رحيل أحمد صفصوف…رحيل الزمن الجميل…رحيل الحياة/ناضر كسبار

0 125

المحامي ناضر كسبار:
كان ذلك منذ اثنين وعشرين عاماً، عندما شكل معالي النقيب شكيب قرطباوي لجنة الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الانسان في نقابة المحامين في بيروت برئاسة الدكتور عبد السلام شعيب اطال الله في عمره، وكان عدد اعضاء اللجنة ثلاثين محامياً من مختلف الاحزاب والتيارات بالاضافة الى مستقلين. هناك ترسخت العلاقة جيداً مع المحامي احمد صفصوف. فتعرفنا على عمق افكاره، ومنطقه القانوني والواقعي، وشخصيته الجذابة ووطينته وحكمته.
وبعد عشر سنوات انتخبت واياه عضوين في مجلس نقابة المحامين في تشرين الثاني 2006. ثم انتخب داخل المجلس كأمين سر له وكُلفتُ بمحاضرات التدرج. ومنذ ذلك التاريخ اذا لم نلتق يومياً حتى يوم الاحد، فهناك اتصال او عدة اتصالات هاتفية بيننا. فمنذ ذلك التاريخ كنا نلتقي كل يوم احد، في مقهى نجار، ثم في مقهى انجلينا في الوسط ومنذ عدة سنوات في مقهى lily’s في الوسط.
قبل انتخابه عضواً في مجلس النقابة، انتخب عضواً لولايتين في لجنة ادراة صندوق التقاعد، وتولى امانة السر خلالها. وهو خريج كلية الحقوق في جامعة بيروت العربية حيث تخرج منها في السنة ذاتها مع زوجته المحامية عصمت قباني صفصوف. وهو نائب رئيس وامين سر جميعة متخرجي جامعة بيروت العربية سابقاً وعضو الهيئة الاستشارية لجمعية متخرجي المقاصد الخيرية الاسلامية في بيروت.
لقد كان المحامي احمد صفصوف رجل قانون لامعاً. ساعده في ذلك سرعة بديهة وعمق معرفة وثقافة واسعة ونزاهة فكرية، وهو الذي كان يجيد تسويق افكاره بأسلوب حواري متمرس. وتسنى لي حضور عدة مرافعات له في قضايا جزائية. كان ساحراً في وضع المحكمة في جو القضية بأسلوب السهل الممتنع، ولم يتوان احد القضاة عن تهنئته مرة على مرافعة جمعت ما بين التسلسل في عرض الوقائع الى المنطق القانوني السليم وحسن البلاغة. لا يثرثر ولا يطعن في الظهر بل يقول الحقيقة كما هي من دون ان يجرح شعور الاخرين. فهو مؤمن بأن الالتزام قاعدة في العمل، والمحبة وحسن التعامل منهج له والصبر وطول الاناة الطريق للنجاح.
لقد كان المحامي احمد صفصوف جباراً في حياته لم يخف من الموت ولم يرهبه. كان خلال فترة مرضه يتحدى المرض ويقول بأنه سوف يقهره ولن يجعله ينال من عزيمته. ويشهد جميع من التقاه بأن معنوياته كانت دائما مرتفعة. وبقي حتى في فترة مرضه الصعبة يأتي كل يوم احد مع زوجته عصمت وابنته رند الى مقهى Lily’s حيث نمضي ثلاث ساعات من المناقشات والضحك.
إنّه أصيل، أبي، شجاع وهذه الصفات تجد مكانها في الفترة الصعبة التي يمر بها الانسان. فلا يستسلم ولا يخاف بل يواجهها بإيمان وعزيمة وعنفوان وصلابة. وهو يرضخ للعدالة الالهية التي كتبت عليه ان يرحل عن هذه الدنيا تاركا وراءه الزوجة الفاضلة عصمت وبناته الثلاث رانيا وريانا ورند اللواتي انكسر فؤادهن بغياب الحبيب. فالخسارة كبيرة وجسيمة.
عندما اتصلت بي ابنته المحامية رند لتعلمني برحيله، قالت لي انها قبلته قبل ساعتين من وفاته ووشوشته قائلة: رمضان كريم بابا. ولم تكن تعلم انها القبلة الاخيرة والعبارة الاخيرة التي تقولها له. وهل هناك اجمل من ان تودعه بهذه العبارة الجميلة.
اليوم ينطوي زمن جميل وتضم ارض بيروت فلذة كبدها ابنها البار المحامي احمد صفصوف وقد تحولت انهرها من ماء سلسبيل الى انهر من الدموع.
الم يكن الرحابنة على حق حين قالوا:
"أتاري الاحبة عغفلة بيروحوا وما بيعطوا خبر عغفلة بيروحوا"
بهذه الشجاعة، وهذا التسليم لمشيئة الله، وهذا الارتفاع عن الآن، والاستعداد للابد، ترك الدنيا، وكأنه يذكر كلاماً لجان درومسون: Qui veut la vie accepte la mort”"
ايها الحبيب احمد،
اننا نرجو حيث انت ان تلاقي عند ربك ما تمنيت ان تلاقيه على الارض من سلام ومحبة ووئام.
سوف نشتاقك كلما اصبح صبح وامسى مساء، وسوف نتذكرك كلما تكلمنا عن العطاء والشهامة والاباء.
وانت المحامي الالمعي. والمحاماة اخلاق وثقافة وعلم. والمرافعة دفاع عن مظلوم لئلا يُهدرُ حقه. دفاع ثقيف، قوي، منطقي، عادل، ذو رؤيةٍ سليمة، ورؤيا هادفة، نافذة. بها، هذه اللائحة-الدفاع، ينتصر المحامي لصاحب الحق، يعيده اليه، بطمأنينة وراحة ضمير.
وانت الانسان اللبق اللطيف، الخلوق الشفيف، المسالم الراقي، تحترم الآخر ونفسك. تحيا في السلام الذاتي العميق الهانئ، بهذه الخلال كنت المحبوب المفضل من الجميع. فما تذمر واحد منك، ولا ازعِج، ولا اشتكى، او تهرب! احبك الجميع؟ لا عجب! فكنت تحبهم جميعاً. تخلص لهم جميعاً تعمل لاجلهم جميعاً. تدافع عنهم جميعاً. تسأل عنهم جميعاً. غير مميز بين انسانٍ وانسان، ولا بين طائفة وطائفة، ولا بين حزبي وحزبي. اقربهم اليك؟ انفعهم لعيلته ووطنه.
اما على الصعيد الوطني، فكنت الانسان الناضج، الهادىء، الرائي، المحب عيلته الوطن، كما في سبيل عيلتك ووطنك كنت المضحي الباذل، لا تعب ولا تحلل ولا ملل!
ان رحيلك يا احمد هو رحيل الزمن الجميل. زمن البراءة والعطاء والمحبة والالفة والشهامة والعزة وعدم الخنوع. انه رحيل الحياة.
في القلب وفي البال، اخاً عزيزاً، وزميلاً محترماً، وصديقاً مخلصاً… الا فأعبر بسلام…فإنك الآن، حيث يليق بالاخيار الانقياء والاصفياء.
"محكمة" – الاثنين في 2019/5/6

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!