قرار للقاضي مريانا عناني: تعاميم حاكم مصرف لبنان ليست ملزمة للمحاكم/علي الموسوي

0 595

كتب علي الموسوي:
إنّ كلّ تعميم يصدر عن حاكم مصرف لبنان ويتعارض مع النظام العام والقانون لن تنفّذه المحاكم ومهما كانت المسوّغات والدوافع والأسباب والحجج والذرائع، لا بل هو غير ملزم على الإطلاق، للقضاء الذي لن يجد حرجاً في رفضه ونبذه، ولن يجتهد لإسباغ الشرعية عليه ما لم يدخل ضمن قانون، أو لم يرتقِ إلى مصاف القانون، أو يتوافق مع الأحكام القانونية النافذة والمعمول بها.
كما أنّ القضاء حسم أمره لجهة التأكيد بأنّ إيفاء الديون التجارية يكون وفقاً لسعر الصرف الرسمي للدولار الأميركي والمستقرّ بين 1507 ليرات و1515 ليرة وذلك كنتيجة حتمية لالتزام الدولة اللبنانية ممثّلة بسلطتها التشريعية بهذه التسعيرة القانونية من دون أيّ تغيير شرعي يذكر، على الرغم من وجود سعر للتداول في المصارف محدّد بـ 3900 ليرة، وسعر متأرجح في "السوق السوداء" يرتفع ويهبط بحسب أهواء المتلاعبين من الصيارفة والتجّار والهواة والمستفيدين حتّى لامس العشرة آلاف ليرة، ممّا انعكس سلباً على القدرة الشرائية للعملة الوطنية والحياة الإجتماعية والمعيشية للناس.
هذا هو باختصار مآل القرار القضائي الصادر الصادر يوم الثلاثاء الواقع فيه 15 كانون الأوّل 2020 عن رئيسة دائرة تنفيذ بيروت القاضي مريانا عناني التي استندت في إثبات موقفها ووجهة نظرها إلى القانون، ولا شيء غير القانون.
ومنذ إعلان إفلاس الدولة اللبنانية مالياً نتيجة الفساد المستحكم بمفاصلها، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة لا يتوقّف عن اتباع أساليب التعمية عبر إصدار تعاميم بأرقام مختلفة تهدف أوّلاً وأخيراً إلى تأخير إعلان موعد تشييع المالية العامة إلى مثواها الأخير بعدما بلغت منزلة الحضيض والعجز الكلّي.
فحاكم مصرف لبنان رياض سلامة لم يتوقّف لحظة واحدة عن اجتراح التعاميم غير المتصالحة مع القوانين، منذ انكشاف عمليات تهريب أموال كبار المودعين المحظيين من المصارف اللبنانية إلى الخارج، وإذلال المواطنين من شرائح إجتماعية مختلفة، على أبواب المصارف وإجبارهم على الإلتزام بسحوبات معيّنة لأموالهم الموضوعة على سبيل الأمانة لديها والتي قدّمت قروضاً للدولة على طبق من غشّ واحتيال ودون ضمانات بعدما غلّفت بفوائد مالية مغرية.
وترافق هذا الإهتزاز المالي مع تزعزع الوضع السياسي والأمني في 17 تشرين الأوّل 2019 تحت عناوين مختلفة، وبدء التصاعد التدريجي لسعر الدولار الأميركي وملامسته العشرة آلاف ليرة، وصولاً إلى تقلّص وجوده وانعدام توافره وبالتالي فقدانه من السوق والمصارف نفسها خصوصاً مع سعي المواطنين إلى تخبئته في منازلهم لدرء مخاطر الحياة وحماية مستقبلهم.
لكنّ تعاميم حاكم مصرف لبنان لا ترقى إلى القانون لكي تتقيّد المحاكم بها وتكون ملزمة لها وتعمل بمضمونها وتسعى إلى تنفيذها، وما دامت تفتقد إلى عنصر التوافق مع القوانين المعمول بها والمُدرجة على لائحة الإستعمال، فإنّها تبقى مجرّدة من الشرعية القانونية ولا يمكن للقضاء أن يقاربها ويغمس منها، وهذا ما يوحي به نصّ المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية والذي يتحدّث بشكل واضح وصريح عن وجوب التزام المحاكم بمبدأ تسلسل القواعد بدءاً من الدستور والمعاهدات والقوانين والمراسيم وانتهاء بالقرارات والتعاميم.
وقد تحدّثت القاضي عناني في قرارها عن عدم أحقّية تعميم حاكم مصرف لبنان ما دامت غير متطابقة مع القوانين، وذلك في معرض النظر في اعتراض مقدّم من مصرف "لبنان والمهجر" بوجه شركة تجارية على اثر تسديدها ما تبقّى له من مال بذمّتها وفق سعر صرف الدولار الوارد في النشرة الرسمية الصادرة عن مصرف لبنان، الأمر الذي لم يلقَ لا تجاوباً ولا إعجاباً بطبيعة الحال، من المصرف المذكور، فانبرى مطالباً بتصحيح السعر مع ما فيه من فارق مالي كبير.
واستند المصرف في تصرّفه هذا، إلى التعميم رقم 568 الصادر عن حاكم مصرف لبنان في 26 آب 2020، وفيه إلزامٌ للمدينِ بقرضٍ تجاري، تسديدَهُ بنوع العملة الواردة في العقد إذا كانت أجنبية وليس بالليرة اللبنانية، وهذا ما يخالف النظام العام الرامي إلى حماية النقد الوطني.
واستبعدت القاضي عناني هذا التعميم من مفكّرة التنفيذ طالما أنّه لا يتوافق مع الأحكام القانونية، معتبرةً أنّ للعملة الوطنية قوّة إبرائية شاملة، لذلك فإنّ مبدأ الإيفاء بها "هو مبدأ متعلّق بالنظام العام الإقتصادي الحامي للنقد الوطني والذي لا تجوز مخالفته".
وبالحرف الواحد قالت عناني في متن قرارها المؤلّف من 2161 كلمة أدرجت في تسع صفحات "فولسكاب":"إنّ التعاميم الصادرة عن حاكم مصرف لبنان ليست ملزمة للمحاكم إلاّ بقدر توافقها والأحكام القانونية، بحيث إنّه وسنداً لمبدأ تسلسل القواعد القانونية المنصوص عليه في المادة 2 أ.م.م.، لا يمكن تطبيق مثل هذه التعاميم متى جاءت متعارضة مع القواعد القانونية الإلزامية، لا سيّما المتعلّق منها بالنظام العام. وحيث إنّ التعميم المحكي عنه إنّما يفرض على المدينين بقروضٍ تجارية التسديد بعملة القرض، دون إمكانية الدفع بالليرة اللبنانية إذا ما كانت القروض معقودة بعملةٍ أجنبية، الأمر المخالف للنظام العام الهادف لحماية النقد الوطني(…) ما يوجب استبعاد تطبيقه."
وأجازت عناني للشركة المُعْتَرض عليها من المصرف، حقّ إيفاء المبلغ المالي المتوجّب عليها والمتبقّي من رصيد قرض أخذته في وقت سابق بالدولار الأميركي، بالعملة اللبنانية وبحسب سعر صرف الدولار المعتمد من مصرف لبنان، وليس المنصّة المصرفية أو "السوق السوداء" غير الرسمية وغير الشرعية، باعتبار أنّ المشرّع لم يجر أيّ تبديل في سعر الصرف ولا يجوز للقاضي الخروج عن الأصول وتجاوز المشرّع، بل يتوجّب عليه الإلتزام بالسعر الرسمي المتداول به، وبالتالي ردّت عناني اعتراض المصرف في الأساس.
"محكمة" تتفرّد بنشر قرار القاضي مريانا عناني كاملاً، وذلك لما تضمّنه من إضاءات قانونية بالنسبة للتعاميم الصادرة عن حاكم مصرف لبنان:
باسـم الشـعب اللـبناني
إنّ رئيس دائرة تنفيذ بيروت،
لـدى التـدقيق،
تبيّن أنّه بتاريخ 2020/9/30 تقدّم بنك لبنان والمهجر ش.م.ل.، وكيله المحامي جهاد مارون زين، باعتراض بوجه الجهة المنفّذ عليها شركة جي تي سي غلوبال ترايدينغ كومباني ش.م.م.، طوني هكتور فرنجية وجورج طوني فرنجية، على القرار الصادر عن هذه الدائرة بتاريخ 2020/9/24، أدلى فيه بوجوب قبول الإعتراض شكلاً عملاً بأحكام المادة 601 أ.م.م.، وفي الأساس بوجوب الرجوع عن القرار المعترض عليه لأنّه ليس ثمّة أصول خاصة يجب اتباعها للمنازعة في الإيفاء خاصة إذا ما حصل الإيفاء قبل صدور قرار الحجز التنفيذي، ومن المستغرب أن يقضي القرار المعترض عليه بردّ الإعتراض في الشكل، كما أنّ القرار المعترض عليه قد شوّه موقفه كونه تجاوز كافة الحجج والأسباب المثارة من قبله وحصرها بأنّ الإيفاء يجب أن يحصل بالدولار الأميركي حصراً عملاً بتعميم مصرف لبنان ما يوجب الرجوع عن القرار لهذه الجهة أيضاً؛ وبأنّ القرار أخطأ في تفسير القانون كون الدَيْن موضوع المعاملة التنفيذية ناتجاً عن تسهيلات مصرفية ممنوحة للشركة المعترض عليها بالدولار الأميركي تحديداً وبالإستناد إلى شروط تختلف عن تلك المطبّقة على التسليفات بالليرة اللبنانية ولا يحقّ للعميل بالتالي، تسديد الرصيد بالعملة الوطنية بما يتعارض مع شروط العقد، هذا فضلاً عن أنّه لم يعد بإمكانه تحويل جميع المبالغ بالليرة إلى الدولار بواسطة المصرف المركزي بحسب سعر الصرف الرسمي، فالسعر الرسمي المحدّد من مصرف لبنان أضحى محصوراً بغاية دعم عمليات استيراد بعض المواد الأوّلية الضرورية، وأنّ السعر المعتمد من قبل مصرف لبنان وجميع المصارف لإجراء عملية القطع غير المشمولة بعمليات الإستيراد المذكورة هو محدّد بما لا يقلّ عن 3900 ل.ل. للدولار وهو يرمي أيضاً إلى دعم بعض العمليات الحصرية دون سواها، وأنّ رفع الدعم من شأنه أن يجعل أسعار السلع ترتفع لتصبح على أساس السوق السوداء؛ ولا بدّ من الإشارة إلى التعميم رقم 568 الصادر عن مصرف لبنان بتاريخ 2020/8/26 بالإستناد إلى الصلاحيات الممنوحة له بموجب قانون النقد والتسليف والمبرّر تحديداً في الظروف الإستثنائية، والذي أبقى القروض التجارية خاضعة لشروط عقد القرض أو عقد التسهيلات لجهة الإلتزام بالتسديد بعملة القرض، وأنّ الدَيْن التجاري لا يمكن أن يتمّ إيفاؤه إلاّ بالعملة المتفق عليها في العقد أيّ بالدولار الأميركي، عملاً بأحكام المواد 221، 299 و301 موجبات وعقود إذ إنّ العقد هو شريعة المتعاقدين ويجب إيفاء الشيء المستحقّ ذاته، وأنّ المادتين 7 و192 من قانون النقد والتسليف لم تحرّما التعامل بالعملات الأجنبية في لبنان، ما يوجب ردّ وإهمال الإيفاء المعروض من الجهة المعترض عليها الحاصل بالليرة اللبنانية لهذه الأسباب؛
وأنّه في مشروع الترصيد تمّ احتساب الفوائد بالدولار الأميركي منذ تاريخ 2019/4/17 في حين يقتضي احتسابها من 2019/4/2، وأنّ القرار المعترض عليه تجاوز كافة هذه الأسباب مكتفياً باعتبار الإيفاء بالعملة الوطنية صحيحاً ومبرئاً للذمّة في حين أنّ الخلاف يتمحور حول إمكانية اعتماد عملة غير عملة الحساب الجاري بمعزل عن سعر الصرف لعملة الإيفاء؛
وانتهى إلى طلب وقف تنفيذ القرار المعترض عليه وقبول الإعتراض شكلاً، وفي الأساس إبطال القرار المطعون فيه والرجوع عنه للأسباب المذكورة أعلاه، والحكم بقبول الإعتراض أساساً وإهمال الإيفاء الحاصل من المعترض عليهم وتضمينهم النفقات والأتعاب.
وتبيّن أنّ المعترض عليهم وكيلهم الأستاذ ربيع قاصوف، تقدّموا بتاريخ 2020/11/5 بلائحة جوابية أكّدوا فيها على وجوب ردّ الإعتراض في الشكل لوروده خارج المهلة القانونية، وأنّ المعترض لم يحترم الأصول الشكلية في اعتراضه المقدّم في المعاملة التنفيذية لا سيّما المادة 959 أ.م.م.، فيكون القرار المعترض عليه صائباً لجهة إهمال اعتراضه شكلاً، وبوجوب ردّ الإعتراض الحاضر لانتهاء المعاملة التنفيذية، وإلاّ ردّه أساساً لعدم مخالفة القرار المعترض عليه القانون ولحسن تفسيره للنصوص القانونية لا سيّما قانون النقد والتسليف والمواد المتعلّقة بالنظام العام المالي الحامي للعملة اللبنانية، فهذا فضلاً عن أنّ تقدّمه بطلب الإيفاء حصل قبل تاريخ تعميم مصرف لبنان، وبالتالي إنّ الإيفاء الحاصل من قبله في المعاملة التنفيذية صحيحٌ، وأنّ العملة الوطنية محدّدة بالسعر الرسمي الصادر عن مصرف لبنان وهو الواجب تطبيقه؛ وطلب بالنتيجة ردّ طلب وقف التنفيذ وردّ الإعتراض الحاضر شكلاً وإلاّ أساساً لوقوع القرار في موقعه القانوني السليم وتضمين المعترض النفقات والأتعاب والعطل والضرر.
وتبيّن أنّ بتاريخ 2020/11/11 جرى ضمّ ملفّ المعاملة التنفيذية رقم 2020/186 إلى الملفّ الراهن.
وتبيّن أنّه بتاريخ 2020/11/13 قدّم المعترض لائحة جوابية أشار فيها إلى أنّ المادة 959 أ.م.م. غير منطبقة على المعاملة التنفيذية التي صدر فيها القرار المعترض عليه لعدم صدور أيّ قرار بالحجز التنفيذي بعد، بالإضافة إلى أنّ السعر المعتمد في القرار ليس سعراً رسمياً وأنّ صلاحية تحديد سعر الصرف هي لمجلس النوّاب وليس للمصرف المركزي، وكرّر فيها سابق الأقوال والمطالب.
وتبيّن أنّه في الجلسة المنعقدة بتاريخ 2020/12/8 كرّر المعترض أقواله ومطالبه السابقة فيما جرت محاكمة الجهة المعترض عليها، واختتمت المحاكمة أصولاً وأرجئت للحكم إلى تاريخ 2020/12/15.
بناء عليه
أوّلاً: في الشكل:
حيث يتبيّن أنّ المعترض قد تبلّغ إجراءً من إجراءات تنفيذ القرار الرجائي المعترض عليه بتاريخ 2020/9/25 وتقدّم باعتراضه الراهن بتاريخ 2020/9/30، فيكون اعتراضه وارداً خلال المهلة القانونية المنصوص عليها في المادة 601 أ.م.م.، كما أنّه جاء مستوفياً لسائر الشروط الشكلية.
وحيث يقتضي ردّ إدلاءات الجهة المعترض عليها بانتفاء موضوع هذا الإعتراض لانتهاء المعاملة، نظراً لكون الإعتراض الحاضر منصبّاً على القرار الذي قضى باعتبار الإيفاء الحاصل من الجهة المعترض عليها صحيحاً ومبرئاً لذمّتها، وباعتبار المعاملة التنفيذية منتهية بالإيفاء، وليس على المعاملة التنفيذية بحدّ ذاتها، الأمر الذي يستلزم قبول الإعتراض في الشكل.
ثانياً: في الموضوع:
حيث يدلي المعترض من جهةٍ أولى، بوجوب الرجوع عن القرار المعترض عليه لجهة ردّ اعتراضه الحاصل في المعاملة التنفيذية شكلاً، لأنّه ليس ثمّة أصول خاصة يجب اتباعها للمنازعة في الإيفاء خاصةً متى حصل الإيفاء قبل صدور قرار الحجز التنفيذي.
وحيث تدلي الجهة المعترض عليها بأنّ المعترض لم يحترم الأصول الشكلية في اعتراضه المقدّم في المعاملة التنفيذية لا سيّما المادة 959 أ.م.م.، فيكون القرار المعترض عليه صائباً لجهة إهمال اعتراضه شكلاً.
وحيث إنّ منازعة الجهة المنفّذة بالإيداع الحاصل من قبل الجهة المنفّذ عليها في المعاملة التنفيذية، إنّما تشكّل وفقاً لتكييفها القانوني السليم اعتراضاً على الإيداع، الأمر المُعالج بمقتضى أحكام المادة /959/أ.م.م. والتي أوجبت إبلاغ الإيداع من الدائن الذي يمكنه تقديم الإعتراض على الإيداع خلال مهلة خمسة أيّام من تاريخ التبليغ، وهذه المادة يمكن تطبيقها عند الإعتراض على الإيداع بمعزل عن المرحلة التي وصلت إليها المعاملة التنفيذية، بحيث إنّ عدم قيام المنفّذ بتقديم اعتراضٍ وفقاً للأصول وفي ملفٍ على حدة رغم تبلّغه الإيداع الحاصل، يستوجب ردّ أيّ اعتراضٍ يأتي منه خلافاً لتلك الأصول، ما يوجب ردّ إدلاءات المعترض لهذه الجهة.
وحيث يدلي المعترض بجملة أسبابٍ قانونية يمكن حصرها بمسألتين اثنتين وفقاً للتالي:
أ-لجهة الإيفاء بالليرة اللبنانية:
حيث يعيب المعترض على القرار المعترض عليه بأنّه قد شوّه موقفه كونه تجاوز كافة الحجج والأسباب المثارة من قبله وحصرها بأنّ الإيفاء يجب أن يحصل بالدولار الأميركي حصراً عملاً بتعميم مصرف لبنان، وبأنّ القرار أخطأ في تفسير القانون كون الدَيْن موضوع المعاملة التنفيذية ناتجاً عن تسهيلات مصرفية ممنوحة للشركة المعترض عليها بالدولار الأميركي تحديداً وبالإستناد إلى شروط تختلف عن تلك المطبّقة على التسليفات بالليرة اللبنانية، وأنّ التعميم رقم 568 الصادر عن مصرف لبنان بتاريخ 2020/8/26 بالإستناد إلى الصلاحيات الممنوحة له بموجب قانون النقد والتسليف والمبرّر تحديداً في الظروف الإستثنائية، أبقى القروض التجارية خاضعة لشروط عقد القرض أو عقد التسهيلات لجهة الإلتزام بالتسديد بعملة القرض، وأنّ المادتين 7 و192 من قانون النقد والتسليف لم تحرّما التعامل بالعملات الأجنبية في لبنان، ما يوجب الرجوع عن القرار المعترض عليه وتقرير ردّ الإيداع الحاصل بالليرة اللبنانية.
وحيث من جهةٍ أولى، إنّ حقّ المدين في الإيفاء بالليرة اللبنانية مكرّسٌ في نصوصٍ قانونية متفرّقة أبرزها المادة السابعة من قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي تاريخ 1963/8/1، التي تعطي الأوراق النقدية -التي تساوي الخمسمائة ليرة وما فوق- قوّة إبرائية غير محدودة في أراضي الجمهورية اللبنانية، والمادة /192/ منه التي تعاقب كلّ من يمتنع عن قبول العملة اللبنانية، محيلةً إلى المادة /319/عقوبات؛ وكذلك الفقرة الأولى من المادة /301/م.ع. التي أوجبت الإيفاء من عملة البلاد عندما يكون الدَيْن مبلغاً من النقود؛
وحيث إنّ تذرّع المصرف المعترض بنصّ الفقرة الثانية من المادة 301 المشار إليها والذي يبيح اشتراط الإيفاء بالعملة الأجنبية يستند إلى تفسيرٍ خاطئٍ، كون هذه الفقرة علّقت صحّة الإشتراط على ألاّ يكون التعامل بعملة الورق إجبارياً lorsque le cours force n’a pas ete etabli ، أيّ أنّ اشتراط الإيفاء بعملة أجنبية مباحٌ عندما يكون التعامل بعملة الذهب أو النقود المعدنية مباحاً، بينما في لبنان فإنّ التعامل بعملة الورق هو إجباري، بحيث والحالة ما ذكر، لا يعود للمتعاقدين فرض الدفع بالعملات الأجنبية، دون أن يعني ذلك أنّ المشرّع اللبناني منع التعامل بالعملات الأجنبية، بل أنّ الحظر المذكور يطال فقط رفض الإيفاء بالعملة الوطنية.
وحيث بالتالي إنّ مبدأ الإيفاء بالعملة الوطنية هو مبدأ متعلّق بالنظام العام الإقتصادي الحامي للنقد الوطني والذي لا تجوز مخالفته، بمعنى أنّ للعملة الوطنية قوّة إبرائية شاملة.
وحيث يتذرّع المعترض كذلك بالتعميم رقم 568 الصادر عن مصرف لبنان بتاريخ 2020/8/26 بالإستناد إلى الصلاحيات الممنوحة له بموجب قانون النقد والتسليف والمبرّر تحديداً في الظروف الإستثنائية، والذي أبقى القروض التجارية خاضعة لشروط عقد القرض أو عقد التسهيلات لجهة الإلتزام بالتسديد بعملة القرض.
وحيث إنّ التعاميم الصادرة عن حاكم مصرف لبنان ليست ملزمة للمحاكم إلاّ بقدر توافقها والأحكام القانونية، بحيث إنّه وسنداً لمبدأ تسلسل القواعد القانونية المنصوص عليه في المادة 2 أ.م.م.، لا يمكن تطبيق مثل هذه التعاميم متى جاءت متعارضة مع القواعد القانونية الإلزامية، لا سيّما المتعلّق منها بالنظام العام.
وحيث إنّ التعميم المحكي عنه إنّما يفرض على المدينين بقروضٍ تجارية التسديد بعملة القرض، دون إمكانية الدفع بالليرة اللبنانية إذا ما كانت القروض معقودة بعملةٍ أجنبية، الأمر المخالف للنظام العام الهادف لحماية النقد الوطني وفق ما سبق شرحه، ما يوجب استبعاد تطبيقه.
وحيث تأسيساً على ما تقدّم، يحقّ للجهة المعترض عليها إيفاء رصيد التسهيلات المصرفية المتوجّب في ذمّتها بالعملة الوطنية، وتردّ الأقوال المخالفة لعدم القانونية.
ب- لجهة قيمة سعر الصرف:
وحيث يدلي المصرف المعترض بأنّه لا يمكن اعتماد سعر الصرف الرسمي المحدّد من مصرف لبنان كونه أضحى محصوراً بغاية دعم عمليات استيراد بعض المواد الأوّلية الضرورية، وأنّ السعر المعتمد من قبل مصرف لبنان وجميع المصارف لإجراء عملية القطع غير المشمولة بعمليات الإستيراد المذكورة هو محدّد بما لا يقلّ عن 3900 ل.ل. للدولار، وأنّ رفع الدعم من شأنه أن يجعل أسعار السلع ترتفع لتصبح على أساس السوق السوداء، من ثمّ عاد المصرف وأدلى في لائحته الأخيرة بأنّ المعدّل البالغ 1507 ل.ل. ليس سعراً رسمياً، وأنّ صلاحية تحديد سعر الصرف هي لمجلس النوّاب وليس للمصرف المركزي.
وحيث إنّ رئيس دائرة التنفيذ- وانسجاماً مع الصلاحية الممنوحة له بموجب المادة /959/أ.م.م. التي تنصّ على أن ينظر رئيس دائرة التنفيذ في الإعتراضات على الإيداع وفق الأصول المتبعة في القضايا المستعجلة- يفصل في قيمة سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، على الطريقة المتبعة في القضايا المستعجلة:
(سرياني وغانم، قوانين التنفيذ في لبنان، شرح المادة /857/أ.م.م.، بند /10/، ص./273/: إذ جاء فيه أنّه "في حال وجود اعتراضات، يفصلها رئيس دائرة التنفيذ على الطريقة المتبعة في القضايا المستعجلة واضعاً حدّاً لكلّ نزاعٍ أو صعوبة، كالصعوبة الناشئة عن تحديد سعر العملة الأجنبية").
مع التأكيد على أنّ الأصول المتّبعة في القضايا المستعجلة لا تمنع القاضي من تقدير الأوراق وفقاً لظاهرها وصولاً لترجيح المنازعة الجدّية في طيّاتها من عدمها، ولكن بشرط عدم التعرّض لأصل الحقّ، بمعنى أنّه إذا التمس وجود منازعة جدّية في هذا الإطار يمكن أن تمسّ بأصل الحقّ، تحتّم عليه تكليف الفرقاء بمراجعة محكمة الموضوع.
وحيث لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المصرف المعترض أشار بشكل واضح في اعتراضه (الإستحضار) إلى ثلاثة أسعار موجودة للليرة، فقد أقرّ صراحةً من جهة أولى بوجود السعر الرسمي مستعملاً عبارة "سعر الصرف الرسمي بواقع 1508 ل.ل. للدولار"، وثانياً السعر المعتمد من قبل مصرف لبنان والمصارف المحلّية لإجراء بعض عمليات القطع بمعدّل 3900 ل.ل. للدولار، وثالثاً سعر "السوق السوداء"، مدلّلاً به على السعر المتداول في السوق، علماً أنّه في اللائحة الأخيرة عاد وأدلى بانتفاء وجود السعر الرسمي، وعدم صلاحية المصرف المركزي لتحديد سعر الصرف.
وحيث إنّ المنازعة الجدّية حول تحديد سعر الصرف تُطرح في الحالة التي يتعيّن فيها إجراء مفاضلة من قبل رئيس دائرة التنفيذ بين أسعارٍ عدّة للليرة، تتمتّع جميعها بدرجةٍ من الجدّية تجعله عاجزاً عن الخيار بينها.
وحيث إنّ رئيس دائرة التنفيذ وفي حدود بحثه عمّا إذا كانت ثمّة منازعة جدّية في هذا الشأن، إنّما يرتكز على الأسس القانونية فحسب، دون تلك الإقتصادية منها، وذلك بسبب انتفاء قدرته -وقدرة القضاء بشكل عام- على التحكّم بتقلّباتها، ولا حتّى تقدير ملاءمة السعر القانوني ومدى انسجامه والقيمة الإقتصادية الفعلية للعملة الوطنية.
وحيث من الثابت أنّ تحديد هذا السعر يدخل في صلاحية المشرّع حصراً وفق ما تنصّ عليه المادتان 2 و229 من قانون النقد والتسليف.
وحيث من الثابت أنّ سعر الليرة اللبنانية والذي يتراوح ما بين الـ 1507-1515 ل.ل. للدولار الواحد، يعدّ وفقاً لنشرة مصرف لبنان الرسمية السعر الرسمي المعمول به في لبنان لتاريخه، وهو الذي لا يزال سارياً في إطار جميع المعاملات الرسمية، والمصادق عليه من قبل المشرّع.
وحيث وتأسيساً على ما تقدّم، لا يجوز لرئيس دائرة التنفيذ الخروج عن سعر الصرف الرسمي، لا سيّما أنّ المشرع صاحب الإختصاص الأصلي في هذا الموضوع لم يتدخّل لتاريخه لتعديل هذا السعر، وبالتالي وفي ظلّ عدم وجود مؤشّر قانوني بديل يصحّ اعتماده في المعاملات الرسمية والقانونية، يغدو أيّ سعر آخر للليرة اللبنانية غير مستجمعٍ لشروط المنازعة الجدّية تجاه السعر الرسمي المذكور.
وحيث يكون إيداع الجهة المنفّذة لمجموع قيمة الديون المترتّبة عليها بموجب المعاملة التنفيذية رقم 2020/186 مع الفوائد القانونية، بعد ترصيدها من قبل مأمور التنفيذ أصولاً، على أساس سعر الصرف الرسمي للليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي بحسب النشرة الصادرة عن مصرف لبنان في ذلك اليوم، صحيحاً ومبرئاً لذمّتها، الأمر الذي يقتضي معه التأكيد على القرار المعترض عليه الصادر بتاريخ 2020/9/24 وردّ الإعتراض الراهن لعدم قانونيته.
وحيث إنّه وفي ضوء هذه النتيجة، يقتضي ردّ مجمل الأسباب والمطالب الزائدة أو المخالفة، إمّا لكونها بدون جدوى أو لكونها لقيت الجواب في سياق التعليل المتقدّم، بما في ذلك طلب العطل والضرر لانتفاء شروط الحكم به.
لذلك،
يقرّر:
أوّلاً: قبول الإعتراض شكلاً وردّه أساساً.
ثانياً: ردّ كلّ ما زاد أو خالف، بما فيه طلب العطل والضرر.
ثالثاً: تضمين الجهة المعترضة نفقات المحاكمة كافة.
قراراً صـدر وأفـهم عـلناً في بيروت بتـاريخ 2020/12/15.
"محكمة" – الإثنين في 2020/12/21
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر، مع وجوب ذكر إسم موقع "محكمة" الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!