صرخة مدوّية لقضاة لبنان: نحن أيضاً سُلْطة!

0 14

كتب علي الموسوي:
سجّل قضاة لبنان موقفاً تاريخياً مشرّفاً بالوقوف في وجه محاولات السلطة السياسية باختلاف وجوهها وعهودها، تقويض مساعيهم إلى جعل القضاء سلطة مستقلّة بحسب ما هو منصوص عليه في الدستور والقوانين المرعية الإجراء، رافضين المساس بحقوقهم ومكتسباتهم وفي مقدّمتها الطبابة والتعليم.
فاعتكاف قضاة لبنان أيّام 13 و14 و15 و16 آذار 2017، ضدّ قرار الدولة ممثّلة بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، إلغاء صندوق التعاضد الخاص بهم، لم يكن هدفاً بعينه، لأنّه ليس من شِيَمِ القضاء، الإضراب والإعتصام والتعطيل والإمتناع عن أداء رسالة حماية الدولة العادلة والقادرة، بل كان وسيلة ضاغطة لمنع التعرّض لسلطة قائمة بحدّ ذاتها، والحؤول دون المساس بأمن القضاة الصحّي، وتوجيه رسالة صارخة بأنّ القضاء ليس قاصراً ولا يحتاج لوصي يقرّر عنه شؤونه ويحدّد مصيره في المسائل الصغيرة والكبيرة التي تمسّ كيانه ووجوده، مع ما يعنيه ذلك من إستقلالية تامة غير قابلة للمساومة والنقاش فيها.
فما كانت السلطتان التشريعية والتنفيذية تعملان على تمريره في مشروع "سلسلة الرتب والرواتب" المرتبط تسييلُها بالموازنة العامة، لا يوصف إلاّ بالكارثي على هيبة القضاء والعدالة في لبنان، وذلك لما له من تداعيات خطرة على مسيرة مفهوم العدالة والكرامة القضائية راهناً ومستقبلاً.
فالمادة الخامسة من قانون تنظيم القضاء العدلي تتحدّث صراحةً عن وجوب استشارة مجلس القضاء الأعلى بكلّ شاردة وواردة قانونية تتعلّق بانتظام العمل القضائي، وهذا وارد في الفقرة(ز) من المادة الخامسة المذكورة والتي تنصّ على" إبداء الرأي في مشاريع القوانين والأنظمة المتعلّقة بالقضاء العدلي، واقتراح المشاريع والنصوص التي يراها مناسبة بهذا الشأن على وزير العدل".
ولذلك، فإنّه يتوجّب على المعنيين في السلطتين التشريعية والتنفيذية عرض أيّ قرار يتعلّق بالقضاء العدلي على مجلس القضاء لإبداء رأيه بشأنه، وهو رأي صادر عن سلطة، والمبدأ الدستوري يقول بتفاعل السلطات الدستورية وتعاونها، وبالتالي فإنّه لا يحقّ للسلطة التشريعية ترتيب بيت السلطة القضائية من دون الأخذ برأيها الملزم، ولا استنسابية في هذا المجال على الإطلاق.
وتأسيساً على ذلك، فإنّ الاعتكاف القضائي المُعَبِّر عن موقف سلطة معترف بها، لم يهدف إلى فتح جبهة مع أحد، لأنّ القضاء لا يعمل إلاّ بما يمليه عليه القانون والمنطق والضمير، وليس بالكيدية والنكايات، وهو جاء على شاكلة تذكير للسلطتين التشريعية والتنفيذية بأنّهما تتعاملان مع سلطة مماثلة لهما كان يتوجّب عليهما أخذ رأيها مسبقاً، ثمّ الإلتزام حرفياً بما تقرّره، إنطلاقاً من إعتراف دستوري صريح بأنّ الجميع سلطة ضمن المهام الموكل إلى كلّ واحد منهم القيام بها.
وكان مجلس القضاء الأعلى واضحاً في البيان "رقم واحد" الذي أعقب اجتماع قضاة لبنان في القاعة الكبرى لمحكمة التمييز في قصر عدل بيروت حيث وصلت أصوات بعض القضاة إلى الخارج، وأكثرها تأثيراً ووقعاً كانت كلمة النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود.
وقال المجلس في بيانه إنّه "أمام تكرار عدم التجاوب مع الطروحات المحقّة التي يبديها ولا سيّما لجهة وجوب التعامل معه على أساس أنّه ممثّل للسلطة القضائية المستقلّة تجاه السلطات الأخرى، ولجهة وجوب عدم المساس بالمفترضات اللازمة لنهوض هذه السلطة بدورها، ومنها صندوق تعاضد القضاة والعطلة القضائية وسائر الحقوق الأخرى العائدة للقضاة، يرى نفسه مضطّراً إلى أن يعلن اعتكاف القضاة في مكاتبهم، على أن يتمّ الإستمرار في النظر في قضايا الموقوفين، والقضايا الملحّة، والتدابير الإحتياطية التي لا تحتمل التأجيل، وجلسات المزايدة العلنية، ريثما تتمّ معالجة الخلل القائم".
وبفعل هذا الإعتكاف الذي ترافق مع تضامن نقابتي المحامين في بيروت والشمال مع الجسم القضائي، توقّف العمل في العدليات والمحاكم، فيما استمرّت الإتصالات والإجتماعات تمهيداً لمعالجة نيّة الإطاحة بصندوق تعاضد القضاة بما فيه من ضمانات تتعلّق بالطبابة والتعليم، فضلاً عن حلّ مسألة تقليص العطلة القضائية إلى شهر واحد بعدما كانت شهرين ونصف الشهر، ثمّ جُعلت شهرين في عهد وزير العدل إبراهيم نجّار.
وكشفت مصادر قضائية رفيعة المستوى لـ "محكمة" أنّ نحواً من 33 قاضياً بين عامل ومتقاعد يتلقّون العلاج من مرض السرطان، ويتكفّل صندوق التعاضد بنفقات علاجهم، وبالتالي فلو أنّ السلطة السياسية نجحت في تقليص أو إلغاء الطبابة والخدمة الصحيّة للقضاة، لعرّضت هؤلاء لمخاطر جسيمة تنعكس سلباً على القضاة الأصحّاء من حيث التفكير، على الأقلّ، بإمكانية نيل المصير نفسه لا سمح الله!.
وانضمّ إلى مجلس القضاء، رئيسا مجلس شورى الدولة وديوان المحاسبة القاضيان شكري صادر وأحمد حمدان، ورئيس رابطة قدامى القضاة وأمينها العام وأمين صندوقها القضاة منير حنين وحسن الحاج وفوزي داغر، وصدر عنهم بيان أكّدوا فيه أنّ "السلطة القضائية، المؤتمنة على إحقاق الحقّ، لن تتمكّن من ممارسة هذا الدور الأساس في بناء الدولة، ما لم تكن هي صاحبة الرأي في مصيرها وفي آليات أدائها لعملها، وفي المنظومات القائمة لديها والكفيلة بتحصينها مادياً ومعنوياً، تمهيداً لتأدية الدور المطلوب منها على مستوى إحقاق الحقّ، وأيضاً على مستوى المحاسبة إنْ لتنقية الذات، أو لتنقية المجتمع".
ولمّا وجد مجلس القضاء الأعلى تجاوباً من المرجعيات السياسية مع مطالبه، أعلن تعليق الإعتكاف، ودعا القضاة إلى "الإنصراف مجدّداً إلى أداء رسالتهم في إحقاق الحقّ وتطبيق القانون(…) وفقاً لأعلى معايير الحرص والتفاني والإنتاجية"، وهذا مؤشّر إضافي على أنّ القضاة أصحابُ رسالة وليسوا موظّفين، وأنّ مجلس القضاء حريصٌ على أن يتمّ العمل القضائي بمنتهى الجدّيّة والفاعلية.
ويبقى السؤال هل "يجرؤ" مجلس القضاء الأعلى على تحدّي نفسه بإجراء تشكيلات قضائية شاملة من دون مسايرة السياسيين و"الوقوف على خاطرهم"؟ وهل يشهد القضاء في المدى المنظور، حفلة تطهير ومحاسبة تطال المقصّرين؟!.
يعتقد قضاة كثيرون أنّ الإجابة الحكيمة عن هذين السؤالين هي الطريق الممهّد لكي يثبت القضاء أنّه سلطة مستقلّة!.
(نشر في مجلّة "محكمة" – العدد 16- نيسان 2017)

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!