حكم القاضي ناديا جدايل بقضيّة التظاهر السلمي والحرّيات قلادة جديدة على جدارية العدالة/علي الموسوي

0 79

كتب علي الموسوي:
أضافت القاضي ناديا جدايل قلادة قانونية جديدة إلى جدارية أحكام الدفاع عن الحرّيات العامة التي صدرت على مرّ السنين عن مختلف محاكم القضاء العدلي بتعدّد درجاتها ومراحلها ووظائفها، والتي يفترض أن تعلّق في صدر ردهة قصر عدل بيروت لما تتضمّنه بشكل واضح لا لبس فيه، من تأكيد على وجوب التقيّد بخميلة الحرّيات المنبثقة من ربوع لبنان والمتداخلة معه حدّ التوحّد، وهي توازي حياة الإنسان، ومن دونها لا طعم لا للحياة ولا للإنسانية.
وبكثير من التروّي والمنطق والقانون المتصالح مع ميزان العدالة الحقّة، وضعت القاضي ناديا جدايل حكمها المميّز في قضيّة متظاهري "لوغراي" الذين خرجوا بما يملكون من حناجر وأجساد وتراكمات من الشعور بالغبن والمهانة، من عباءة الإحباط وألقوها جانباً، رافعين الصوت عالياً في وجه القهر الممارس من سلطة سياسية قاحلة دأبت بكلّ وقاحة وفجور، على ممارسة الفساد من خلال إبقاء البنية التحتية لحياة كريمة للمواطن اللبناني دون المطلوب، فلم تجد بحكم المحاصصة الطائفية والحزبية حلولاً لمشاكل النفايات والإنقطاع المتواصل للتيّار الكهربائي وغلاء المعيشة، وانصبّ اهتمامها على زيادة مدّخراتها النقدية والعينية وتوارث الزعامات والمقاعد النيابية والوزارية وكأنّها صارت حكراً لها وماركة مسجّلة باسم سفاهتها وسفالتها.
ولم يقتصر حكم القاضي جدايل الصادر يوم الإثنين الواقع فيه 30 تشرين الثاني 2020 في 11 صفحة "فولسكاب" و3450 كلمة، على تسطير الكلمات الإنشائية عن حقّ الإنسان بالتمتّع بالحرّيات، وعن حقّ التظاهر السلمي البعيد عن أعمال العنف اللفظي والإستفزازي، بل عملت على محاكاة الكثير من القوانين والمعاهدات والمواثيق والنصوص القانونية لكي تنفذ منها إلى ما يؤكّد قناعتها بوجوب الكفّ عن ملاحقة الإنسان عندما ينتصر للقمة عيشه وتطلّعاته بنيل حياة كريمة ما دامت السلطة السياسية، وبغضّ النظر عمن يعتليها ويتأبّطها، مستشرسة في الدفاع عن مكتسباتها في تعميم الفساد حتّى ولو فقد الوطن، وهو هنا اسمه لبنان، كلّ أركان القدرة على الصمود والوجود.
ومهّدت القاضي ناديا جدايل لبحثها القانوني في متن حكمها، بتأكيد العقيدة الثابتة بأنّ القاضي إبن هذا المجتمع والوطن ولا يعيش في برج عاجي بعيداً عن الهموم والشؤون والشجون التي يتشاركها مع أخيه المواطن وإنْ اختلفت الوظيفة الإجتماعية لكلّ واحد منهم، لأنّ ما يجمعهم هو أكبر بكثير من القدرات الذاتية والشخصية والفردية المتاحة، فتردّي الأوضاع المعيشية والإقتصادية في الإجمال، والإرتفاع الجنوني لأسعار السلع الإستهلاكية وتآكل القدرة الشرائية للراتب الشهري، وانتشار الفساد وعدم الرغبة في تنفيذ ورشة إصلاحات تؤمّن حدّاً أدنى من الوجود الإنساني، عوامل يعانيها الجميع ويدفعون ثمنها باهظاً من الكرامة والحياة، والعيش، بكلّ بساطة وصراحة، من دون كرامة، يحطّ من القيمة الوجودية للإنسان ويحيله إلى دمية جسدية تتنفّس بصعوبة، وموتها في هذه الحال أفضل من معيشة الإذلال.
وهكذا لم تفقد جدايل بوصلة التركيز على أنّها تستمدّ عدالتها من ضميرها الحيّ لتقف إلى جانب شريكها على هذه الأرض باختلاف مندرجات وعورتها حيناً وسهولتها حيناً آخر.
وإنْ بقيت أفعال المدعى عليهم ضمن إطار "التجمّع العفوي" و"الحضور الطوعي" إلى مكان التظاهر في ساحة رياض الصلح في بيروت، والإبتعاد عن تكريس الشغب والفوضى كلغة خطاب وتعبير، وهزّ "الأسلاك الشائكة" قبل السعي إلى انتزاعها لمواجهة العنف الممارس من القوى الأمنية التي تعاني بدورها من شظف العيش وقهر السلطة، إلاّ أنّ جدايل حملت صليب القول لتنزع عن هذه الأفعال وقوعها في دائرة المادة 346 من قانون العقوبات التي باتت تحتاج إلى تعديل قانوني منطقي كونها تعتبر "كلّ حشد أو موكب على الطرق العامة أو في مكان مباح للجمهور" تجمّعاً للشغب، لأنّه قياساً على منطق من شرّع هذه المادة تشهد كلّ المناطق اللبنانية وبمعدّل يومي حشوداً وتجمّعات رافضة لسياسة الإستهتار، فهل يساق المشاركون فيها إلى السجون لمجرّد العصيان على فساد الحاكم، أو لمجرّد التزامهم التعبير المنطقي في إطلاق الكلام المسؤول؟ أوليس تحسّس معاناة الوطن برمّته نوعاً من التوعية الطامحة إلى التحسين والإصلاح؟
ولا شكّ أنّ بعض التجمّعات والتظاهرات الخارجة طلباً للإصلاح قد تشهد مشادات كلامية واستفزازات من طرفيها أيّ الجمهور والقوى الأمنية المولجة بحماية المباني والمقرّات السياسية والإدارية الرسمية، إلاّ أنّ هذا الأمر لا يعني وجوب التعامل معها بعنف جسدي يلامس حدّ إزهاق الروح، كما أنّه لا يستدعي من الجمهور أن يصبّ جام غضبه على العنصر الأمني وينتقم منه وصولاً إلى درجة الإعتداء والإيذاء الجسدي، وكأنّه ممثّل للسلطة السياسية الفاسدة، مع أنّ الجمهور والعناصر الأمنية شريكان في وحدة المسار والمصير في الأزمات المعيشية.
إنّ فساد الحكّام في لبنان على مرّ العهود والسنوات وقد فاق كلّ متوقّع، لا يحتاج إلى المناداة بالحلول السلمية في التغيير الديموقراطي، بل إلى استئصال جذري للمنطق الطائفي المستعر يعيد الهيبة والعزّة إلى الإنسانية الحقّة، إذ متى فسد الحاكم قلّت هيبة الوطن.
ودافعت جدايل عن حكمها وعن الأحكام المماثلة المتعلّقة بحرّية القول والفعل السلميين، ضمن سطوره، بتشديدها على أنّ "الحقّ في المشاركة ضمن تجمّعات شعبية في سبيل إبداء الرأي بصورة جماعية من أداء السلطة السياسية، الذي هو وجه من وجوه حرّية التعبير والحرّية بالتجمّع، هو حقّ معترف به في القانون الوضعي اللبناني، ويستوجب بالتالي ضمانته وحمايته سواء من قبل القضاء اللبناني أو من كافة الأجهزة المكلّفة بحفظ الأمن والنظام"، ذلك أنّ انتصار القضاء لهذه الحرّيات يتماشى مع مفهوم العدالة الحقيقية.
وخلصت جدايل إلى حكمها في القضيّة التي عرفت بتظاهرة "لو غراي" نسبة إلى الفندق الواقع في شارع ساحة الشهداء في وسط بيروت وصولاً إلى ساحة النجمة حيث مقرّ المجلس النيابي، إلى إبطال التعقّبات المساقة في حقّ المدعى عليهم جميعاً في ظلّ انتفاء النيّة الجرمية بإحداث تخريب وإلحاق ضرر بالممتلكات العامة والخاصة وعدم حيازة أدوات حادة.
ولأنّ حكم القاضي ناديا جدايل قلادة على صدر العدلية، فإنّ "محكمة" تنشره كاملاً وحرفياً مع الإبقاء على أسماء الأشخاص الواردة فيه الذين جاهروا بالحقيقة المرّة وانتفضوا بوجه سلطة سياسية متمرّسة في الإذلال طلباً لتحسين الوضع الإجتماعي والإقتصادي والمعيشي لجميع اللبنانيين بتعدّد طوائفهم واختلاف مستوياتهم الفكرية والمجتمعية وأنماط حياتهم:
باسم الشعب اللبناني
إنّ القاضي المنفرد الجزائي في بيروت،
لدى التدقيق،
تبيّن أنّه بناء على ادعاء جانب النيابة العامة الإستئنافية في بيروت برقم 2017/9984 تاريخ 2017/5/16 أحيل أمام هذه المحكمة المدعى عليهم:
1- رامي محمّد محفوظ، والدته نبيهة، مواليد 1999، مكتوم القيد،
أوقف بموجب إشارة مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بتاريخ 2015/10/9، أوقف وجاهياً من قبل قاضي التحقيق العسكري بتاريخ 2015/10/13، وأخلي سبيله بتاريخ 2015/10/16،
2- بيار كليم الحشاش، والدته سهام، مواليد 1971، سجل رقم 21/ القطارة،
أوقف بموجب إشارة مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بتاريخ 2015/10/9، أوقف وجاهياً من قبل قاضي التحقيق العسكري بتاريخ 2015/10/13 وأخلي سبيله بتاريخ 2015/10/19،
3- فايز غازي ياسين، والدته ليلى، مواليد 1994، سجل رقم 29/دبين،
أوقف بموجب إشارة مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بتاريخ 2015/10/9، أوقف وجاهياً بتاريخ 2015/10/13 وأخلي سبيله بتاريخ 2015/10/16،
4- حسين فؤاد ابراهيم، والدته سمر، مواليد 1991، سجل رقم 137/عيناتا،
أوقف بموجب إشارة مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بتاريخ 2015/10/9، وأوقف وجاهياً بتاريخ 2015/10/13 وأخلي سبيله بتاريخ 2015/10/16،
5- وارف نصر سليمان، والدته شهيرة، مواليد 1988، سجل رقم 339/بدنايل،
أوقف بموجب إشارة مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بتاريخ 2015/10/9، وأوقف وجاهياً بتاريخ 2015/10/13 وأخلي سبيله بتاريخ 2015/10/19،
6- يوسف منير جردي، والدته وجدان، مواليد 1999، لبناني،
7- علاء حسين فقيه، والدته رندة، مواليد 1994، سجل رقم 212/عيترون،
8- زين محمّد ناصر الدين، والدته سهيلة، مواليد 1982، سجل رقم 33/الكواخ،
9- حسام أحمد نحولي، والدته منيرة، مواليد 1990، لبناني،
10- محمّد وليد الترك، والدته مرفت، مواليد 1995، سجل رقم 1619/المصيطبة،
11- – محمود حسين موسى، والدته زينب، مواليد 1992، سجل رقم 1422/الباشورة،
12- خضر محمود أبو حمدة، والدته أميرة، مواليد 1987، سجل رقم 60/كفرملكي،
13- سينتيا عدنان سليمان، والدتها نوال، مواليد 1989، سجل رقم 25/عين إبل،
14- ليال فواز السبلاني، والدتها نهاد، مواليد 1996، سجل رقم 33/فلاوي،
15- ضياء عيسى هوشر، والدته ثريا،مواليد 1983، سجل رقم 3/عديل عكار،
ليحاكموا أمامها بموجب المادتين /346/ و/733/ من قانون العقوبات معطوفتين بالنسبة لرامي محفوظ على المادة 6 من القانون رقم 2002/422 منسوباً إليهم إقدامهم وبتاريخ 2015/10/8 على التظاهر في ساحة رياض الصلح وتشكيل تجمّعات شغب وإحداث تخريب بالمنشآت العامة؛
وبنتيجة المحاكمة العلنية؛
بناءً عليه،
أوّلاً – في الوقائع:
تبيّن أنّه بتاريخ 2015/10/8 وعلى خلفية أزمة النفايات، وامتعاض الكثيرين من أداء السلطة الحاكمة، توجّه عدد كبير من اللبنانيين إلى ساحة رياض الصلح للتظاهر والمطالبة بالإصلاحات اللازمة لتأمين بديهيات الحياة الكريمة،
وبفعل الحماس الزائد لدى بعض الشبّان، حاول البعض منهم الوصول إلى مقرّي رئاسة الحكومة ومجلس النوّاب لإيصال الصوت، فجوبهوا بمقاومة رجال الأمن الذين كانوا يقومون بالحراسة، كما حاولوا تجاوز الأسلاك الشائكة والعوائق الحديدية التي تحيط بالمكان، وأدّى ذلك إلى جملة توقيفات لعدد كبير من الشبّان، حصلت بموجب إشارات من مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية حينها، وكان من بين الموقوفين المدعى عليهم في الدعوى الراهنة،
وقد أفاد حينها المدعى عليه بيار الحشّاش خلال التحقيق معه من قبل عناصر فصيلة المصيطبة أنّه تواجد ضمن التظاهرة ضدّ المجلس النيابي وكانت التظاهرة سلمية ولم يحصل تضارب، إنّما الذي حصل كان من قبيل التدافع ونزع الأسلاك الشائكة بغية الدخول إلى ساحة النجمة،
كما أفادت المدعى عليها سينتيا سليمان، وهي تعمل كمرشدة إجتماعية، أنّها كانت تقف ضمن التظاهرة عند توقيفها إلاّ أنّها لم تكن تقوم بأيّ أعمال شغب، كما أنّها لم تقترب من السياج الفاصل إطلاقاً،
وصرّح المدعى عليه فايز ياسين خلال التحقيقات الأوّلية أنّه كان يشارك في التظاهرة في ساحة الشهداء بصورة سلمية، وأنّه لم يقم بشيء مخلّ بالأمن، ولم يقترب من السياج الشائك،
أمّا المدعى عليه حسين ابراهيم، والذي يعمل كمصوّر أشعّة، فصرّح أنّه كان يشارك في التظاهرة إلاّ أنّه لم يقترب من الأسلاك الشائكة ولم يقم بأعمال شغب،
وقد أبدى المدعى عليه وارف سليمان أنّه مهندس معماري، وقد شارك في التظاهرة حيث أقدم على نزع الشريط التي كانت تضعه القوى الأمنية كفاصل بين المواطنين وساحة النجمة، وأنّ غايته من ذلك هو التمكّن من ولوج ساحة النجمة للتظاهر السلمي هناك، ناكراً إقدامه على أيّة أعمال شغب،
وفي ما يتعلّق بالمدعى عليها ليال السبلاني وهي طالبة حقوق، فقد أدلت بأنّها شاركت في التظاهرة بشكل سلمي ولم تقم بأيّ أعمال شغب ولم تقترب من السلك الشائك مطلقاً،
أمّا المدعى عليه خضر أبو حمده، فقد أفاد بأنّه يعمل في خدمة توزيع الإنترنت، وقد حضر إلى ساحة الشهداء قرب مبنى جريدة النهار حيث شارك في الإعتصام والحراك المدني السلمي، وقد حاول مع فريق من الشبّان أن يكونوا بشكل حاجز بشري فاصل بين المتظاهرين وقوى الأمن تفادياً للإحتكاك،
وقد استمع عناصر فصيلة المصيطبة إلى بعض الأشخاص الذين أوقفوا خلال التظاهرة ومنهم المدعى عليهما التالي اسميهما:
– فقد أفاد المدعى عليه محمّد الترك بأنّه لم يكن يشارك في التظاهرة، بل كان يشاهدها حيث تمّ توقيفه في الشارع الثاني لجهة جامع الأمين،
– كما أنكر المدعى عليه محمود موسى مشاركته في التظاهرة،
وقد ورد اتصال إلى فصيلة الجميزة من مستشفى الوردية عن تعرّض المدعى عليه حسام النحولي لضربة من قطعة حديد، فانتقل عناصر الفصيلة المذكورة إلى المستشفى حيث أفاد أنّه نزل إلى التظاهرة للمطالبة بحلّ أزمة النفايات والكهرباء، وأنّه تعرّض إلى الإصابة لدى تفاديه رشّ المياه من قبل القوى الأمنية،
كما قامت دورية من مكتب معلومات بيروت بتوقيف المدعى عليه القاصر رامي محفوظ لمشاركته بالتظاهرة وإقدامه على أعمال الشغب ومعاملة القوى الأمنية بالشدّة، وقد تمّ سماع إفادته بحضور مندوب الأحداث، فأفاد أنّه قد حاول نزع الأسلاك الشائكة والعوائق الحديدة التي كانت تحيط بساحة النجمة،
وأنّه بتاريخ 2015/10/10 أحال مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بموجب ورقة طلب أمام قاضي التحقيق العسكري المدعى عليهم المذكورين أعلاه وغيرهم فصدر بتاريخ 2015/11/11 القرار الظني رقم 2015/144 الذي أوجب محاكمتهم أمام المحكمة العسكرية الدائمة،
وتبيّن خلال المحاكمة أمام المحكمة العسكرية الدائمة أنّه قد ورد إحالة من مفرزة بعبدا القضائية تاريخ 2016/10/17 مرفق بها صورة مصدّقة عن وثيقة وفاة باسم المدعى عليه يوسف جردي،
وتبيّن أنّه بتاريخ 2017/3/20 أصدرت المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت قراراً في إطار البتّ بالدفوع الشكلية بقبول الدفع بعدم الإختصاص الذي قدّمه المدعى عليهم بيار الحشّاش ووارف سليمان وعلاء فقيه ومحمود موسى وسينتيا سليمان وليال سبليني وحسام نحولي وزين ناصر الدين وضياء هوشر واعتبار المحكمة العسكرية صالحة للنظر بجرم المادة 381 عقوبات المسندة إلى المدعى عليهما حشّاش وسليمان سنداً للبند السادس من المادة 24 من قانون القضاء العسكري وإعلان عدم اختصاصها للنظر بجنحة المادة 733 عقوبات المنسوبة إليهما وبجنحتي المادتين 346 و348 عقوبات المنسوبتين إلى جميع المدعى عليهم المذكورين أعلاه سنداً للمادة 28 من قانون القضاء العسكري وإحالة نسخة عن الملفّ إلى النيابة العامة العسكرية لإيداعه المرجع المختص،
كما أصدرت المحكمة العسكرية أيضاً قراراً بقبول الدفع بعدم الإختصاص الذي قدّمه المدعى عليهما خضر أبو حمدة وحسين إبراهيم واعتبار المحكمة العسكرية صالحة للنظر بجرم المادة 381 المسند إلى المدعى عليه ابراهيم وإعلان عدم اختصاصها للنظر بجنحة المادة 733 عقوبات المنسوبة إليه وبجنحتي المادتين 346 و348 عقوبات المنسوبتين إليه وإلى المدعى عليه أبو حمدة سنداً للمادة 28 من قانون القضاء العسكري وإحالة نسخة عن الملفّ إلى النيابة العامة العسكرية لإيداعه المرجع المختص،
وأنّه بتاريخ 2017/4/13 أحال حضرة مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية نسخة عن كامل الملفّ إلى حضرة النائب العام الإستئنافي في بيروت الذي ادعى أمام هذه المحكمة بوجه المدعى عليهم المذكورين أعلاه وفقاً لنصّ المادتين 346 عقوبات و733 عقوبات،
وتبيّن أنّه في الجلسة المنعقدة بتاريخ 2020/9/29 صرّح المدعى عليه حسين ابراهيم أنّه كان قد نزل إلى التظاهرة بصورة عفوية ودون أيّ تخطيط مسبق وأنّ ما دفعه إلى ذلك هو غضب داخلي شعر به نتيجة لتدهور الأحوال السياسية والإجتماعية في البلاد، وأنّه بنتيجة حماسه الشديد حاول نزع السياج الشائك الذي كان يحدّ حينها ساحة النجمة، وأنّه لم يكن بحوزته أيّ آلة حادة لنزع الأسلاك الشائكة والتخريب، وأنّه لم يتمّ إنذاره بوقف الأعمال الإحتجاجية قبل توقيفه إلاّ أنّ المتظاهرين جوبهوا بالأعمال العنفية من قبل القوى الأمنية الموجودة في المحلّة،
ولدى استجواب المحكمة للمدعى عليه رامي محفوظ بحضور مندوبة الأحداث السيّدة نسرين فرحات، أفاد هذا الأخير أنّه بتاريخ التظاهرة كان يبلغ من العمر /16/عاماً وأنّه توجّه إلى ساحة رياض الصلح بصورة طوعية وذلك كردّة فعل منه على الواقع الإجتماعي والسياسي، وأنّه لم يكن يعرف المدعى عليهم بصورة مسبقة، وأنّه شارك في محاولة نزع الأسلاك الشائكة كردّة فعل على الأعمال العنفية التي مورست على المتظاهرين من قبل القوى الأمنية،
ولدى استجواب المدعى عليه حسام نحولي صرّح هذا الأخير أنّه يحوز شهادة هندسة ديكور إلاّ أنّه يعمل الآن كمستثمر لفرن ومطعم وجبات سريعة، وأنّه كان قد نزل إلى التظاهرة بصورة عفوية ودون أيّ اتفاق مسبق مع باقي المدعى عليهم، كردّة فعل على تردّي الأوضاع المعيشية وأزمة النفايات، وأنّه قد أوقف داخل المستشفى التي أدخل إليها بسبب تعرّضه للأضرار في رأسه بنتيجة أعمال مكافحة الجهات الأمنية التي كانت موجودة في الساحة، وأضاف أنّه لم يحاول مطلقاً نزع الأسلاك الشائكة،
ولدى استجواب المدعى عليه محمّد الترك أفاد أنّه نزل طوعاً إلى ساحة رياض الصلح ولم يقم بأيّ عمل تخريبي سواء بالأملاك الخاصة أم العامة،
أمّا المدعى عليه محمود موسى فقد أكّد على عدم مشاركته في التظاهرة وأنّه أوقف عند الساعة11:30 ليلاً حيث كان قد خرج لتوّه من مكان عمله في أحد ملاهي منطقة الجمّيزة،
وقد أفاد أيضاً المدعى عليه خضر أبو حمدة أنّه نزل إلى التظاهرة دون أيّ اتفاق مسبق مع المدعى عليهم الآخرين وأنّه قام فقط بهزّ الأسلاك الشائكة دون نزعها، ولم يكن بحوزته أيّ أدوات قاطعة،
ولدى استجواب المدعى عليها ليال السبلاني أكّدت بدورها عن مبادرتها بصورة طوعية إلى المشاركة في الإعتصام وأنّ تواجد المتظاهرين أمام الأسلاك الشائكة كانت له دلالة رمزية وهي الإقتراب من مجلس النوّاب لإيصال الصوت، والمطالبة بالحقوق الإجتماعية والوطنية والسياسية، وأنّها لم تكن تحوز على أيّ أدوات حادة أو أسلحة، وكانت تنوي فقط إيصال صوتها بطريقة حضارية،
كذلك صرّح المدعى عليهما فايز ياسين وضياء هوشر أنّ نزولهما إلى الساحة كان طوعاً ولم يقوما بأيّ أعمال تخريبية،
وخلال الجلسة، طلب كلّ المدعى عليهم الحاضرين إعلان براءتهم، في حين ترافعت الأستاذة سامنتا الحجّار وكيلة المدعى عليهما رامي محفوظ وفايز ياسين طالبة إبطال التعقّبات بحقّ موكّليها وإلاّ إعلان براءتهما وإلاّ منحهما الأسباب التخفيفية، وترافع المحامي الشريف السليمان بوكالته عن المدعى عليه وارف سليمان مبدياً أنّ المطلوب ليس إعلان براءة المدعى عليهم فحسب، بل إصدار حكم يكون درعاً بوجه المنظومة الفاسدة التي تحكم هذا الوطن، كما ترافع المحامي مازن حطيط بوكالته بالتكليف عن المدعى عليهم حسين ابراهيم وعلاء فقيه وحسام نحولي ومحمّد الترك وخضر أبو حمدة وليال السبلاني وسينتيا سليمان وضياء هوشر متبنّياً مرافعة الأستاذ سليمان مضيفاً أنّ أحد المطالب الرئيسية لتجمّعات الشباب هي استقلال السلطة القضائية لتوفير الحماية اللازمة للحرّيات وخاصة حرّيّة إبداء الرأي، طالباً بالنتيجة إبطال التعقّبات بحقّ المدعى عليهم لعدم توافر العناصر الجرمية لا سيّما القصد الجرمي (القصد الخاص) وإلاّ إعلان براءتهم، وطلبت الأستاذة غيدا فرنجية (الحاضرة بالتكليف أيضاً عن المدعى عليهم المذكورين أخيراً) إصدار حكم يكون رسالة لمكافحة عشوائية التوقيفات بعد أن أبدت أنّ الوصول أمام هذه المحكمة لم يكن على سبيل الصدفة وأبرزت مذكّرة خطّيّة بمثابة مرافعة شفهية موقّعة منها ومن المحامين مازن حطيط والشريف سليمان وفاروق المغربي، أبديَ فيها بما خلاصته:
– أنّ هذه القضيّة تعرض أمام هذه المحكمة بعد رحلة طويلة للمدعى عليهم دفاعاً عن حقّهم بالقاضي الطبيعي حيث رفضوا أن تتمّ محاكمتهم من قبل القضاء العسكري،
– أنّه يقتضي كفّ التعقّبات بحقّ جميع المدعى عليهم بالجنحة المنصوص عنها في المادة 346 عقوبات لكون الأفعال المدعى بها تأتي في إطار ممارسة حقّ التظاهر السلمي المكفول بموجب الدستور والإتفاقيات الدولية، علماً أنّ المادة 346 عقوبات مخالفة للمادة 13 من الدستور اللبناني وللإتفاقات الدولية،
– أنّ عدم إطلاق الإنذار بحقّ المتظاهرين سنداً للمادة 347 عقوبات يجعل الأفعال المدعى بها على فرض صحّتها غير معاقب عليها في القانون،
– أنّ أفعال المدعى عليهم كانت بهدف ممارسة حقوق أساسية محمية في الدستور وهي ممارسة حقّ التظاهر في ساحة مجلس النوّاب، ممارسة الحقّ السياسي بمحاسبة النوّاب، وممارسة الحقّ بدفع التعرّض على صحّة المواطنين والبيئة السليمة نتيجة تقاعس السلطة عن معالجة أزمة النفايات، الأمر الذي يقتضي معه إبطال التعقبات بحقّ المدعى عليهم سنداً للمادة 183 عقوبات،
– أنّه يقتضي إبطال التعقّبات المساقة بحقّ المدعى عليهم لانتفاء النيّة الجرمية،
وقد أعلنت المحكمة بعد ذلك اختتام المحاكمة أصولاً،
ثانياً- في الأدلّة:
حيث إنّ هذه الوقائع قد تأيّدت بالإدعاء العام، بالتحقيقات الأوّلية، بالنسخ المرفقة في الملفّ المتعلّقة بالمحاكمة أمام القضاء العسكري، بأقوال المدعى عليهم، وبمجمل التحقيق؛
ثالثاً- في القانون:
أوّلاً- لجهة مفاعيل وفاة المدعى عليه يوسف منير جردي:
حيث تبيّن خلال المحاكمة أمام المحكمة العسكرية الدائمة أنّه قد ورد إحالة من مفرزة بعبدا القضائية تاريخ 2016/10/17 مرفق بها صورة مصدّقة عن وثيقة وفاة باسم المدعى عليه يوسف جردي،
وحيث إنّه تبعاً لذلك، وسنداً للمادة /10/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية يقتضي إسقاط دعوى الحقّ العام بحقّ المدعى عليه المذكور،
ثانياً- لجهة موضوع الإدعاء:
حيث إنّه نسب إلى المدعى عليهم جميعاً اشتراكهم بتجمّعات شغب وتخريب ممتلكات الغير لدى تجمّعهم في ساحة رياض الصلح بتاريخ 2015/10/8، أيّ الجنحتين المنصوص عليهما في المادتين /346/ و/733/ عقوبات،
وحيث إنّه يقتضي التحقّق من مدى توافر الجرمين المدعى بهما في ظلّ الوقائع المعروضة أعلاه، مع ما يقتضيه الأمر من الوقوف على دور القضاء العدلي وخاصة القضاء الجزائي في مجال الحرّيات العامة وممارسة الأفراد لها في المجتمع اللبناني،
وحيث إنّه يقتضي التوقّف بادئ ذي بدء، على مسألة مبدئية هامة وهي أنّ القاضي يصدر أحكامه "باسم الشعب اللبناني" ، فالقاضي ليس ملكاً متربّعاً على عرشه، بعيداً عن رعيّته، يقطن برجاً مشيّداً، إنّما هو الناطق بلسان كلّ فرد من المجتمع (يعيش الألم نفسه، يتنشّق رائحة النفايات نفسها، يتحمّل الأعباء والأزمات الإقتصادية نفسها) ليصدر قرارات مستمدّة من سيادة الشعب، كي يكون الشعب حَكماً، هذا الشعب الذي ضاق ذرعاً من تسلسل الأزمات التي عصفت بلبنان ولا تزال، والتي، وبمعزل عن الكلام عن مسبّبيها، حرمت المواطن اللبناني من أدنى مقوّمات الحياة الكريمة خاصة على الصعيدين الصحّي والبيئي، كما هي الحال في ملفّ الدعوى الراهنة، حيث كان الدافع الرئيسي للتظاهر المشكو منه، أزمة النفايات الحاصلة حينها،
وحيث في هذا الإطار، يقتضي الوقوف على مسألة تظاهر المدعى عليهم في ساحة رياض الصلح وما إذا كان تجمّعهم هذا قد شكّل بأيّ من الأشكال الجرم الجزائي المنصوص عنه في المادة / 346 / عقوبات،
وحيث إنّ المادة /183/ من قانون العقوبات تنصّ على أنّه "لا يعدّ جريمة الفعل المرتكب في ممارسة حقّ بغير تجاوز"،
وحيث يتحتّم على هذه المحكمة مناقشة ما إذا كان التظاهر يشكّل حقّاً مشروعاً، وما إذا كان تكريسه يتعارض مع نصّ المادة /346/عقوبات، علماً أنّ التظاهر يعدّ وجهاً من وجوه ممارسة حرّيّة التعبير،
وحيث إنّ لحرّيّة التعبير مكانة بارزة في المجتمعات الديمقراطيّة، إذ تعتبر إحدى الركائز الأساسية لتقدّم وتطوّر النظام الديمقراطي ويقتضي ضمان تمتّع الأفراد بها لتشجيعهم على المشاركة في الأمور المتعلّقة بمصالح المجتمع،
وحيث إنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كرّس مفهوم حرّيّة الرأي والتعبير بأنّها تشمل الحرّيّة في اعتناق الآراء بدون مضايقة وتعتبر حقّاً لصيقاً بالإنسان، وأضافت المادة /20/منه أنّه:"لكلّ شخص الحقّ في حرّيّة التجمّع السلمي والإجتماع"
"Toute personne a droit à la liberté de réunion et d'association pacifiques."
وأضافت المادة /21/ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) التي انضمّ إليها لبنان بموجب القانون المنفّذ بالمرسوم رقم 3855 تاريخ 1972/9/1، أنّه "يجب الإعتراف بالحقّ في التجمّع السلمي، ولا يجوز أن توضع قيود على ممارسة هذا الحقّ إلاّ تلك القيود التي تفرض طبقاً للقانون والتي تكون ضرورية في مجتمع ديمقراطي لصالح الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحّة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرّيّاتهم"،
وحيث إنّ الميثاق العربي لحقوق الإنسان (المعتمد من قبل القمّة العربية السادسة عشرة التي استضافتها تونس في 23 أيّار 2004) الذي وقّعه لبنان في العام 2006 قد كرّس أيضاً في البند 6 من المادة 24 منه "حرّيّة الإجتماع وحرّيّة التجمّع بصورة سلميّة"،
وحيث إنّ البند "ب" من مقدّمة الدستور اللبناني نصّ على أنّ لبنان هو عضو مؤسّس وعامل في منظّمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء، كما كرست المادة 13 من الدستور حرّية إبداء الرأي وحرّيّة الإجتماع،
وحيث إنّ اجتهاد المجلس الدستوري دأب على اعتبار أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والإتفاقات الدولية المتمّمة له هي جزء لا يتجزأ من الدستور، ما يعني أنّها أصبحت ضمن الكتلة الدستورية،
وحيث إنّه في ظلّ ما تقدّم، يمكن الإستنتاج أنّ حرّيّة التعبير وحريّة التجمّع أصبحا بذلك من الحقوق والحرّيات الأساسية Droits et libertés fondamentaux المحميّة بقاعدة قانونية عليا ويقتضي تكريسها بوسائل قضائية ناجعة، علماً أنّ ضمان الحريّات الأساسية يتناسب مع دولة الحقّ Etat de droit التي يتحتّم على القضاء وجميع الأجهزة إرساءها،
وحيث يكون بذلك لبنان ملزماً دولياً وعربياً وداخلياً بتكريس وحماية حرّيّة التعبير عموماً والحقّ في التجمّع السلمي خاصةً، ويتوجّب على القضاء العدلي لا سيّما القضاء الجزائي حماية هذا الحقّ لجعله قابلاً للممارسة فعلياً، كي لا يبقى حقّاً نظرياً قاصراً عن تحقيق الغاية التي تمّ تكريسه من أجلها، علماً أنّه يتحتّم عليه سنداً للمادة 2 من قانون أصول المحاكمات المدنية تكريس مبدأ سمو الإتفاقية الدولية على القانون العادي إستناداً لمبدأ تسلسل القواعد،
وحيث إنّه يمكن القول إذاً، إنّ الحقّ في المشاركة ضمن تجمّعات شعبية في سبيل إبداء الرأي بصورة جماعية من أداء السلطة السياسية، الذي هو وجه من وجوه حرّية التعبير والحرّية بالتجمّع، – بل هو واجب كلّ مواطن صالح يسعى إلى وجوب تكريس مبدأ محاسبة المسؤولين عن أعمالهم في الدول الديمقراطية- هو حقّ معترف به في القانون الوضعي اللبناني، ويستوجب بالتالي ضمانته وحمايته سواء من قبل القضاء اللبناني أو من كافة الأجهزة المكلّفة بحفظ الأمن والنظام،
وحيث إنّه وعلى سبيل الإستفاضة، يقتضي التنويه بأنّ الإجتهاد الفرنسي قد كرّس مبدأ حريّة التظاهر وذهب أبعد من ذلك إلى حدّ اعتبار التوقيفات من قبل رجال الشرطة مخالفة للقانون إذا كان في الإستطاع سلوك وسائل أخرى أقلّ تعدّياً على حرّيّة التظاهر:

Le juge administratif censure l'existence d'une disproportion entre l'intensité de la menace et l'étendue de la restriction. Il déclare l'arrête de police illégal si d'autres mesures moins attentatoires à la liberté de manifestation apparaissent envisageables pour parvenir au résultat recherché (CE, ord., 26 juillet 2014, Pojolat n.38091; RFDA 2015, p.499 note T. Guilly)

وحيث تأسيساً على ما تقدّم، فإنّ تكريس مبدأ الحقّ بالتظاهر، يفرض على السلطات جميعها ضمانة حسن ممارسته، والتعاطي مع ممارسي هذا الحقّ، لا كدولة بوليسية بل بصورة حضارية، كدولة قانون، طالما أنّ المتظاهرين ملتزمون بسلمية التجمّع دون تجاوز، ضماناً لأمنهم الشخصي وأمن الأشخاص المولجين بضبط التحرّك على الأرض،
وحيث في سياق هذا التعليل، وبعد أن اعتبرنا أنّ الحقّ بالتظاهر هو حقّ مشروع ولا تشكّل ممارسته جرماً جزائياً، يقتضي التحقّق ممّا إذا كان نصّ المادة /346 / عقوبات يلغي هذا الحقّ أم يحدّ منه،
وحيث إنّ حرّية التجمّع هي المبدأ إلاّ أنّ هذا المبدأ يحتمل التقييد ضمانة لحقوق الآخرين وممتلكاتهم والنظام العام، غير أنّ أيّ تقييد لهذا المبدأ هو استثناء، والإستثناء يفسّر حصراً، ويجب أن تتوافر فيه الشروط التالية:
– أن يكون منصوصاً عليه في القانون،
– أن يكون مشروحاً بوضوح،
– أن يعتبر ضرورياً ضمن المجتمع الديمقراطي،
وحيث تأسيساً على ما تقدّم، يتحتّم على القاضي الناظر في الدعاوى المتعلّقة بالتظاهرات التشدّد في تطبيق معايير التجريم سنداً للمادة / 346/ عقوبات، طالما أنّ المتظاهر عبّر عن رأيه ضمن الحدود السلميّة والأخلاقية وظلّ ضمن الأطر الديمقراطية الراقية، وليس بقصد الشغب (المنصوص عنه صراحة في نصّ المادة 346 عقوبات المذكور) بتخطيط مسبق أو لتعكير الطمأنينة،
وحيث إنّه بالعودة إلى وقائع الملفّ، فإنّه من الجليّ أنّ جميع المدّعى عليهم نزلوا إلى ساحة رياض الصلح بصورة عفوية وطوعية بدون اتفاق وتخطيط مسبق، من كلّ الطوائف ومن مختلف المناطق، ساحة واحدة وتوقيت واحد جمعا مصوّر الأشعّة مع طالبة الحقوق، والمهندس مع القاصر مكتوم القيد، وموزّع الإنترنت مع العاطل عن العمل، والناشطة الإجتماعية مع عامل الفرن؛ عامل مشترك وحيد بينهم أنّهم نموذج مصغّر عن المجتمع اللبناني بمختلف أنماطه، اجتمعوا قرب ساحة النجمة حيث مجلس النوّاب للمطالبة بحقوق أساسية بسيطة كرّسها أيضاً العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية في المادة 25 منه وهي الحقّ في الصحّة وكرامة العيش، في ظلّ أزمة تراكم النفايات التي كانت مستشرية حينها،

"article 25 Charte ONU : Toute personne a droit à un niveau de vie suffisant pour assurer sa santé, son bien-être et ceux de sa famille, notamment pour l'alimentation, l'habillement, le logement, les soins médicaux ainsi que pour les services sociaux nécessaires"

وحيث إنّ المدعى عليهم تجمّعوا وتظاهروا، وصرخوا وهتفوا، ليس بقصد إثارة الشغب وإنّما لإيصال الرسالة والصوت إلى المولجين باتخاذ القرارات، أملاً منهم بتكريس الحدّ الأدنى من حقّهم بالعيش الكريم لهم ولأولادهم، الأمر الذي يندرج ضمن إطار حرّيّة التعبير والحقّ بالتظاهر ويخرج عن إطار التجريم المنصوص عنه في المادة / 346/ عقوبات لانتفاء شروطها وعناصرها لا سيّما العنصر المعنوي، الأمر الذي يقتضي معه إبطال التعقّبات المساقة بحقّ المدعى عليهم بجنحة المادة المذكورة،
وحيث إنّه في ما يتعلّق بجرم التخريب المنسوب إلى المدعى عليهم، والذي تمحور بحسب معطيات الملفّ حول نزع الأسلاك الشائكة المحيطة بساحة النجمة (بحسب القرار الظنّي الصادر عن حضرة قاضي التحقيق العسكري بتاريخ 2015/11/11)، فإنّه من الثابت من خلال معطيات الملفّ أنّ الهدف من وراء محاولة المتظاهرين نزعها كان لولوج ساحة النجمة في سبيل إيصال الصوت إلى السلطة العامة، ولم يكن الهدف إلحاق الضرر بممتلكات الغير لتخريبها وفقاً للمفهوم القانوني المنصوص عنه في المادة /733/ عقوبات، بدليل عدم حيازة أيّ من المدعى عليهم لأدوات قاطعة لدى توقيفه، ما يوجب معه والحالة هذه، وفي ظلّ ثبوت انتفاء النيّة الجرمية أيّ العنصر المعنوي لجريمة التخريب، إبطال التعقّبات المساقة في حقّ المدعى عليهم جميعاً بجرم المادة المذكورة،
وحيث إنّه في ظلّ هذه النتيجة يقتضي ردّ كلّ ما زاد أو خالف،
لذلـــك،
وسنداً للمادتين 10 و 198 أ.م.ج.، يحكم:
أوّلاً: بإسقاط دعوى الحقّ العام بحقّ المدعى عليه يوسف الجردي المبيّنة كامل هويّته أعلاه،
ثانيـاً: بإبطال التعقّبات المساقة بحقّ المدعى عليهم رامي محفوظ، وبيار الحشّاش، وفايز ياسين، وحسين إبراهيم، ووارف سليمان وعلاء فقيه، وزين ناصر الدين، وحسام نحولي، ومحمّد الترك، ومحمود موسى، وخضر أبو حمدة، وسينتيا سليمان، وليال السبلاني، وضياء هوشر المبيّنة كامل هويّاتهم أعلاه بجنحتي المادتين /346/ و/733/ عقوبات،
ثالثاً: بحفظ النفقات كافة وبردّ سائر الأسباب والمطالب الزائدة أو المخالفة؛
حكماً غيابياً بحقّ المدعى عليه بيار الحشّاش وبمثابة الوجاهي بحقّ باقي المدعى عليهم صدر وأفهم علناً في بيروت بتاريخ 2020/11/30
"محكمة" – الخميس في 2020/12/3

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!