ذكريات قاض/نبيل صاري

0 1٬405

القاضي نبيل صاري:
كانت محكمة البترون من أهمّ وأحبّ المحطّات في حياتي القضائية.
وأذكر أنّه في العام ١٩٩٩ في عيد الفطر السعيد زارني في منزلي للتهنئة رجل عجوز وزوجته في أواخر السبعينات من العمر ولا أعرفهما ومعهما كيلو غرام واحد من الحلويات وعرّفا عن نفسيهما بأنّهما من بلاد البترون.
فاستقبلتهما بواجب الضيافة وبما يليق بسنّهما وجرى حديث عن الأوضاع العامة.
وعندما همّا بالمغادرة أصابني خجل من ردّ الهدّية معهما حتّى لا يظنّا بكبر سنّهما أنّني رفضتها لصغرها وعزمت على مبادلتهما بهدّية أكبر لاحقًا وأعطيت الكلغ من الحلويات للناطور.
وبعد أسبوع وأثناء جلوسي على قوس المحكمة للنظر بالدعاوى، فوجئت بوجود العجوز بين الحضور فسألت رئيسة القلم حاليًا الكاتبة آنذاك السيّدة المثالية وفاء ضاهر من هذا العجوز فأجابت أنّ لديه دعوى عندنا اليوم فطلبت منها إطلاعي عليها ووجدت بسرعة أنّها دعوى شيك بدون رصيد بحقّ الزوج ولكنّها ساقطة بمرور الزمن.
وحتّى لا يتوهّم صاحب العلاقة العجوز المدعى عليه أنّني أسقطت الدعوى لمرور الزمن بشفاعة كلغ الحلويات، طلبته وأوعزت للكاتبة أن تكتب عرضي للتنحّي عن الدعوى لأنّ المدعى عليه زارني في منزلي مصطحبًا معه هدية ممّا أشعرني بالحرج ويمنعني من البتّ بالدعوى.
وسجّلت هذه الواقعة على محضر المحاكمة ورفعت الأوراق إلى الرئيس الأوّل آنذاك لقبول التنحّي وإجراء المقتضى القانوني.
ولو أنّ الدعوى لم تكن ساقطة بمرور الزمن لما استشعرت الحرج، ولما تنحّيت ولحكمت الحكم الذي كنت أعتقده عادلًا.
***
في العام ١٩٩٦ كنت مستشارًا في محكمة الجنايات في الشمال برئاسة الصديق الراحل القاضي عادل خوري عندما دخلت سيّدة للشهادة في دعوى معروضة أمامنا.
فطلب منها الرئيس خوري أن تضع يدها على نسخة القرآن الكريم وتقسم أنّها ستقول الحقّ فقط.
والمعروف أنّ القرآن الكريم لا يمسّه إلّا المطهّرون وفي العقيدة الإسلامية أنّ المرأة حين تكون في فترة الحيض لا تمس القرآن الكريم، فأجابت الشاهدة: إنّني أعتذر لأنّني معذورة.
والمعروف باللغة العامية الطرابلسية أنّ عبارة معذورة تعني ما ذكرت أعلاه، ففهمت عليها، ولكنّ الرئيس الراحل خوري، وهو إبن بيروت وسكّان كسروان، لم يستوعب معنى الكلمة فنهرها قائلًا:
يجب أن تحلفي اليمين وهنا الكلّ متساوون ولا عذر لأحد بالتمنّع عن القسم والشهادة، وإلّا سأضطرّ لمحاكمتك.
وإنقاذًا للموقف، همستُ في أذن الرئيس عن كون المرأة في فترة الحيض بناء لكلمة معذورة ولا تستطيع أن تمسّ القرآن الكريم.
وشعرت بالحرج الشديد حين باغتني الرئيس الراحل خوري بالسؤال بصوت مرتفع: وأنت حضرة المستشار صاري كيف عرفت أنّها في فترة الحيض؟!
وغرقت القاعة بالإبتسامات.
"محكمة" – الأربعاء في 2021/6/9
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً على أيّ شخص، طبيعيًا كان أم معنويًا وخصوصًا الإعلامية ودور النشر والمكتبات منها، نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر، مع وجوب ذكر إسم موقع "محكمة" الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، كما يمنع نشر وتبادل أيّ خبر بطريقة الـ"screenshot" ما لم يرفق باسم "محكمة" والإشارة إليها كمصدر، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!