ردّ طلب صحناوي إعفاءه من الشهادة في ملفّ الإتصالات: مستدعى كشاهد وليس كوزير

0 18

كتب علي الموسوي:
كادت مسألة استدعاء وزير الإتصالات الأسبق نقولا صحناوي إلى جلسة سماعه كشاهد لدى قاضي التحقيق في بيروت فادي العنيسي في ملفّ "الإهمال في القيام بالوظيفة، والهدر بالمال العام"، المدعى فيه على المدير العام السابق لهيئة "أوجيرو" الدكتور عبد المنعم يوسف، أن تمرّ بشكل طبيعي واعتيادي كما يحصل عادة مع كلّ السياسيين من رؤساء حكومات ووزراء سابقين يأتون إلى العدلية لتقديم ما في جعبتهم من معلومات ومعطيات يفترض أنّها قد تنير التحقيق.
غير أنّ صحناوي تمنّع في البدء عن المثول أمام العنيسي بصفة شاهد، بداعي أنّ قرار سماعه مخالف لأحكام المادة 70 من الدستور اللبناني، وقدّم بواسطة وكيله القانوني المحامي كريم قبيسي إستدعاء إلى القاضي العنيسي طلب فيه الرجوع عن هذا القرار، علماً أنّه مستدعى كشاهد فقط، وليس كمدعى عليه لكي يتذرّع بهذه المادة الواضحة والتي تتحدّث عن أنّ المجلس النيابي هو صاحب الصلاحية في اتهام رئيس مجلس الوزراء والوزراء عند ارتكابهم الخيانة العظمى، أو الإخلال بالواجبات، وفي حال ثبوت أيّة تهمة تجري المحاكمة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، على غرار ما حدث في العام 2003، مع الرئيس فؤاد السنيورة في قضيّة محرقة برج حمود، ووزير النفط الأسبق شاهي برسوميان في ملفّ بيع الرواسب النفطية.
وما كان أمام القاضي العنيسي إلاّ أن ردّ استدعاء صحناوي مفنّداً مضمونه بلغة قانونية متزنة، ومؤكّداً وجوب مثوله كشاهد، فانقاد وحضر وأدلى بمعلوماته في 30 أيّار 2017، علماً أنّه سبق لرئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي أن أعطى إفادته في هذا الموضوع، وكذلك فعل وزير الإتصالات السابق النائب المحامي بطرس حرب، في جلستين منفصلتين، عقدت الأولى في فترة بعد الظهر في الطابق الثاني من دائرة التحقيق في عدلية بيروت حيث يقع مكتب العنيسي، "لأسباب أمنية".
ولم تعرف الغاية من تردّد صحناوي في وضع معلوماته بتصرّف القضاء وإعطاء إفادة قد تضيء على جوانب مخفية من القضيّة، فسعى إلى التملّص من القيام بدور الشاهد، مع العلم أنّه كان يبدي في وسائل الإعلام إستياءه من وجود الدكتور يوسف في منصبه حيث كان حبل الودّ بينهما مقطوعاً. وفي 30 أيّار 2017 حضر صحناوي إلى مكتب العنيسي وجرى الإستماع إليه كشاهد.
ولأهمّية النقطة القانونية التي أثارها وكيل صحناوي المحامي قبيسي، وتحليل القاضي العنيسي لها إنسجاماً مع القانون، تنشر"محكمة" قرار الأخير حرفياً:
"نحن فادي العنيسي قاضي التحقيق في بيروت،
لدى التدقيق،
وبعد الإطلاع على الاستدعاء المقدّم بتاريخ 16/5/2017 من المقرّر سماعه كشاهد وزير الإتصالات السابق السيّد نقولا صحناوي بواسطة وكيله القانوني المحامي كريم قبيسي، تبيّن أنّ المستدعي يطلب الرجوع عن قرار الإستماع إلى إفادته عملاً بأحكام المادة 70 من الدستور اللبناني،
بناء عليه
حيث إنّه من ناحية أولى تنصّ المادة 70 من الدستور اللبناني على صلاحية مجلس النوّاب لإتهام رئيس مجلس الوزراء، والوزراء، عند ارتكابهم الخيانة العظمى، أو عند الإخلال بالواجبات المترتّبة عليهم، وتحدّد المادة المذكورة شروط الإتهام وإجراءاته وتضيف المادة 71 من الدستور اللبناني أنّ رئيس مجلس الوزراء والوزير المتهم يحاكمان أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء،
وحيث يكون الإدلاء بأحكام المادة 70 من الدستور اللبناني واقعاً في غير محلّه القانوني كون دعوة المُقرّر سماعه الوزير السابق نقولا صحناوي للمثول أمام دائرتنا هي بصفة شاهد فقط للإدلاء بمعلوماته كوزير سابق للإتصالات في قضيّة تتعلّق بهدر المال العام، وليس بصفة مدعى عليه،
وحيث إنّه من ناحية ثانية، فإنّ تذرّع المطلوب سماعه كشاهد، الوزير السابق السيّد نقولا صحناوي بمبدأ فصل السلطات وتحديداً السلطتين التنفيذية والقضائية لطلب عدم سماع أقواله مردود، لأنّ المستدعي ليس بوزير حالي، فضلاً عن أنّ المبدأ السامي الذي يدلي به يقابله مبدأ سام آخر مواز يتمثّل في تعاون السلطات في سبيل تحقيق العدالة من قبل قضاء ضامن للحرّيّات والحقوق العامة والخاصة سيّما في ما يتعلّق بقضيّة هدر للمال العام،
وحيث ما يؤكّد ما صار بيانه أعلاه هو ما ورد في نصّ المادة 85 أ.م.ج. لجهة أنّ واجب الإدلاء بالشهادة أمام قاضي التحقيق لا يحدّه أيّ قيد قانوني أو قضائي أو فقهي بدليل أنّه يمتدّ بحسب تقدير قاضي التحقيق إلى سماع أقوال فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس النوّاب ودولة رئيس مجلس الوزراء مع مراعاة بعض الأصول الخاصة عند سماعهم التي تستوجب انتقال قاضي التحقيق إلى مقرّ كلّ منهم للإستماع إلى إفادته،
وحيث إنّه من ناحية ثالثة، فإنّ المادة 86 أ.م.ج. تنصّ على أنّه يعود لقاضي التحقيق دعوة الأشخاص الواردة أسماؤهم في الشكوى أو الإخبار أو التحقيقات وكلّ من يرى أنّ لديه معلومات تفيد التحقيق، كما تنصّ المادة 92 أ.م.ج. في فقرتها الأولى، على أنّ الشاهد لا يُعْفى من الإدلاء بإفادته، إلاّ إذا أثبت أنّه ملزم قانوناً بحفظ السرّ، فيما تنصّ الفقرة الثالثة من المادة المذكورة، على إلزامية أن يبادر كلّ شخص توافرت لديه معلومات تنير التحقيق إلى الإدلاء بشهادته أمام قاضي التحقيق،
وحيث تعني الأحكام القانونية بصورة جلية لا لبس فيها أنّ المبدأ في أصول الشهادة أمام القضاء، يتمثّل في وجوب إلزام كلّ شخص لديه معلومات تنير التحقيق أن يدلي بها للمساعدة على كشف الحقيقة وإنارة التحقيق باستثناء الأشخاص الملتزمين بسرّ المهنة أو السرّ المصرفي بعد تقدير الأمر من قبل قاضي التحقيق لناحية هذه السرّيّة ومدى إمكانية الإدلاء فيها،
وحيث إنّ هذا الإلزام يفرض على الشاهد"الحضور"Obligation de Comparaître أمام قاضي التحقيق في المكان والوقت المعيّنين للإستماع إليه، كما يفرض عليه "أداء الشهادة" Obligation de Déposer والعبرة من هذه الإلزامات تكمن في فكرة أنّ على كلّ شخص أن يؤازر القضاء في سبيل جلاء الحقيقة حتّى لو كان من"الغير" كما هو حال الشاهد بالنسبة للخصوم في الدعوى العامة،
وحيث إنّ الإلزام بالشهادة ينصبّ على"الواقعات الجرمية" موضوع التحقيق الإبتدائي وعلى"ظروف" ارتكابها وعلى" أشخاص" الجريمة، إذ على الشاهد أن يحرص على قول كلّ ما يعرفه عن الأفعال الجرمية المدعى بها وظروفها وأشخاصها،
يراجع بهذا المعنى:Vidal et Magnol: Cours de droit criminel et de science pénitentiaire (Tome ll.1949.Page1064 )
لذلك
نقرّر إستناداً إلى ما صار بيانه أعلاه، ردّ استدعاء الوزير السابق السيّد نقولا صحناوي الرامي إلى إعفائه من الإدلاء بشهادته، والتأكيد بالتالي، على قرارنا القاضي بدعوته كشاهد إلى الجلسة التي ستعقد يوم الثلاثاء الواقع فيه 30/5/2017 الساعة التاسعة صباحاً.
قراراً صدر في بيروت بتاريخ 18/5/2017".
(نشر في مجلّة "محكمة" – العدد 18 – حزيران 2017)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!