عن قرارات المحقّق العدلي:إنعدام المشروعية وفقدان الحياد/عرفات شمس الدين

0 1٬736

القاضي عرفات ‏شمس الدين (‏مدير عام وأستاذ جامعي):
‏‎عندما يتحدّث فلاسفة القانون عن أركان صحّة العمل الإداري الذي تقوم به السلطة بوجه عام، والعمل القضائي عندما تمارسه السلطة القضائية بوجه خاص تراهم يركّزون دائمًا على ركن المشروعية.
‏‎ومشروعية رجل السلطة تستمدّ من ممارسته صلاحيته وفقًا لما أولاه إيّاها القانون وعندما يتجاوز هذه الصلاحية يصبح متجاوزًا حدّ هذه السلطة ويتعرّض إجراؤه للبطلان.
‏‎اليوم، وبالعودة إلى عمل المحقّق العدلي في قضيّة تفجير أو انفجار مرفأ بيروت، ترى أنّ المحقّق العدلي قد تجاهل المادة ٧٠ من الدستور التي تولي المجلس الأعلى لمحكمة الرؤساء والوزراء حقّ محاكمتهم حصرًا، وتعطي سلطة اتهامهم إلى المجلس النيابي وهذه صلاحية وظيفية مانعة مطلقة – وهي من الصلاحيات القضائية النادرة التي نصّ عليها الدستور نفسه، في حين أنّ قواعد الصلاحية القانونية العادية في أغلبها موجودة في قانون أصول المحاكمات المدنية والجزائية.
‏‎إذن، نحن أمام قاعدة اختصاص دستورية متعلّقة بالنظام العام ويجب على القاضي إثارتها عفوًا ولا يجوز مخالفتها حتّى بإرادة المتقاضي والقضاة.
‏‎ويشار هنا إلى انّ إحالة جريمة معيّنة على المجلس العدلي لا يلغي نصوصًا دستورية ولا يعلّق قواعد الصلاحية والحصانات المقرّرة في الدستور، كما أنّه لا يوجد نصّ في القانون يجعل المحقّق العدلي قاضيًا عابرًا للدساتير والأنظمة وبالتالي، فإنّ المادة ٧٠ في الدستور واضحة ورغم ذلك يصرّ المحقّق العدلي على انتهاك الدستور والإستمرار في اتخاذ إجراءات بحقّ الوزراء والرؤساء.
‏‎وعليه، فإنّ مخالفة المحقّق العدلي لهذه المادة تجعل منه تجاوزًا للسلطة، ومنتحلًا لاختصاص ليس من شأنه ومنتهكًا نصًّا دستوريًا بيّنًا ممّا يجعل إجراءاته المتخذة فاقدة المشروعية الدستورية والقانونية ويجعل جميع القرارات والمذكّرات التي يصدرها بحقّ الرؤساء والوزراء باطلة بطلانًا مطلقًا.
‏‎ومن ناحية ثانية، يتبيّن أنّ أداء المحقّق العدلي وسلوكه لا يخلو من الريبة والشكّ، فهو يتجاوز النيابة العامة التمييزية ويتجاهل مطالعتها في إصدار مذكّرات التوقيف، ثمّ يمارس انتقائية عشوائية في اختيار الرؤساء والوزراء والقضاة الذين يدعي عليهم، كما أنّه يمتنع عن تبلّغ أوراق قضائية آتية إليه من محكمة التمييز، والتسريبات الإعلامية غير الحكيمة التي تنقل عنه، تثير في نفوس الملاحقين ارتيابًا مشروعًا في بلد لطالما مارس فيه السياسيون وسيلة الإستثمار القضائي، مع الإشارة هنا إلى أنّ حقّ المتقاضي بطلب ردّ أيّ قاض ونقله أو تنحيه متعلّق بالنظم الجوهرية للمحاكمة لأنّه مرتبط بحقّ الدفاع وعنصر الأمان والثقة الذي يجب أن لا يتزعزع في قلب المتقاضي.
‏‎ وبالأمس، عندما أغلق المحقّق العدلي الباب على نفسه ليمرّر مذكّرة توقيف غيابية قبيل تبلّغه طلب ردّه بلحظات، إنّما قطع الشكّ باليقين بأنّ الحياد قد سقط بمعزل عن أسبابه سواء كانت سياسية أم شخصية.
‏‎ولا يقلّل أحد من الهوى الشخصي الذي يولّده الرأي العام لنيل الشهرة والبطولة.. أو لخطأ في تقدير الأمور.. لا أجزم ما هو السبب الذي دفع المحقّق العدلي للعمل متخفّيًا في مكتبه هاربًا من مباشر جاء إليه بأمر قضائي.. ببساطة سلوك غير مألوف قضائيًا.
‏‎أيًا كانت الأسباب.. يمارس المحقّق العدلي صلاحية ليست له وقد سقط حياده أيضًا فماذا يبقى من العدالة؟
‏‎قرأت في أحد المقالات الأجنبية لرجل قانون يقول: القاضي العادل هو القاضي الذي إذا طُلب ردّه تنحّى من تلقاء نفسه.
‏‎فهل يتحرّك وزير العدل ومجلس القضاء لإنقاذ ما تبقّى أو يفاجئ المحقّق العدلي الجميع بهذه المبادرة؟
"محكمة" – الخميس في 2021/10/14

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!