعية. وانتسب إلى نقابة المحامين، وتعاون مع النقيب المرحوم جان نفّاع، ولازمه حتّى آخر ساعةٍ من حياته*.
آمن بالرسالة السامية للمحاماة، وأعطاها من طموحه وعلمه ورصانته واستقامته وانكبابه على الدرس والتمحيص. فبادلته الإخلاص، وذاع صيته في جميع أرجاء الوطن، وحمله زملاؤه إلى مركز عضوية مجلس النقابة في عدّة دورات.
أنيق، حلو المعشر، صادق، محبّ. معه يأخذك سحر الحديث وغزارة المعرفة وعمق الثقافة ودماثة الأخلاق.
متصالح مع نفسه، متسامح مع الآخرين. لا يعرف الحقد بل يأخذ الأمور بعفوية ومحبّة وتشجيع لمن يعاشره فبات قريبه النقيب ميشال خطّار يردّد دائماً: الملكي بيرَيح.
كما كان جبّاراً في حياته. لم يخف من الموت ولم يرهبه. وكان خلال فترة مرضه يتحدّى المرض، ويقول بأنّه سوف يقهره ولن يجعله ينال من عزيمته. وكما كتب معالي النقيب عصام الخوري في رثائه:"صارع المرض بعتو ارز لبنان وتمرّد زيتون بشمزين – الكورة."
وكان الحبيب جورج يتمتّع بروح الطرافة ويقول إنّ اللباقة لا تقتصر على الكبار بل على الصغار أيضاً. وروى لي في التسعينات أنّ ابنه (الذي كان صغيراً) نقولا كان يدرس، في حين أنّ جورج كان يتكلّم بصوت عال تارةً، ويرندح تارةً أخرى، ويطلب منه نقولا عدم إحداث ضجّةٍ ليستطيع الدرس. إلى أن قال له:
– يا ريتني بيّك.
كما روى لي أنّه يوم كان لا يزال عازباً، كان صديقه المرحوم محمّد الساحلي، أمين سرّ مجلس النقابة، يشجّعه دائماً على الزواج. فيجيبه: عندي كثير شغل. ومرّة كانا ذاهبين في مناسبة، فأوقف المرحوم محمّد سيّارته أمام المدافن وقال له:
– خيي جرجي. شفت كلّ هيدول؟ كلن راحو وما حدا منن خلّص شغلو.
وكان المرحوم جورج محامياً لامعاً مثقّفاً، عميقاً في التحليل القانوني، يجيد تسويق أفكاره بأسلوب حواري متمرّس فجاءت لوائحه مشغولة ومرافعاته مدروسة. كما كان إبناً وفياً لأهله، وزوجاً مخلصاً لزوجته السيّدة زينة، وحنوناً على عائلته، حيث ربّيا عائلة مميّزة ضمّت محاميين نعتزّ بهما، وسوف يكملان رسالة والدهما بكلّ أمانة وصدق: وليم ونقولا.
اليوم ينطوي زمن جميل. وتضمّ أرض بشمزين فلذة كبدها إبنها البار جورج وسط دموع وحسرة الأهل والأصدقاء والمحبّين.
ألم يكن الرحابنة على حقّ حين قالوا:
"أتاري الاحبة عاغفلة بيروحوا وما بيعطوا خبر؟. عاغفلة بيروحوا"؟.
ألم يكونوا على حقّ في مسرحية بترا عندما غنّى نصري شمس الدين:
"مبارح أنا ودّعتهم كانوا شباب عم يرقصوا ويهيصوا…كيف بدقيقة الناس بيخلصوا"؟.
فيا أيّها الحبيب جورج. غداً عندما تذهب زينة وميريم ووليم ونقولا إلى دارة بشمزين، فإنّ وردات الدار سوف تبقى ذابلةً، حزينة، مطأطأة الرأس. ولن تضحك (على طريقة أغنية صباح: ضحكتلك وردات الدار….) فالحبيب جورج ليس معهم.
ألم يكن الشاعر على حقّ حين قال يوماً:
يا سائس الخيل قم للخيل وانحرها
ما حاجة الخيل والفرسان قد ماتوا
في القلب، وفي البال زميلاً عزيزاً، وصديقاً محترماً…ألا فاعبر بسلام. فإنّك الآن حيث يليق بالأخيار الأنقياء الأصفياء.
فباسم نقيب المحامين البروفسور ملحم خلف، وباسم مجلس نقابة المحامين والزملاء وباسمي نتقدّم بأصدق التعازي للعائلة الكريمة زوجته زينة وأولاده ميريام ووليم ونقولا وعائلاتهم، ولمعالي البروفسور إبراهيم نجّار، ومحامي مكتبه والعاملين فيه ولجميع من أحبّه. رحمه الله.
***
*كلمة عضو مجلس نقابة المحامين مفوّض قصر العدل المحامي ناضر كسبار ممثّلاً النقيب محلم خلف في وداع المحامي جورج ملكي.
"محكمة" – الإثنين في 2020/7/27

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!