عفو خاص عن 300 محكوم قريباً/نقولا ناصيف

0 61

نقولا ناصيف*:
ينتظر أن تنجز لجنة العفو برئاسة القاضي كلود كرم، اليوم، ملفّ العفو الخاص الذي سيصدره رئيس الجمهورية ميشال عون، ويتناول 300 محكوم وموقوف تقرّر إطلاقهم في سياق خطّة مواجهة جائحة كورونا، والحؤول دون تفشّيها في السجون اللبنانية المكتظّة
أنهت النيابة العامة التمييزية مراجعتها ملفّ العفو الخاص، وأبدت رأيها فيه، وأحالته إلى لجنة العفو برئاسة القاضي كلود كرم الذي سيحيله بدوره إلى وزيرة العدل ماري كلود نجم، فترفع لائحة بالمحكومين والموقوفين المرشّحين للإفراج عنهم إلى رئيس الجمهورية ميشال عون. يوافق على اللائحة أو يستثني أحداً منها، ويعيدها إلى الوزيرة كي تعدّ مرسوماً نهائياً لتوقيعه إيّاه وإصداره.
لم يعد الوقت بعيداً لطيّ هذا الملفّ الذي يدين لجائحة كورونا بوضعه موضع التنفيذ. وهو في أيّ حال – بحسب نجم – ليس ملفّاً سياسياً كي يستثمره أيّ من الأفرقاء. يبرّره الوباء والتخوّف من وصوله إلى السجون وتفشّيه بين المسجونين. لا أحد من بين المرجح إطلاقهم، ويقاربون 300 محكوم وموقوف له ملفّ مرتبط بجرائم الإرهاب أو الإتجار بالمخدّرات أو صدر في حقّه حكم بالإعدام. خضع لبضعة معايير تصفها نجم بأنّها موضوعية، صار في ضوئها إلى تصنيف المحكومين والموقوفين في فئات ثلاث:
أولى، الذين أنهوا عقوبتهم ويفترض خروجهم، إلاّ أنّهم لا يزالون موقوفين بسبب تعذّر تسديدهم غرامة إطلاقهم.
ثانية، المحكومون الذين تبقى من تنفيذ أحكامهم ما يقلّ عن أربعة اشهر.
ثالثة، المصابون بأمراض مزمنة كالسرطان وفقدان المناعة وسواهما والمتقدّمون في السنّ. وهم أوّل المرشّحين لفقدانهم حياتهم في حال تغلغلت الجائحة في السجون.
على هامش اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، تسلّمت نجم من المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان لائحة بعدد السجناء والموقوفين في سجون لبنان ويبلغ 9500، تدنّى هذا العدد منذ نهاية آذار الفائت إلى 8256 مسجوناً بسبب إخلاء عدد منهم، وإجراء استجوابات من بُعْد مع عدد آخر، فضلاً عمن انتهت مدّة تنفيذهم الأحكام فخرجوا. مع ذلك، فإنّ قرار إطلاق المشمولين باللائحة يعود إلى رئيس الجمهورية، صاحب الصلاحية الدستورية في إصدار عفو خاص.
من غير المألوف إصدار عفو خاص بعدد كبير يبلغ مئات من المحكومين أو الموقوفين. في الغالب يطبّق رئيس الجمهورية هذه الصلاحية على أفراد قليلين، كلّ في مرسوم مستقلّ. إلاّ أنّ التعاطي مع هذا الاستحقاق على نحو موسّع، يأخذ في الاعتبار الوضع الاستثنائي في البلاد، وصعوبة التوصّل قريباً – رغم استمرار الإجتماعات – إلى إصدار مجلس النوّاب قانون عفو عام من جرّاء تعدّد الاقتراحات التي بلغت خمسة حتّى الآن، وانقسام سياسي حاد يشوب الكتل النيابية بين مؤيّد ومعارض، وفي جانب رئيسي من الانقسام المذهبي في هذا الفريق أو ذاك. أضف أنّ مَن تشملهم مداولات العفو العام وارتكاباتهم مختلفة تماماً عن أولئك المشمولين بالعفو الخاص. ولذا سيحتاج إلى وقت طويل للإتفاق عليه.
بيد أنّ مرسوم العفو الخاص ينعش الذاكرة، في نطاق الصلاحية الحصرية لرئيس الجمهورية، بالتذكير بمراسيم منح الجنسية اللبنانية صدرت بالمئات أوّلاً عشية اختتام ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان، ثمّ في السنة الثانية من ولاية عون نشأت على أثرها اعتراضات، إلاّ أنّها أُهملت. حينذاك في مراسيم منح الجنسية بالمئات، صعدت إلى الأنوف رائحة كريهة عن أموال ضخمة استفاد منها رؤساء ووزراء وقيادات أدرجوا أسماء منحت الجنسية اللبنانية، بينها مطلوبون وفارون من بلدانهم. الواقع أنّ منح الجنسية امتياز دستوري لرئيس الجمهورية، على غرار مرسوم العفو الخاص الذي هو امتياز دستوري له أيضاً، بفارق جوهري أنّ الرئيس يمنح الجنسية للأجنبي الذي يقدّم خدمات جلى للبنان فيحظى بدوره بالامتياز، بينما مرسوم العفو الخاص يرتبط بأسباب إنسانية محض.
لا تصحّ المقاربة مع مرسوم العفو الخاص سوى من باب حصر الصلاحية برئيس الدولة. لكن منحها أوسع هامش هو لضمّ أكبر عدد من المستفيدين من المرسوم الخاص.
وفق حيثيات أبرزتها وزيرة العدل في وضعها معايير مرسوم العفو الخاص:
1- تميل إلى إطلاق هؤلاء في ثلاثة مراسيم منفصلة، بحيث تدرج كلّ فئة من المحكومين في مرسوم مستقلّ.
2- لم يأخذ إطلاقهم في الإعتبار الإنتماء الطائفي على أنّه هدف في ذاته، بل اعتماد تصنيف الفئات الثلاث بحيث يصبح مرشّحاً للعفو عنه كلّ مَن ينطبق عليه المعيار المعني به.
3- خلافاً لقانون العفو الذي يصدر عن مجلس النوّاب، ويكتفي بإعلان عفو عام عن مرتكبي جرائم في مرحلة في الغالب ترتبط بنزاعات أهلية كما حدث عام 1991 أو بتسوية سياسية كما حدث عام 2005، يرتكز العفو الخاص على تحديد أسماء الذين يشملهم وصدرت في حقّهم أحكام مبرمة ويقتصر عليهم حصراً، بينما العفو العام يحتمل أن يشمل ليس المحكومين فحسب، بل أيضاً المتوارين من العدالة والفارين. وهو ما لا يتوخّاه مرسوم العفو الخاص.
4- مجرد صدور عفو عام عن مجلس النوّاب يؤدّي إلى زوال الصفة الجرمية عن المحكومين. وهو بذلك أقرب الى ممحاة لما ارتكبوا، في حين أنّ العفو الخاص لا يزيل هذه الصفة بل يقلّص العقوبة أو قسماً منها، ويبرّر سبب إطلاقهم بدوافع إنسانية أو صحيّة، من غير إسقاط الصفة الجرمية. لذا تكمن أهمّية المرسوم الخاص في صدوره عن الصلاحية الحصرية لرئيس الجمهورية على أنّه إجراء استثنائي.
*نشر في جريدة الأخبار – اليوم الثلاثاء.
"محكمة" – الثلاثاء في 2020/5/12

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!