متى تكون نقابة المحامين خصماً في الدعوى أمام محكمة الاستئناف؟/ناضر كسبار

0 97

المحامي ناضر كسبار:
في قرار مبدئي صادر عن محكمة الاستئناف المدنية في بيروت، الغرفة الناظرة في الدعاوى النقابية والمؤلّفة من القضاة الرئيس أيمن عويدات والمستشارين جاد معلوف (منتدب) وكارلا معماري، وعضوي مجلس نقابة المحامين في بيروت الأستاذين شارل أبي صعب وزاهر عازوري، إعتبرت المحكمة أنّ نقابة المحامين تصدر نوعين من القرارات: الأوّل يتعلّق بالمسائل التنظيمية المرتبطة بالتنظيم الداخلي للمهنة داخل صفوفها، وتكون هي الخصم في الدعوى لتبرير ما اتخذته من قرارات.
والثاني يتعلّق بالمسائل التي تخرج عن هذا الإطار ومنها طلبات الترخيص بالملاحقة الجزائية وطلبات الإذن بالتوكّل أو إقامة الدعوى ضدّ محام، ويكون الخصم هنا هو من استجيب أو رفض طلبه، وتكون النقابة غير معنية مباشرة في النزاع، الأمر الذي يحول دون توجيه الإستئناف ضدّها.
كما اعتبرت المحكمة أنّه وإنْ كان يحقّ للمدعي الشخصي أن يطلب إذن الملاحقة بحقّ المحامي الذي ينوي التقدّم بوجهه بادعاء جزائي مباشر، فإنّه يعود لهذا المدعي الشخصي أن يطلب إذن الملاحقة وأن يطعن بالقرار الصادر بهذا الخصوص في حال عدم إجابة طلبه، وليس لوكيله، إذ إنّ الوكيل بشخصه لا صفة له لطلب إذن الملاحقة كون هذا الإذن مختلفاً عن إذن التوكّل المنصوص عنه في المادة 94 من قانون تنظيم مهنة المحاماة.
وقضت بردّ الإستئناف المقدّم بوجه نقابة المحامين شكلاً، وبردّه في الأساس وتصديق القرار المستأنف.
وممّا جاء في القرار الصادر بتاريخ 2017/1/26:
ثانياً: في تشكيل الخصومة
حيث إنّ المستأنف قد تقدّم باستئنافه الراهن بوجه نقابة المحامين في بيروت والمحامي غ.ج.، وذلك طعناً في القرار الصادر عن مجلس نقابة المحامين بتاريخ 2015/12/17 والقاضي بردّ الإستدعاء المقدّم من المستأنف شكلاً.
وحيث إنّه تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ نقابة المحامين تصدر نوعين من القرارات: الأوّل يتعلّق بالمسائل التنظيمية المرتبطة بالتنظيم الداخلي للمهنة داخل صفوفها، والثاني يتعلّق بالمسائل التي تخرج عن هذا الإطار ومنها طلبات الترخيص بالملاحقة الجزائية وطلبات الإذن بالتوكّل أو إقامة الدعوى ضدّ محام، بحيث اعتبر أنّ الخصم في الحالة الأولى هو نقابة المحامين حرصاً على إفساح المجال أمامها لتبرير ما اتخذته من قرارات تنعكس على وضعها الداخلي، أمّا في الحالة الثانية فيكون الخصم هو من استجيب أو من رفض طلبه أيّ من كان فريقاً مواجهاً في المرحلة الابتدائية للخلاف أمام مجلس النقابة، فتكون النقابة في الحالة الأخيرة غريبة وغير معنية مباشرة في النزاع، الأمر الذي يحول دون توجيه الإستئناف ضدّها.
وحيث بناء على ذلك يكون القرار المستأنف مندرجاً في عداد المسائل التي تخرج عن الإطار التنظيمي الداخلي للمهنة داخل صفوفها، إذ إنّه يتعلّق بطلب إذن لملاحقة جزائية، ويكون النزاع الحالي قائماً بين طالب الإذن من جهة والمطلوب الإذن لملاحقته من جهة أخرى.
وحيث تبعاً لذلك، فإنّه يقتضي ردّ الاستئناف المقدّم بوجه نقابة المحامين في بيروت لانتفاء صفتها ويمسي معه الاستئناف الحاضر مقاماً بوجه المحامي(غ).
ثالثاً: في الأساس
وحيث إنّه يتبيّن من مراجعة أوراق الملفّ أنّ المستأنف شخصياً قد تقدّم بطلب منحه الإذن لملاحقة المستأنف عليه جزائياً بجرائم قدح وذمّ وتشهير بموكّله أمام مجلس نقابة المحامين سنداً للمادة /79/ من قانون تنظيم مهنة المحامين والذي خلص فيه المجلس إلى ردّ طلب الإذن شكلاً لعدم صفة طالبه.
وحيث إنّ حقّ الطعن بقرار ردّ طلب إذن الملاحقة ينحصر في من يتمتّع بالصفة لتقديمه طالب الإذن، إذ إنّ النزاع أمام محكمة الإستئناف يقوم بين طالب الإذن والمطلوب الإذن لملاحقته فلا يقبل أيّ طلب أو دفع أو دفاع عن شخص لا صفة له سنداً للمادة 9 أ.م.م.
وحيث إنّ المادة /79/ من قانون تنظيم مهنة المحاماة نصّت على أنّه لا يجوز ملاحقة المحامي لفعل نشأ عن ممارسة المهنة أو بمعرضها إلاّ بقرار من مجلس النقابة يأذن بالملاحقة ومجلس النقابة يقدّر ما إذا كان الفعل ناشئاً عن المهنة أو بمعرضها، يجب إصدار القرار بالإذن بالملاحقة أو لرفضه خلال شهر من تاريخ إبلاغ النقيب وقوع الفعل بكتاب خطّي، فإذا انقضت مهلة الشهر ولم يصدر القرار يعتبر الإذن ضمناً، تقبل قرارات مجلس النقابة وقرارات لجنة إدارة صندوق التقاعد الطعن أمام محكمة الإستئناف بمهلة خمسة عشرة (15) يوماً تلي التبليغ، على أن ينضمّ إلى هيئة المحكمة عضوان من مجلس النقابة يختارهما المجلس المذكور من بين أعضائه.
وحيث تطبيقاً للمادة الآنف ذكرها تثار مسألة تتعلّق بمن يحقّ له التقدّم بطلب إذن الملاحقة الجزائية أمام مجلس نقابة المحامين لملاحقة المحامي عن جرم جزائي مرتكب، حيث أناط النصّ بمجلس النقابة بصورة أوّلية وحده حقّ إعطاء الإذن في ما لم يحدّد الجهة التي تطلب إعطاءه، فالمادة /79/ المذكورة نصّت على حصانة للمحامي من الملاحقة، وقيّدت هذه الملاحقة بالإذن المذكور، وبوجوبية الحصول عليه قبل مباشرة العمومية وتحريكها، ما يعني ويفيد بأنّ هذه الحصانة هي من قبيل القيد على سير الدعوى العمومية بوجه المحامي، وهو لا يعتبر على الإطلاق تجريماً له إنّما يفسح المجال أمام إظهار للحقيقة.
وحيث إنّه عندما يحال طلب الإذن إلى نقابة المحامين، إنّما يحصل ذلك تمكيناً لمجلس النقابة من ممارسة سلطته في إعطاء الإذن أو حجبه عن هذا المجلس، وهذا القرار يصدر بناء لطلب موجّه من الجهة التي تريد ملاحقة المحامي.
وحيث إنّ المادة /5/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية نصّت على أنّ دعوى الحقّ العام، الرامية إلى ملاحقة مرتكبي الجرائم والمسهمين فيها وإلى تطبيق العقوبات والتدابير في حقّهم، منوطة بقضاة النيابة العامة المعنيين في هذا القانون، أمّا دعوى الحقّ الشخصي بالتعويض عن الضرر الناتج عن الجرائم فهي حقّ لكلّ متضرّر.
وحيث كذلك نصّت المادة /6/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنّه تتولّى النيابة العامة مهام ممارسة دعوى الحقّ العام. ولا يجوز لها أن تتنازل عنها أو أن تصالح عليها، يجوز إقامة دعوى الحقّ الشخصي تبعاً لدعوى الحقّ العام أمام المرجع القضائي المقامة لديه هذه الدعوى، كما يجوز إقامتها على حدة أمام المرجع المدني.
وحيث إنّ المادة /7/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية نصّت على أنّه للمتضرّر من الجريمة أن يتخذّ صفة الإدعاء الشخصي أمام قاضي التحقيق الأوّل في الجناية والجنحة أو أمام القاضي المنفرد في الجنحة والمخالفة، وله أن ينضمّ إلى الدعوى العامة أمام محكمة الجنايات، يحرّك المتضرّر بادعائه دعوى الحقّ العام إذا لم تحرّكها النيابة العامة. وله أن يرجع عن ادعائه الشخصي أو أن يصالح عليه دون أن يؤثّر ذلك على الدعوى العامة إلاّ في الأحوال التي تسقط فيها الدعوى العامة تبعاً لسقوط دعوى الحقّ الشخصي.
وحيث إنّه يتبيّن أنّ المواد المذكورة أعطت النيابة العامة حقّ إقامة الدعوى العامة وأولتها سلطة تولّيها وملاحقتها باعتبارها ممثّلة للمجتمع.
وحيث إنّ المشترع لم يحصر حقّ إقامة الدعوى العامة بالنيابة العامة بل أعطى المتضرّر الشخصي كذلك سلطة إقامتها عبر ادعائه المباشر أمام قاضي التحقيق أو القاضي المنفرد الجزائي وفرّق بين مفهومين هما إقامة الدعوى العامة وسلطة متابعتها، فأعطى النيابة العامة والمتضرّر الشخصي حقّ تحريك الدعوى العامة فيما حصر حقّ متابعتها بالنيابة العامة وحدها دون غيرها.
وحيث إنّه من المعلوم أنّ الإجراء الأوّل الذي تفتتح به الدعوى العامة هو الإدعاء أمام الجهات القضائية المختصة، وأنّ أثر الدعوى المباشرة أمام المحكمة أو قاضي التحقيق يعتبر كأثر الإدعاء المقدّم من النيابة العامة وله مفعول تحريك الدعوى العامة حيث يحلّ المتضرّر محلّ النيابة العامة في تحريك الدعوى العامة إلاّ أنّ مهمّته في ما يتعلّق بها تنتهي عند هذا الحدّ فلا يتجاوزه إلى متابعتها، بل تصبح عندها النيابة العامة مختصة بذلك، فالإدعاء الشخصي هو الإجراء الذي يحلّ بمقتضاه المدعي بالحقّ الشخصي محلّ النيابة العامة في تحريك دعوى الحقّ العام.
وحيث إنّ طبيعة الإذن المفروض للإدعاء بوجه المحامي يتمثّل بقيد يردّ على حرّية النيابة العامة (أو غيرها من الجهات المولجة تحريك الدعوى العامة كالمتضرّر الشخصي) في إقامة الدعوى العامة له الطابع الإستثنائي، وبالتالي يقتضي تفسير النصوص المقرّرة لها تفسيراً ضيّقاً لأنّ لا علاقة لها بأركان الجريمة وعناصرها وهي تمثّل عقبة إجرائية نحو المباشرة بإجراءات الملاحقة والمحاكمة.
وحيث بالتالي وإنطلاقاً ممّا سبق فإنّه يتضح وجوب اعتماد النصّ على حرفيته وضمن الحدود المرسومة فيه دون أن تتعدّاه إلى أخرى غير مذكورة، فطالما أنّه لم يرد في نصّ المادة /79/ من قانون تنظيم مهنة المحاماة على حصر تقديم طلب الإذن بالنيابة العامة دون غيرها، فيقتضي تطبيق القواعد الجزائية العامة المنصوص عنها لتحريك الدعوى العامة وفق ما صار بيانه آنفاً.
وحيث إنّ مجلس النقابة، ومن بعده المحكمة الحاضرة عند وصول الملفّ إليها، يقوم بالتدقيق في مدى إمكانية قبول طلب الإذن ومدى احتواء الطلب المذكور على ما يمسّ سمعة المحامي أو كرامته أو مهنته دون وجه حقّ، وبالتالي فإنّها تمارس رقابتها وسلطتها في إعطاء الإذن وبالتالي يكون الإمتياز الممنوح للمحامي محفوظاً ومحمياً بموجب هذه الرقابة، وبالتالي يجوز للمدعي الشخصي في الحالات المرخّص له قانوناً بتحريك الدعوى العامة أن يطلب الإذن بملاحقة المحامي جزائياً.
وحيث يتبيّن من جهة ثانية أنّ المدعي الشخصي في الدعوى المطلوب إذن الملاحقة بالإستناد إليها هو السيّد س. ش. بوكالة المحامي ج.ج. بينما يتبيّن أنّ المحامي ج. ج. شخصياً هو من تقدّم بطلب إذن الملاحقة وقام باستئناف قرار مجلس النقابة كذلك شخصياً.
وحيث إنّه وإنْ كان، عملاً بما تقدّم، يحقّ للمدعي الشخصي أن يطلب إذن الملاحقة بحقّ المحامي الذي ينوي التقدّم بوجهه بادعاء جزائي مباشر، فإنّه يعود لهذا المدعي الشخصي أن يطلب إذن الملاحقة وأن يطعن بالقرار الصادر بهذا الخصوص في حال عدم إجابة طلبه، وليس لوكيله، إذ إنّ الوكيل بشخصه لا صفة له لطلب إذن الملاحقة كون هذا الإذن مختلفاً عن إذن التوكّل المنصوص عنه في المادة 94 من قانون تنظيم مهنة المحاماة.
وحيث سنداً لما سبق لا يكون للمستأنف المحامي ج.ج. بصفته الشخصية أن يطلب إذن بملاحقة المحامي غ.ج. بمعزل عن المدعي الشخصي في الإدعاء الجزائي موضوع الدعوى، ما يستتبع ردّ طلب الإذن المقدّم من المحامي ج.ج. شخصياً لانتفاء صفته بطلب الإذن كونه ليس مدعياً في الإدعاء الجزائي المباشر المقدّم من وكيله بحقّ المحامي غ.ج.
وحيث على ضوء ذلك يمسي القرار المستأنف مستوجباً التصديق من حيث النتيحة التي توصّل إليها بردّ طلب إذن الملاحقة وذلك للأسباب والعلل المعتمدة من المحكمة في متن القرار الراهن.
وحيث بنتيجة الحلّ المساق، تغدو سائر الأسباب أو المطالب الزائدة أو المخالفة مستوجبة الردّ إمّا لكونها لاقت ردّاً ضمنياً أو لعدم تأثيرها على النزاع.
لذلك
تقرّر بالإجماع:
1- ردّ الإستئناف المقدّم بوجه نقابة المحامين شكلاً وقبوله لهذه الجهة بوجه المستأنف عليه المحامي غ.ج.
2- ردّ الإستنئاف الراهن في الأساس وتصديق القرار المستأنف من حيث النتيجة التي توصّل إليها سنداً لما أثبتته المحكمة في متن هذا القرار.
3- ردّ سائر الأسباب أو المطالب الزائدة أو المخالفة بما فيه طلب العطل والضرر.
4- مصادرة التأمين الإستئنافي، وتضمين المستأنف كافة.
قراراً صدر وأفهم علناً قي بيروت بتاريخ 2017/1/26.
"محكمة" – الأحد في 2020/8/30

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!