هذا هو القاضي طارق زيادة/نبيل يوسف

0 80

نبيل يوسف:
رحل القاضي طارق زيادة. من حوالى 8 سنوات أو يمكن أكتر شوي كنت يوم داخل على سنترال الميناء وطابور طويل ناطر يدفع الفاتورة.
لفتني شخص بالطابور حسيت وجهه مش غريب عليي وكان أكتر من شخص عم يسلموا عليه، وصودف سلم عليه شخص بعرفوا فأخذته جانباً وسألته:
– على مين سلمت بحس هالشخص بعرفوا؟
– هيدا القاضي طارق زيادة؟
– وواقف بالصفّ؟
تقدّمت منه وسلّمت عليه وطلبت أن يخرج من الطابور ويتفضّل على مكتبي: نحنا منجيب الفاتورة.
رفض بتهذيب: هلق بتفضل لعندك بس ادفع الفاتورة.
بها الوقت كان أمين الصندوق موسى موسى انتبه شو عم يصير فوقف وطلب من القاضي زيادة يطلع من الصفّ ويتفضّل لعندوا.
أيضاً رفض باصرار رغم الحاح موسى وبعض الموجودين:
– إذا بتريد حضرة أمين الصندوق ما بدنا نعرقل ونأخّر الناس ما رح اطلع من الصف.
بعد أن دفع فاتورته كان وصل الزميل بسام خضر آغا فسلّم عليه ودعاه إلى مكتبه: قبل ما توصل عزمني هالشب إذا بدي زور حدا بدي روح لعندوا.
– نحنا ونبيل حال واحد بيطلع معنا لعندي.
كانت تلك الجلسة ولا أروع: أعجب القاضي زيادة بحجم معلوماتي عن الحرب وهو الذي كان محقّقاً عدلياً في قضية اغتيال معروف سعد ورافق كلّ مراحل الحرب ويعرف كم هائل من أسرارها وما سبقها من حوادث.
سألته وقتها: ما بدك تكتب مذكّراتك؟
ردّ باسماً: اذا بدي أكتب ما رح أكذب وأخفي أمور أعرفها واذا كتبت كلّ يللي بعرفوا بتقوم الدني وبتقعد في كتير بتشوفوهم كبار بس أنا بعرفهم على حقيقتهم الأفضل ما أكتب أنا اليوم ضميري مرتاح جداً بنام على مخدّتي بكلّ راحة بال.
في تلك الجلسة أخذنا منه وعداً وبصعوبة ألا يقف بعد اليوم في الطابور، فيتوجّه إلى أيّ مكتب من مكاتبنا ونحن نؤمّن له الفاتورة.
أصبح يتردّد إلينا من وقت الى آخر وكلّ ما ألتقيه أحاول أن أسرق منه بعض المعلومات عن القضايا التي يعرفها لا سيّما جريمة اغتيال معروف سعد.
قللي مرة: بحبّ اتسمع عليك شاغل منيح على المعلومات يللي معك وبحب خبرك لأنك جدي بشغلك
من فترة ليست بالقصيرة ما عدت التقيته وقيل لي أنه أصبح يرسل أحد ما لدفع فواتير الهاتف.
ليس القاضي طارق زيادة الوحيد من الشخصيات المعروفة التي تصر على الوقوف في الصف لدفع فواتيرها فتقريباً جميع القضاة والضباط والمدراء من أبناء جيله يقفون في الصفوف مع المواطنين العاديين وبعضهم تجاوزوا السبعينيات من العمر
في المقابل، يصل سائق زعيم أو خادم في قصر نائب أو مرافق ضابط كبير أو قاضٍ أو مدير عام ويتجاوز العشرات ويصر على دفع فاتورة معلمه أوّلاً.
اليوم قرأت نعوة القاضي طارق زيادة فتملّكني حزن من أن برحيل هكذا شخصيات جزء مهم من تاريخ لبنان الجميل يرحل معهم.
رحمه الله
"محكمة" – الثلاثاء في 2020/11/3

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!