قرب المسافات والأمثلة الطريفة/ناضر كسبار

0 27

المحامي ناضر كسبار:
أحياناً تكون المسافة القريبة أو الوسائل التي تكون في متناول اليد، عبئاً على الإنسان، وقد تدخله في نزاعات جرّاء استعمالها بسرعة ومن دون تمحيص أو تروّي أو عمق تفكير. أو تجعله يندم جرّاء التسرّع في اتخاذ الموقف، أو تشكّل سبقاً في اتخاذ الموقف إعلامياً وواقعياً.
وفي هذا المجال فإنّني أورد، على سبيل العلم والتفكّه والطرافة عدّة أمور.
أوّلاً: كنت أرافق النقيب إدمون كسبار، والذي كان على صداقة قويّة جدّاً مع الرئيس سليمان فرنحية (مع العلم أنّني لم أعرف شخصياً حفيده الوزير سليمان فرنجية)، والذي كان يستقبله ويودّعه على الباب ويحترمان بعضهما كثيراً. وبعد فتح اوتوستراد طورزا – اهدن، مازح الرئيس فرنجية الوزير كسبار قائلاً:
– لازم تشكرني شيخ إدمون على فتح اوتوستراد طورزا – اهدن. فأجابه النقيب كسبار قائلاً:
يطّول عمرك فخامة الرئيس سابقاً كان بدكم ساعة حتّى تصلوا الى عندنا، واليوم تصلون بعشر دقائق.
وكانت من المرّات القليلة التي أرى فيها الرئيس فرنجية يضحك من كلّ قلبه.
ثانياً: كنا في جلسة أمام قاضي التحقيق الأوّل في بيروت سعيد ميرزا، عندما قال لرئيس التحرير العام لجريدة الديار الأستاذ شارل أيوب أنّه يكتب عن الأمور فور حدوثها، وقد تكون لها إرتدادات أخرى. فأجابه أنّ هذه هي مهمّة الصحفي وهي أن يواكب الأمور والأحداث، وإلاّ لا يعود للخبر من قيمة حتّى ولو كان في الإمر إبداء للرأي قد نصل إلى عكسه مع الأيّام. فالصحفي الذي يمسك القلم ولديه الوسيلة لتظهير موقفه، غير الإنسان العادي الذي لا وسيلة إعلامية تنشر له رأيه الفوري في أيّ قضيّة تمرّ أمامه.
هذا قبل ظهور الفايسبوك وتويتر و…و…
أمّا اليوم، فقد أصبح كلّ مواطن بمثابة الإعلامي الذي يحمل القلم، وبات بوسعه نشر رأيه أو ما يشاء عبر هذه الوسيلة الإعلامية. وغالباً ما يتبيّن أنّ هناك تسرّعاً في الموقف، أو اتخاذ موقف نتيجة تشنّج ما، أو تحريض ما، أو مصلحة، أو قناعة طبعاً. وهذا ما حدا بأحد كبار الزعماء إلى القول إنّه قديماً كان هناك التلفزيون والاذاعة والصحف والمجلّات، وكانت المرجعيات تتفاهم معها وتشرح لها الموقف الصحيح، وقد تقتنع أو لا تقتنع، ولكنّ عددها قليل. أمّا اليوم، فلنأخذ فقط في لبنان، فهناك أربعة ملايين لبناني يكتبون على فايسبوك وتويتر وغيرها. فكيف يمكن التفاهم معهم جميعاً؟
ثالثاً: أخبرني أحد الزملاء المحامين أنّ زميلاً له كان يتصل به دائماً لاستشارته حول نقاط تعمّق فيها مثل قانون الإيجارات، وقانون تنظيم مهنة المحاماة، وقانون المطبوعات والقانون الجزائي..الخ وغيرها. وفي أحد الأيّام قال له: لازم نفتح مكتب سوا. فأجابه ممازحاً: طوّل عمرك، هيك بتصير بوجي كلّ النهار وتنزل فيي سؤالات. فضحك الإثنان.
رابعاً: في عهد أحد الرؤساء، وصلت الشكاوى ضدّ صحيفة الديار إلى أكثر من ستين شكوى. ووصل الأمر مرّة إلى أن ادعت النيابة العامة في بيروت بستّ شكاوى خلال أسبوع واحد ضدّ الصحيفة ورئيس تحريرها شارل أيوب والمدير المسؤول المرحوم يوسف الحويك.
وصودف مرّة أن قمت بزيارة المحامي العام الاستئنافي في بيروت، المعروف بعلمه وبإنسانيته وشفافيته، القاضي جون القزي، فقال لي: لماذا لا ترسلون نسخاً عن الصحيفة إلى النيابة العامة كما ينصّ عليه القانون.
فأجبته ممازحاً: طول عمرك حضرة الرئيس الحبيب. في هذه الحالة تصلكم الصحيفة تلقائياً، ويسهل عليكم الإطلاع على مضمونها والادعاء عليها. (علماً بأنّ الشكاوى الكثيرة لم تكن في تلك الفترة).
خامساً: وإثباتاً للنظرية المنوّه عنها أعلاه. فقد أخبرني أحد أصدقائي وهو طبيب، أنّه يضع هاتفه الخلوي في غرفة أخرى غير غرفة نومه. وعندما استغربت واستفسرت منه أجابني قائلاً: حتّى إذا ما اتصل بي أحد المرضى، لا أجيبه فوراً وأنا "نصف نائم"، بل اضطرّ للذهاب إلى الغرفة الأخرى، وأكون قد استفقت بالكامل وعاد الصفاء إلى ذهني.
مواقف وآراء وأقوال قد تكون صحيحة وقد لا تكون. أترك للقارئ الكريم تقدير مدى صحّتها ومدى فعاليتها.
"محكمة" – الجمعة في 2020/4/10

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!