مجلس القضاء:للحفاظ على صندوق التعاضد وزيادة موارده ورفع الغبن المعنوي

0 44

 

"محكمة" – قصر عدل بيروت:

أكّد مجلس القضاء الأعلى أنّ "الإشراف القضائي على سير الانتخابات النيابية هو حاصل لا محالة"، وقال: "ليس القضاء من يعطّل سير الحياة الديموقراطية في لبنان وهي أساس وجوده".
موقف المجلس جاء على لسان رئيسه القاضي جان فهد خلال اجتماع قضاة لبنان في القاعة الكبرى لمحكمة التمييز في الطبقة الرابعة من قصر عدل بيروت حيث تلا البيان التالي نصّه:
"باسمِ السلطةِ القضائيةِ في لبنان،
وفي حضرة قضاة لبنان الشرفاء المستمسكين بالصبر، القائمين بالمهام الجسام في ظروفٍ ولا أصعب،
أُبيّن للرأي العام ما يلي:
إنها المرةُ الأولى التي يقفُ فيها أماَمكم رئيسُ مجلس القضاء الأعلى، ليعرُضَ للعلن واقعَ القضاء في لبنان في وقت اضطُر فيه القاضي، دفاعاً عن العدالة وعن الكرامة، ان يتوقف مكرهاً عن ممارسة مهامه التي أقسمَ يمينَ تأديتها.
قليلةٌ هي اللحظات في التاريخ، التي يشعرُ فيها القاضي أنه مصابٌ في استقلالهِ وفي كرامتِه لدرجةٍ تجعلُه قلقاً غير قادرٍ على إحقاقِ الحق، ومجبراً على الخروج عن موجب التحفّظ وعن موجب الترفّع.
إن القضاء العدلي في لبنان مؤلّف من 520 قاضياً في حين أن مِلاك القضاء العدلي هو 730 قاضياً، يخدمون ما يزيد عن الستة ملايين مواطن ومقيم؛ ويعملُ القاضي في ظروفٍ صعبة للغاية، ففي محكمة التمييز يتشارك كلُّ أربعةِ مستشارين غرفةً واحدة، وهذا الأمر ينسحب على معظم المحاكم. وإن الدوائر القضائية هي من الدوائر الرسمية القليلة التي لم تدخُلْها المكننةُ لتاريخه، فليس في أقلام المحاكم لغاية الآن جهازَ كومبيوتر واحد. كلُّ ذلك جعل لبنان في أسفل ترتيب البلدان العربية إن من حيثُ نسبةِ عددِ القضاة لعدد السكان، أو من حيث تجهيز المحاكم وعدد المساعدين القضائيين فيها.
رغم ذلك، تعالى القاضي على ظروف عمله وتابع مسيرتَه بصمت وتحفّظٍ وترفُّعٍ حفاظاً على قسمه وعلى صورته وعلى صورة العدالة، ففصَلَ في العام القضائي 2016-2017 مئةً وخمسين ألفًا ومئةً وسبعًا وخمسين /150157/ قضيّة، من اصل مئةً واثنين وخمسين ألفًا ومئتين وأربعًا وثلاثين /152234 / قضيّة وردَت إليه في الفترة عينها؛ لا بلّ كان سبّاقاً في تطوير نفسه، فأخضعَ القضاءَ لمبادئَ أخلاقيةٍ مكتوبةٍ منذ العام 2005، وقد شكّلت مخالفَتُها سبباً لصدور ما يزيد عن خمسين قرارٍ تأديبيّ؛ كذلك أدخل القضاءُ نظام الهيئات الاستشارية المنتخبة في المحاكم في العام 2014 لتحسين إدارتها في ظل الإمكانات المتواضعة المتوافرة لها، كما أدخل نظامَ التنشئةِ المستمرة للقضاة في العام 2015، ونظامَ تقييم العمل القضائي في العام 2017، فأصبحَ رائداً في العالم العربي في مجال تطوير عمل القاضي، وكان ذلك سبباً لدعوة لبنانَ لعرضِ هذه التجربة في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الأمم المتحدة المقرَّر عقدُه في فيينا الشهر المقبل لإطلاق شبكة النزاهة القضائية العالمية. وهذا يبيّن مدى تصميمِ القاضي اللبناني على العمل وعلى التطوّر بالرغم من جميع الصعاب؛ بيد أن القاضي هو أيضاً إنسانٌ له قدرةٌ على التحمّل، له أوقات قوة وأوقات ضعف، له أوقات شجاعةٍ وأوقاتُ قلق، فيقتضي تحصينُه واحتضانُه لكي لا يكونَ مضطراً كل يوم إلى الولوج إلى أعماق فكره وقلبه ووجدانه من اجل أداء عمله بالصورة التي يراها المواطنُ والمتقاضي لازمةً للعدالة.أمّا مكافحة الفساد في الإدارة فإنها غيرُ متوقفةٍ على مبادرة من القضاء، بل تنتظرُ من السادة النواب إقرارَ التعديلات التشريعية اللازمة التي تُفسِحُ للقاضي ملاحقةَ كلَّ مسؤول فاسد بعيداً عن الحصانات القانونية الموجودة.
لقد شهدَ القاضي بصمت صدور قانون السير في العام 2012، الذي نزعَ ضمانتَه انة القاضي في رقم سيارةٍ في وقت لا يحوز على سيارة رسمية لأداء مهامه الرسمية؛ ليس فقط للانتقال إلى مركز عمله ومنه، بل لإجراء التنقلات التي تستوجبها مهامه؛ كما خفّضَ القانونُ المذكور بشكلٍ كبير حصةَ صندوق تعاضد القضاة في غرامات السير وحوّلها إلى جهات أخرى.
لقد شهد القاضي بصمت إقدام الحكومة في العام 2016 على سحبِ اقتراح قانون تعديل المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي من أمام الهيئة العامة لمجلس النواب، لمزيد من الدرس؛ في وقت كانت تئن فيها المحاكم تحتَ وطأة عدم صدور أربعة مشاريع تشكيلات قضائية أعدّها مجلس القضاء الأعلى دون أن تجدَ طريقها إلى النفاذ في مرسوم جمهوري.
لقد شهدَ القاضي بصمت صدور القانون رقم 46/2017 الذي رفع رواتب موظفي الدولة، ومنح بعضهم ثلاث درجات اقدميةٍ وبعضهم الآخر خمس درجات لتصبح رواتب موظفي الفئة الأولى وبعض رواتب موظفي الفئة الثانية أعلى من رواتب القضاة. وقد أوجب هذا القانونُ عينهُ، ودون استشارة مجلس القضاء الأعلى، كما توجبه المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي، إعادةَ النظرِ بالتقديمات الاجتماعية للقضاة مجيزاً للحكومة توحيدَ تقديمات صناديق التعاضد واعتبار صندوق تعاضد القضاة من بينها.
لقد جهد مجلسُ القضاء الأعلى لإعلام المسؤولين، جميع المسؤولين في السلطتين التشريعية والتنفيذية بخطورة المنحى الذي تتخذه العلاقةُ بين السلطتين التشريعية والتنفيذية مع السلطة القضائية، باستحالة إحقاق الحق من قبل قاضٍ قلقٍ على حاضره وعلى مستقبله، وتقدّم مجلسُ القضاءِ الأعلى بدراسات وبمشاريعَ قوانين إلى الحكومة لرفع الغبن الذي لحق بالقاضي، إلاّ أن الوعود التي تلقّاها لم تُثمر حتى هذه الساعة قوانين ترفع هذا الإجحاف الذي لا قدرة لعددٍ كبيرٍ من القضاة على احتماله، ما دفعهم إلى الاعتكاف عن أداء المهام القضائية.إن هذا الاعتكاف الأمس واليوم ليس تباهياً بقوة أو تهديداً لسلطة، بل فقط للفت النظر إلى أن ما يحصل من شأنه أن يدّمر ما تبقى من السلطة القضائية، في حاضرها ومستقبلها؛ ولا أدلُّ على ذلك سوى انحسار عدد المتقدمين للاشتراك في مباريات الدخول إلى معهد الدروس القضائية، فالكثير من الطاقات الحقوقية الشابة لم تعد ترى في القضاء مستقبلاً لها، حتى الكثيرُ من أبناء القضاة، من خريجي معاهد الحقوق، يديرون ظهرهم للقضاء اللبناني ويتوجهون للعمل في القطاع الخاص. وهذا ما ينبئ عن مستوى القضاء في المستقبل. وإذا كان التاريخ قد حفظ عبارات ونستن تشرشل عن دور القضاء البريطاني كحافظ لركائز الدولة في بلاده خلال الحرب العالمية الثانية، فيقتضي لنا أن نتذكر أيضاً الضمانات المعنوية والمادية التي كانت ترعى ولا تزال القضاء البريطاني.
لقد اخترت الإطلال إعلامياً تزامناً مع انعقاد جلسة المجلس النيابي لمناشدة السلطتين التشريعية والتنفيذية دون أي تحدٍ، إقرار القوانين التي تحفظ كرامة القاضي واستقلالَه، وتعيدُ بعضاً من الطمأنينة لمن ائتمنه الدستور على نفوس المواطنين وأموالهم ليتمكن من إحقاق الحق بالصورة التي يتطلع إليها كلّ مواطن وكلّ مظلوم وكلّ طالب حق وكل مستثمر لبناني أو اجنبي.
إن أية مقارنة بين القضاء وبين التدريس الأساسي أو الجامعي وممارسة أية وظيفة عامة هي مقارنةٌ في غير محلّها، وإن كان البعض يستعملُها سبيلاً لزيادة مكتسباته، فالدستورُ أوجب إيجادَ الضمانات اللازمةِ للقاضي لكي يمارسَ مهامَه باستقلالية تامة، فالقاضي لا يتقاضى راتباً مقابلَ عملِه سنداً لقانون العمل أو لقانون الموظفين أو قانون الموجبات والعقود، بل يتقاضى راتباً وتقديماتٍ اجتماعيةً لضمانِ ممارسته لسلطة الحكم باسم الشعب اللبناني باستقلال وتجرد وحيادية.
ولا بدّ من التأكيد أمام الملأ على أن الإشراف القضائي على سير الانتخابات النيابية هو حاصل لا محالة فليس القضاء من يعطل سير الحياة الديمقراطية في لبنان وهي أساس وجوده. ليس القضاء من ينزع من المواطن حقه الدستوري في اختيار ممثليه في المجلس النيابي. ليس القضاء من يمارس الظلم الذي يعاني منه على سلطة أخرى بمناسبة إعادة تكوينها. فمهما عظمت الصعاب ومهما كبرت التضحيات لا بدّ من المحافظة على حق الشعب، وهو مصدر السلطات، في إعادة تكوين السلطات في لبنان. هذا الشعب اللبناني الذي باسمه تصدر جميع الأحكام القضائية. فالإشراف على سير الانتخابات النيابية هو واجب على كل قاض معني به وهو خارج عن أي مساومة وقائم بمعزل عن أي تطورات من أي نوع كانت.إن المسيرة نحو تعزيز استقلال السلطة القضائية واردة في صلب خطاب القسم لفخامة رئيس الجمهورية، وهو في عقل دولة رئيس المجلس النيابي وقلبه، وهو أساسُ الاستثمار الحرّ الذي ينادي به دولةُ رئيس مجلس الوزراء، واستقلال السلطة القضائية وراد في البيان الوزاري وقد أكّد عليه فخامة رئيس الجمهورية في افتتاح السنة القضائية، وقد تترجم في صدور مرسوم التشكيلات القضائية ما أتاح انطلاقة جديدة للمحاكم ورفد صندوق تعاضد القضاة في نهاية العام 2017 بمبلغ مليار ونصف مليار ليرة لبنانية إضافي.
إنني وفي الختام وباسم السلطة القضائية في لبنان اناشد مجدداً فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس النواب ودولة رئيس مجلس الوزراء ومعالي وزير العدل، وسعادة النواب الكرام المجتمعين اليوم في العقد التشريعي العمل على إقرار مشاريع القوانين التي تقدّم بها مجلس القضاء الأعلى للحكومة وللمجلس النيابي الكريم لاسيّما تلك المتعلّقة بالحفاظ على صندوق تعاضد القضاة وزيادة موارده والأخرى الرامية الى منح القاضي ثلاث درجات ترفع ذلك الغبن المعنوي عنه، كلّ ذلك تفعيلاً لمبدأ استقلالية القضاء، وتأكيداً على حتمية التعامل معه على اساس أنّه سلطة، وتفعيلاً لمُبتغى المبدأ الدستوري الأسمى، وهو مبدأ الفصل بين السلطات، فضلاً عن المبدأ الدستوري الآخر الذي يُملي التفاعل والتعاون بينها سبيلاً لتحقيق المصلحة العامة.
عشتم،
عاش القضاء محصّناً أبيّاً،
عاش لبنان.
"محكمة"- الخميس في 2018/03/29

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!