"محكمة" تنشر اجتهاداً قضائياً جديداً يبتّ خلافات ناشئة بين المحامين وموكّليهم بشأن الأتعاب/علي الموسوي

0 8٬337

كتب علي الموسوي:
كثيراً ما تنشأ خلافات بين المحامين وموكّليهم بشأن الأتعاب تقتضي تدخّل نقابة المحامين لفضّها ومعالجتها أو الذهاب إلى المحكمة المعنية لإيجاد المخرج القانوني المناسب لها وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، فليس بالضرورة أن يكون المحامي دائماً محقّاً في ما يذهب إليه من مطالبة بثمن الجهد المبذول منه في متابعة دعاوى موكّليه حتّى النهاية، ولا يفترض بالموكّل أن يحاول في بعض الأحيان، التملّص ممّا اتفق عليه مع المحامي خلال مسيرة دعواه أمام القضاء سواء ربحها أو خسرها، فالأتعاب ليست محصورة بنتيجة الدعوى، ولكنّها حتماً تزيد من رصيد المحامي المعنوي على أقلّ تقدير.
إقرار
وفي قرار مبدئي مهمّ في مسألة الخلافات حول الأتعاب، أصدرته القاضية رندى نجيب كفوري، ثبّت النظرية القائلة بأنّ المحامي الذي يسلّم موكّله ملفّاتِه وورقةً تجيز له توكيل محام آخر من دون أن يتحفّظ بشأن أتعابه، يكون ذلك إقراراً منه بأنّه تقاضى كامل أتعابه.
وإنْ كانت الأتعاب في شكلها الخارجي الجوهري مالاً، إلاّ أنّها تعبّر عن قيمة الوقت وإعمال الذهن في تفاصيل القضيّة المعروضة على المحامي لإيصالها إلى برّ النجاح، وإلاّ التخفيف من وهج الخسارة المتمثّلة بالعقوبة المنتظرة سواء أكانت حبساً أو غرامة، أو فقداناً لما اعتقده صاحب القضيّة المدعي أو المدعى عليه، حقّاً له، وهو لم يكن كذلك على الإطلاق.
حبس الملفّات
ويرى نقيب المحامين الأسبق عصام كرم في حديث مع "محكمة" أنّ الأتعاب شغلة مقدّسة، وهي تتعلّق بمستوى المحاماة، معتبراً أنّ طريقة المطالبة بالأتعاب هي طريقة نبيلة وكريمة تنمّ عن ترفّع من جهة، وعن تمسك بالحقّ من جهة ثانية.
وقد أعطت المادة 93 من قانون تنظيم مهنة المحاماة، المحامي سلطة موازية لسلطة نقيب المحامين، على حدّ تفسير النقيب كرم الذي يشرح بأنّ المحامي الذي يُطْلَب منه التوكّل في قضيّة ويعرف بأنّ زميلاً له كان وكيلاً فيها، فإنّه يتوجّب على المطلوب منه التوكّل، أن يعود إلى هذا الزميل أو النقيب للإذن بالتوكّل، وذلك من أجل تحصيل الأتعاب.
ومن المعروف أنّ للمحامي الحقّ بحبس الملفّات وعدم تسليمها إلى صاحبها ما لم يكن قد تقاضى أتعابه المتفق عليها منذ البدء، فلماذا يتنازل عن هذا الحقّ ويتوجّه إلى القضاء ما دام أنّه يستطيع تحصيل حقوقه بنفسه؟ يسأل النقيب كرم.
وبالعودة إلى قرار القاضية كفوري، فإنّه يبحث في قضيّة تسليم المحامي الملفّات إلى موكّله وحصوله بالمقابل على براءة ذمة منه، ثمّ إثارته من دون وجه حقّ، مسألة عدم تقاضي الأتعاب بالكامل بداعي أنّها لم تدفع له، لأنّ اتفاقاً حصل بأن يكون التسديد في مهلة شهر، من دون أن ينجح المحامي المعني في إثبات مقولته هذه، ممّا دفع بالقاضية كفوري إلى اعتبار نيله براءة ذمّة من الموكّل قرينة واضحة على أن حقوقه المادية قد وصلته بالكامل ومن دون أيّ نقصان وبحسب ما هو متفق عليه سابقاً، وإلاّ لكان ذكر في كتاب تسليم الملفّات أنّه لم يتقاض أتعابه لكي يحفظ حقّه في المطالبة بها في أيّ وقت.
"محكمة" تتفرّد بنشر قرار القاضية كفوري لأهمّيته القانونية، وإضاءته على موضوع حسّاس لا يزال يشغل بال المحامين ويأخذ الكثير من أوقاتهم ويومياتهم.
قرار
باسم الشعب اللبناني
إنّ رئيس الغرفة التاسعة في محكمة استئناف جبل لبنان المكلّف بالنظر بالدعوى الراهنة
لدى التدقيق، تبيّن أنّه بتاريخ 1-3- 2012، تقدّم المدعي المحامي أمين أبو جودة وكيله الأستاذ رستم أبو جودة، بدعوى بوجه السيّدتين تريز وسميرة عوّاد، عارضاً أنّه توكّل عن المدعى عليهما بموجب ثلاث وكالات قضائية، ولاحق عدّة ملفّات عائدة لهما، إلى أن طلبتا منه تسليمهما الملفّات ففعل، ووقّع إفادة بأنّ لا مانع لديه من توكيل محام آخر، على أن يصار إلى تسديد الأتعاب والنفقات بمهلة شهر، إلاّ أنّهما تمنّعتا عن ذلك، لذا فهو يطلب إلزامهما بدفع مبلغ 12 ألف دولار أميركي يمثّل الأتعاب والنفقات مع الفائدة القانونية من تاريخ تسليم الملفّات، وبدفع بدل عطل وضرر قدره ثلاثة آلاف دولار أميركي وبتضمينهما النفقات،
وتبيّن أنّه بتاريخ 8-11-2012 تقرّر شطب الدعوى لعدم حضور المدعي، وأنّه بتاريخ 3-12-2012 تمّ تعيين جلسة بناء لطلبه،
وتبيّن أنّه بتاريخ 21-10-2013 شُطبت الدعوى مجدّداً، ثمّ أعيدت إلى الجدول، بناء لطلب المدعي في 5-12-2013،
وتبيّن أنّه بتاريخ 15-10-2014 أبرزت المدعى عليها السيّدة تريز عوّاد، وكيلها النقيب عصام كرم، لائحة جوابية عرضت فيها أنّه إثر المخالصة بين الفريقين سلّمها المدعي الملفّات، ووقّع إفادة أكّد فيها على أنْ لا مانع لديه من توكيل محام آخر، وأضافت أنّ الإفادة لم تُشر إطلاقاً إلى وجوب تسديد أيّة أتعاب أم نفقات بمهلة شهر، بل تضمّنت إبراء صادراً عنها بناء لطلبه على سبيل تبادل إبراء الذمم بينهما، وطلبت بالنتيجة ردّ الدعوى وتضمين المدعي النفقات،
وتبيّن أنّه بتاريخ 15-10-2014، تقدّمت السيّدة سميرة عوّاد، وكيلتها الأستاذة ريتا أبي صالح، بلائحة ركّزت فيها على أنّ المدعي قبض كامل أتعابه والمصاريف والرسوم التي سدّدها، وصرّح، عند تسليمه الملفّات أمام السيّدة جورجيت أبو جودة، أنّ حقوقه قد وصلته كاملة، مبرزة إفادة موقّعة من هذه الأخيرة، وطالبة ردّ الدعوى وتضمين المدعي النفقات،
وتبيّن أنّ مجلس نقابة المحامين أبدى رأيه، فعلّقت عليه المدعى عليهما وأشارتا إلى أنّ تنازل المدعي عن الضمانات التي أعطاها المشترع للمحامي المنصوص عليها في المادة 93 محاماة وفي قانون الموجبات يدلّ على تسديد أتعابه،
وتبيّن أنّه بتاريخ 21-5-2015، كلّفت المحكمة المدعي ببيان الأعمال التي قام بها في كلّ من الملفّات موضوع الدعوى والمستندات المؤيّدة لمطالبه وبتحديد المبالغ التي قبضها من المدعى عليهما، كما كلّفت المدعى عليهما بإبراز الإيصالات أم صور الشيكات التي بحوزتهما والتي تثبت التسديد،
وتبيّن أنّه بتاريخ 15-6-2015، أبرزت الأستاذة أبي صالح لائحة إنفاذاً للقرار الإعدادي أدلت فيها بأنّ الأتعاب كانت تسدّد دون الاستحصال على إيصالات بالمبالغ المدفوعة، وأنّ المدعي هو الذي طلب من المدعى عليها تريز عوّاد الحضور إلى مكتبه واستلام الملفّات، الأمر الذي يدلّ على تسديد الأتعاب، كما تؤكّد التسديد المذكور إفادة السيّدة جورجيت أبو جودة،
وتبيّن أنّ المدعي أبرز في 6-7-2015، لائحة إنفاذاً للقرار الإعدادي أدلى فيها بأنّ المبالغ المسدّدة من المدعى عليهما كانت تغطّي الرسوم والنفقات المدفوعة، وكرّر فيها ما جاء في الاستحضار دون تفصيل الأعمال التي قام بها، ودون إبراز أيّ مستند،
وتبيّن أنّه بتاريخ 16-11-2015، تقرّر شطب الدعوى مجدّداً لعدم حضور المدعي،
وتبيّن أنّ المدعى عليهما أبرزتا لائحة في 28-11-2015، وطلبتا إعادة الدعوى إلى جدول المرافعات، وكرّرتا أقوالهما،
وتبيّن أنّه بتاريخ 25-4-2016، كرّر المدعي وترافعت الأستاذة أبي صالح مشيرة إلى التناقض في مواقف المدعي الذي أرسل إنذاراً إلى المدعى عليهما طالب فيه بمبلغ خمسة آلاف دولار أميركي، في حين أنّه طالب في الدعوى بإثني عشر ألف دولار أميركي، وإلى عدم تحفّظ المدعي عند تسليمه المدعى عليهما الملفّات وتوقيعه إفادة بأن لا مانع لديه من توكيل محام آخر، كما وإلى عدم تنفيذه القرار الإعدادي، طالبة ردّ الدعوى وتضمين المدعي الرسوم والأتعاب والنفقات،
وتبيّن أنّ الأستاذ كرم ترافع أيضاً مدلياً بعدم جديّة الدعوى التي شطبت عدّة مرّات لعدم حضور المدعي ولعدم متابعته الدعوى، ولافتاً إلى التناقض في أقوال المدعي ومطالبه، وإلى عدم تنفيذه القرار الاعدادي وتنازله عن الضمانات التي أعطاها المشترع للمحامي، وطلبه من موكّلته إبراء ذمّته، وكلّها أمور تدلّ على أنّ أتعابه سدّدت، طالباً بالنتيجة ردّ الدعوى وتضمين المدعي بدل عطل وضرر قدره خمسون مليون ليرة لبنانية.
بناء عليه
حيث إنّ المدعي يطلب إلزام المدعى عليهما بتسديد مبلغ 12 ألف دولار أميركي بدل الأتعاب والنفقات مع الفائدة من تاريخ تسليمهما الملفّات، وبدفع تعويض عن العطل والضرر قدره ثلاثة آلاف دولار أميركي،
وحيث إنّ المدعى عليهما تطلبان ردّ الدعوى، لأنّهما سدّدتا الأتعاب والنفقات كافة،
وحيث إنّ قيام المحامي بتسليم الملفّات لموكّله دون أيّ تحفّظ وبعد الاستحصال من هذا الأخير على براءة ذمّة يشكّل قرينة على أنّ حقوقه قد وصلته، أمّا إدلاء المدعي بأنّ التسليم حصل على أن يصار إلى تسديد الأتعاب بمهلة شهر، فبقي مجرّداً عن أيّ دليل، علماً بأنّه لو صحّ هذا الأمر، لكان دُوّن في كتاب تسليم الملفّات شأنه شأن براءة الذمّة التي استحصل عليها من موكّلته،
وحيث في ضوء القرينة المشار إليها أعلاه، كما وفي ضوء تغيّبه تكراراً عن حضور جلسات المحاكمة، وعدم تحديده الأعمال التي قام بها في الملفّات التي يطالب بأتعاب عنها، وعدم إبراز صور عن اللوائح أو المحاضر العائدة لها رغم تكليفه بذلك، يقتضي ردّ الدعوى لعدم الثبوت، كما يقتضي ردّ سائر الأسباب والطلبات الزائدة أم المخالفة، بما فيها طلب بدل العطل والضرر المقدّم من المدعى عليها تريز عوّاد لعدم توافر شروطه،
لذلك نقرّر ردّ الدعوى وتضمين المدعي النفقات،
قراراً صدر وأفهم علناً في 30-5-2016".
(نشر في مجلّة "محكمة" – العدد 9- تموز 2016).

*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً على أيّ شخص، طبيعيًا كان أم معنويًا وخصوصًا الإعلامية منها، نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر، مع وجوب ذكر إسم موقع "محكمة" الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، كما يمنع نشر وتبادل أيّ خبر بطريقة الـ"screenshot" ما لم يرفق باسم "محكمة" والإشارة إليها كمصدر، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!