حتى لا نقع بذات الثغرات في ملفّ المنشآت النفطية/عصام اسماعيل

0 66

عصام نعمة إسماعيل*:
ليست المرّة الأولى التي يثار فيها ملفّ المنشآت النفطية، إذ سبق أن جرت محاكمة سابقة انتهت بتبرئة معظم المتهمّين، ولم يصر إلى محاسبة أو مساءلة من استولى على المال العام كما لم يُسْتعد هذا المال.
إبتدأت القضيّة في العام 1995 عندما أثير إعلامياً ملفّ الفضائح في مصفاتي طرابلس والزهراني، ثمّ تقدّمت شركة "فالكون انترناشونال" بإخبار عن بيع نفط خام مخفّف تحت ستار أنّ المبيع رواسب نفطية. فتحرّكت النيابة العامة المالية واستجوبت وزير النفظ بتاريخ 1999/2/23 في موضوع هدر أموال عامة. وبتاريخ 1999/3/5 إدعى النائب العام المالي على الوزير وخمسة موظّفين بينهم مدير عام النفط ومدير عام معاون في منشآت النفط. وكانت التهم هي: بيع الرواسب النفطية- إستيراد مادة الفيول من شركة واحدة- إفراغ حمولة بواخر لا تحمل المواصفات المطلوبة.
لم يتمكّن القضاء العدلي من محاكمة المدعى عليهم لأسباب لا علاقة لها بالجرم وإنّما بأصول المحاكمة، حيث قضت محكمة جنايات بيروت بموجب حكمها تاريخ 2002/12/16 بعدم صلاحية القضاء العدلي للنظر في الإجراءات المسندة إلى الوزير باعتبار أنّ الأفعال المنسوبة إليه متعلّقة بالواجبات المترتّبة عليه بالمعنى المقصود في المادة 70 من الدستور بما يولي المجلس النيابي إختصاص الملاحقة، والمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء أمر المحاكمة بموجبه.
وبخصوص المدير العام معاون في منشآت النفط، فإنّ الخطأ في الإجرءات قد حال دون ملاحقته، وقضت محكمة الجنايات بكفّ التعقّبات عنه لأنّه يتمتّع بصفة الموظّف بالمعنى المقصود في المادة 350 عقوبات، لأنّه يشغل مركز المدير العام المعاون في منشآت النفط، وأنّ هذه المنشآت بوضعيتها الحاضرة، وبعد أن أستُرِدَّ الإمتياز عليها من شركتي النفط الأجنبيتين، أصبحت تؤمّن خدمة عامة تتمثّل في استيراد النفط من الخارج لسدّ حاجات الدولة اللبنانية من هذه المادة ومشتقّاتها. وأنّ دفع المدعى عليه بأنّ الملاحقة قد جرت بدون أخذ موافقة الادارة التي ينتمي إليها، يكون في محلّه لأنّه لم يتوفّر في الملفّ ما يثبت أخذ هذه الموافقة. وبالتالي فإنّ هذه الملاحقة تكون قد جرت بصورة غير قانونية عملاً بنصّ المادة 61 من قانون الموظّفين، (محكمة جنايات بيروت القرار: رقم 337 تاريخ 2008/11/20)، وكفّت التعقّبات عن آخرين لذات السبب (محكمة التمييز الجزائية قرار رقم 232 تاريخ 2012/6/28).
وأمّا مدير عام النفط، فلم ينكر حصول واقعة اختلاس الأموال العامة وكافة الأفعال المجرّمة، ولكنّه تحلّل من المسؤولية من خلال نسبة هذه الأفعال إلى الوزير وإلى موظّفي منشآت النفط، حيث قضت الهيئة الاتهامية في بيروت بمنع المحاكمة عنه بموجب قرارها الصادر بتاريخ 2000/7/6 والذي تضمّن أنّ المدير العام لم يكن له أيّ دور في العقود الرضائية التي كان يجريها الوزير السابق لشراء المشتقّات النفطية، لأنّ الوزير كان يعطي الأوامر شخصياً وعلى مسؤوليته الشخصية لتفريغ البواخر التي كانت مواصفات بضاعتها مخالفة للمواصفات الفنّية، وفي ما يتعلّق بصفقة بيع الرواسب النفطية، فإنّ الوزير هو الذي أعطى أوامره الشفهية لتزوير التقرير الذي على أساسه تمّت الصفقة.
واضحٌ ممّا تقدّم أنّ الجميع قد احتمى بتعليمات الوزير الذي كان ينفرد- أو ينصب له فخّ الإنفراد – في اتخاذ القرارات المباشرة بشأنها دون مراعاة الأصول المقرّرة في القانون العام تحت ذريعة أنّ هذه المنشآت تدار وفق أحكام القانون الخاص. وأنّ الوزير كان يوهم بأنّه محميّ بالمادة 70 من الدستور التي تضع أصولاً معقّدة لملاحقته، وبغياب الرقابة البرلمانية الفاعلة على أدائه، وهو أمرٌ أكّده رئيس مجلس النوّاب في جلسة 21 نيسان 2020 بقوله إنّ النظام الطائفي منع مجلس النوّاب من ممارسة دوره الرقابي.
وفي قضيّة المشتقات النفطية، إنكشف ضعف هذه الرقابة من خلال خطوة أقدمت عليها النيابة العامة التمييزية، إذ بتاريخ 2003/10/23 أودعت النيابة العامة لدى رئاسة مجلس النوّاب صورة طبق الأصل من ملفّ الوزير، يومها لم تقبل هيئة مكتب المجلس النيابي بهذه الخطوة بحجّة أنّ الدستور لم يمنح النيابة العامة التمييزية أيّ دوْرٍ في اتهام الوزراء وقرّرت بتاريخ 2003/11/12 إعادة الملفّ إلى القضاء وابقاءه في وديعته حتّى إذا ما أرادت لجنة التحقيق البرلمانية الاستفادة منه يمكنها أن تطلبه.
وبالفعل، إبتدأت مسيرة الإدعاء من خلال تجميع تواقيع خُمُس النوّاب على عريضة الادعاء، ثمّ عقد مجلس النوّاب جلسة بتاريخ 2003/12/16 وقرّر بنتيجتها تشكيل لجنة التحقيق في القضيّة، وبعد حوالي 20 شهراً وتحديداً بتاريخ 2005/5/7 إنتهت اللجنة من عملها ووضعت تقريرها الذي عُرض على الهيئة العامة لمجلس النوّاب بجلسته المنعقدة بتاريخ 2005/7/18. كان هذا التقرير يتألّف من 20 صفحة، تحتوي تفنيداً للتهم الأربع الموجّهة للوزير وهي: الرواسب النفطية، إستيراد مادة الفيول من شركة واحدة في 43 صفقة من أصل 44 صفقة تمّت بالتراضي دون إجراء مناقصات وفقاً للأصول، وإفراغ حمولة بواخر لا تحمل المواصفات المطلوبة، ممّا يؤدّي في حال ثبوت هذه التهم تكبّد الدولة أموالاً طائلة.
وبالنسبة للقيمة المالية للخسائر اللاحقة بالمال العام، فلقد قدّرتها اللجنة في ملفّ الرواسب النفطية بـ500 ألف دولار، وفي قضيّة استيراد مادة الفيول بنحو 48 مليون دولار، أمّا في قضيّة موافقة الوزير على مسؤوليته الشخصية بإفراغ حمولة 35 باخرة غير مطابقة للمواصفات دون تغريم الشركة المستوردة، فلم تتمكّن من تحديد قيمتها.
كان من المستغرب، أن يتركَّز مجمل التقرير حول البحث في قضيّة الرواسب النفطية، التي لا تتجاوز قيمتها النصف مليون دولار، ثمَّ يقلّل التقرير من أهمّية الإتهامين الآخرين المتعلّقين بقضيّتي استيراد الفيول ومدى مطابقته للمواصفات والتي يفوق ضررهما الأضرار الناتجة عن صفقة الرواسب بأكثر من مئة ضعف على أقلّ تقدير، بحيث لم يحتج الاتهامان الأخيران لأكثر من ثلاث صفحات فقط لكي تتأكّد لجنة التحقيق النيابية من نفي المسؤولية عن الوزير. ثمّ خصص التقرير نحو 14 صفحة لقضيّة الرواسب النفطية، لدرجة توهّم القارئ أنّ قضيّة المشتقات النفطية هي حصراً قضيّة الرواسب النفطية.
وخلصت اللجنة في نهاية تقريرها وبالإجماع إلى أنّ الأفعال المنسوب قيام الوزير السابق بها غير ثابتة الثبوت الكافي، وبالتالي لا يوجد أيّ مبرّر قانوني لاتهامه أو ملاحقته.
وبتاريخ 2005/8/16 وبحضور 94 نائباً، ناقش مجلس النوّاب بصورة سرّية التقرير الذي أعدته لجنة التحقيق في قضيّة الوزير المتهم، وقرّر تبنّي مضمونه ومنع المحاكمة عن الوزير بأغلبية 56 نائباً.
*أستاذ القانون الإداري والدستوري في الجامعة اللبنانية.
"محكمة" – الأربعاء في 2020/5/6
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر، مع وجوب ذكر إسم موقع "محكمة" الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!