"محكمة" تنشر قراراً قضائياً فريداً:"نموذج العقد الإلزامي" بين المهندس والزبون ليس عقداً

0 94

كتب علي الموسوي:
التحكيم ليس بديلاً عن القضاء للفصل في النزاعات الناشئة بين المتعاقدين المتمتّعين بالشخصية القانونية المستقلّة عن نقابة المهندسين، لأنّ المشرّع في الأصل، لم يمنح هذه النقابة وسواها من نقابات المهن الحرّة، الحقّ في فرض التحكيم في العقود في حال نشأت خلافات أثناء تنفيذ الموجبات التعاقدية، فالقضاء العادي يبقى صالحاً، وكلّ ما يشير من قريب أو بعيد إلى التحكيم يكون مردوداً.
هذا ما توصّل إليه القاضي جان طنوس بوصفه قاضياً منفرداً ناظراً في القضايا المالية والتجارية في بيروت، في قرار أصدره بهذا الخصوص وعالج فيه هذه النقطة القانونية التي لطالما أثارت الجدل الواسع بين أهل القانون.
ففي الأساس، أنّ العقد ينشأ نتيجة التقاء إرادتي الطرفين بحرّيّة ومن دون قيود مسبقة، ولكن شريطة التزام النظام العام كما هو وارد في غير مادة من قانون الموجبات والعقود، وبالتالي فإنّ التقيّد بنموذج إلزامي صادر عن نقابة المهندسين ويتضمّن بنداً تحكيمياً، يعتبر إتفاقاً إكراهياً يكبّل الحرّيّة الممنوحة للشخص للموافقة على التعاقد لترتيب إلتزامات على نفسه، أو رفضه للتخلّص منها، لأنّ هذا الأمر يتعارض والقانون الذي منح نقابة المهندسين سلطة إصدار مجموعة قواعد تنظيمية خاصة تتعلّق بالمهندسين حصراً ولا تشمل حقوق سواهم حتّى ولو وقّعوا اتفاقيات مع مهندسين، ذلك أنّ نقابة المهندسين مسؤولة عن حقوق أعضائها فقط ولم يمنحها المشرّع سلطة أوسع، إذ يبقى هذا المشرع صاحب السلطة الوحيدة في إصدار القوانين الملزمة للجميع.
وفي ظلّ عدم وجود نصّ قانوني صريح وواضح يمنح نقابة المهندسين حقّ فرض التحكيم الإلزامي على كلّ شخص يتعامل مع المهندسين المنتمين إليها، وعدم وجود بند تحكيمي تعاقدي بين فريقي النزاع، يصبح الحديث عن وجوب حلول التحكيم مكان القضاء العادي غير ذي جدوى، ويكون هذا القضاء صالحاً للنظر في النزاع والبتّ فيه سلباً أو إيجاباً.
ويكتسي قرار القاضي طنوس أهمّية خاصة لأنّه انتصر للقضاء العادي وأحلّه مكان التحكيم، ليس لأنّه أحد أعضاء القضاء العادي، وإنّما لأنّ ما ذهب إليه يتوافق منطقياً والقانون.
ولم يجر استئناف هذا القرار بعيد صدوره في الخامس من نيسان من العام 2016، ليصبح نهائياً، مكرّساً نهجاً جديداً في التعاطي مع العقد الإلزامي الصادر عن نقابة المهندسين في بيروت، وليؤكّد أنّه ليس عقداً على الإطلاق، فماذا في تفاصيل هذا القرار غير المسبوق في نتيجته الفريدة من نوعها؟.
باسم الشعب اللبناني
إنّ القاضي المنفرد الناظر بالقضايا المالية والتجارية في بيروت،
لدى التدقيق،
تبيّن أنّ المدعيين دولي شقير وجو حكيم، بوكالة المحامي سمير عبد النور، إستحضرا أمام هذا القاضي بتاريخ 21/1/2015 المدعى عليه كامل عبود، وطلبا إعلان فسخ الاتفاقيتين الموقّعتين في 14/6/2010 و19/11/2010 على مسؤولية المدعى عليه سنداً لأحكام المواد 636 و664 و449 م.ع. وإلزام المدعى عليه بإعادة المبالغ التي قبضها والبالغة قيمتها /45000/ دولار أميركي مع الفائدة القانونية لحين الدفع الفعلي، وإلزام المدعى عليه بتسديد مبلغ عشرين مليون ليرة لبنانية كعطل وضرر سنداً لأحكام المواد 122 و123 و254 و255 م.ع.، وبسحب توقيعه من مشروع الرخصة المتعلّقة بالعقار رقم 3262 من منطقة بعبدا العقارية لدى نقابة المهندسين، وتضمينه النفقات كافة،
وأنّ المدعى عليه، بوكالة المحامي نديم سعيد، دفع بتاريخ 10/2/2015 بعدم اختصاص هذا القاضي لرؤية الدعوى لوجود بند تحكيمي يرعى العلاقة التعاقدية مع المدعيين وتضمينهما النفقات كافة، مدلياً أنّه بتاريخ 14/6/2010 وافق المدعيان على عرض أتعاب تقدّم به، يتضمّن في متنه بوجوب استكماله عبر التوقيع على الاتفاقية المنظّمة من قبل نقابة المهندسين في بيروت والتي تمّ توقيعها فعلاً بتاريخ 19/11/2010 وهذه الاتفاقية تتضمّن بنداً تحكيمياً يوجب حلّ جميع الخلافات التي تنشأ عن الاتفاقية أو أيّ من ملاحقها بشأن تفسير أو تنفيذ أيّ من بنودها أو يتعلّق بها مباشرة أو غير مباشرة، عن طريق التحكيم بواسطة محكّم فرد أو ثلاثة محكمين، وأنّه سنداً لأحكام المادتين 52 و53 أ.م.م. يكون القضاء العادي غير مختص لرؤية الدعوى بعد أن تمسّك بالبند التحكيمي المذكور، وطالب العمل به،
وأنّ المدعيين قدّما بتاريخ 26/2/2015 لائحة جوابية أدليا فيها أنّ عرض بدل الأتعاب المؤرّخ في 14/6/2010، إنتقل من مجرّد كونه عرضاً، إلى إتفاقية أتعاب مقابل أعمال هندسية بعد أن وافق عليها الفرقاء وذيّلوها بتواقيعهم قبل أن يباشروا تنفيذ هذه الإتفاقية وحدها دون اتفاقية نقابة المهندسين، وذلك إنْ من ناحية الأتعاب، أو من ناحية الأعمال موضوعها وأنّ اتفاقية 14/6/2010 نصّت في البند e منها على أنّها ستستكمل بالاتفاقية الرسمية لنقابة المهندسين لغايات التسجيل في النقابة بغية التمكّن من الاستحصال على رخصة بناء، في حين أنّ الاتفاقية الثانية لم تُطبّق في أيّ من بنودها، سواء لناحية الأتعاب أو لناحية الأعمال، أو لناحية المهل، بالرغم من تضمينها بنوداً ترعى هذه المسائل، وبالتالي، فإنّ الاتفاقية الوحيدة التي ترعى علاقتهما هي اتفاقية 14/6/2010، أمّا إتفاقية نقابة المهندسين فلم تكن سوى نموذج شكلي وصوري من أجل الحصول على رخصة بناء، وهذا ما دفعهم إلى توقيعها، وأنّ القضاء العادي هو المختص للنظر بأيّ نزاع ينشأ بين الأفراد وإذا كان لهؤلاء حرّيّة نقل الاختصاص من المحاكم العادية إلى التحكيم، فإنّ هذا الأمر لا ينزع عن المحاكم إختصاصها للنظر بالنزاع، لأنّها صاحبة الاختصاص الطبيعي، فيما التحكيم هو الاستثناء، وأنّ قانون أصول المحاكمات المدنية لا ينصّ في أيّ من بنوده على منع اللجوء إلى المحاكم العادية في حال الاتفاق على التحكيم، لأنّ توسّل القضاء العادي لا يشكّل مخالفة للنظام العام، أو لصيغة جوهرية ممّا يقتضي معه ردّ الدفع بعدم الاختصاص، وقدّم المدعيان طلباً إضافياً أدليا فيه أنّ البند التحكيمي باطل لعلّة الصورية لأنّه خلال الفترة الممتدة بين تاريخ التوقيع على الاتفاقية الأولى، وتاريخ التوقيع على الاتفاقية الثانية، تمّ اعتماد بنود الاتفاقية الأولى، وأنّ سبب توقيع الاتفاقية الثانية هو الحصول على رخصة البناء، في حين أنّ نيّة الفرقاء الحقيقية إتجهت إلى تطبيق إتفاقية 14/6/2010، غير المتضمنة أيّ إشارة إلى التحكيم، وأضافا بأنّ البند التحكيمي المشار إليه في الاتفاقية الثانية باطل لعدم تحديد كيفية تعيين المحكّمين بأشخاصهم وصفاتهم سنداً لأحكام المادة 763 فقرة 2 أ.م.م.، ولمخالفته لأحكام نصّ المادة 764 أ.م.م. لجهة استبعاد اختصاص رئيس الغرفة الابتدائية لتعيين المحكّم لصالح نقيب المهندسين في بيروت، ليخلص المدعيان بالنتيجة، إلى طلب ردّ الدفع بعدم الاختصاص، وإعلان بطلان البند التحكيمي، وكرّرا مطالبهما السابقة،
وأنّ المدعى عليه قدّم بتاريخ 12/5/2015 لائحة جوابية أكّد فيها صحّة البند التحكيمي، وعرض لأسباب دفاعه في أساس النزاع.
وأنّ المدعيين قدّما بتاريخ 3/6/2015 لائحة جوابية طلبا فيها عدم قبول لائحة المدعى عليه الأخيرة، لأنّها مقدّمة خارج مهلة العشرة أيّام المحدّدة في المادة 66 أ.م.م.، وكرّرا أقوالهما السابقة،
وبتاريخ 8/7/2015 قدّم المدعيان مذكّرة بأقوالهما،
ردّ نقابة المهندسين
وأنّ نقابة المهندسين في بيروت قدّمت بتاريخ 22/10/2015 مذكّرة أدلت فيها أنّها تعتمد عقداً نموذجياً إلزامياً يتضمّن نسبة أتعاب المهندس في مجال البناء، كما يتضمّن بنداً تحكيمياً لحلّ جميع الخلافات التي قد تنشأ بين المالك والمهندس بشأن تفسير أو تنفيذ الاتفاقية،
وأنّ المدعيين قدّما بتاريخ 19/11/2015 لائحة جوابية كرّرا فيها أقوالهما السابقة والمطالب، وأكّدا أنّ الاتفاقية الموقّعة لدى نقابة المهندسين، هي إتفاقية صورية والبند التحكيمي الوارد فيها غير ملزم،
وفي الجلسة المعقودة أمام هذا القاضي بتاريخ 26/1/2016 حضر وكيل المدعيين، ووكيل المدعى عليه، وكرّرا أقوالهما السابقة والمطالب، وختمت المحاكمة أصولاً،
وبتاريخ 27/1/2016 قدّم المدعى عليه مذكّرة بأقواله،
بناء عليه
أوّلاً : في الدفع بعدم قبول الدعوى لوجود بند تحكيمي،
حيث إنّ المدعيين يطلبان فسخ الاتفاقيتين الموقّعتين في 14/6/2010 و19/11/2010 على مسؤولية المدعى عليه سنداً لأحكام المواد 636 و664 و449 م.ع.، وإلزام المدعى عليه بإعادة المبالغ التي قبضها والبالغة قيمتها /45000/ دولار أميركي مع الفائدة القانونية لحين الدفع الفعلي، وإلزام المدعى عليه بتسديد مبلغ عشرين مليون ليرة لبنانية كعطل وضرر،
وحيث إنّ المدعى عليه يدفع بعدم وجوب قبول الدعوى لوجود بند تحكيمي في اتفاقية 19/11/2010،
وحيث إنّ المدعيين يطلبان إعلان بطلان البند التحكيمي الوارد في اتفاقية 19/11/2010،
وحيث إنّ المادة 762 أ.م.م. أجازت للمتعاقدين أن يدرجوا في العقد المبرم بينهم بنداً ينصّ على أن تحلّ بطريق التحكيم جميع المنازعات القابلة للصلح التي تنشأ عن صحّة هذا العقد أو تفسيره أو تنفيذه،
وحيث يقتضي تحديد ما إذا كان ما سميّ "إتفاقية 19/11/2010" والذي يتضمّن بنداً تحكيمياً يشكّل عقداً بين الفريقين،
وحيث إنّ العقد هو كلّ التآم بين مشيئة وأخرى لإنتاج مفاعيل قانونية إلزامية بحسب أحكام المادة 165 م.ع.،
وحيث إنّ قانون العقود خاضع لمبدأ حرّيّة التعاقد، فللأفراد أن يرتّبوا علاقاتهم القانونية كما يشاؤون بشرط أن يراعوا مقتضى النظام العام والآداب العامة والأحكام القانونية التي لها صفة إلزامية بحسب أحكام المادة 166 م.ع.،
وحيث من غير المنازع فيه بين الفريقين أنّ ما سمّي "إتفاقية 19/11/2010" هو نموذج إلزامي صادر عن نقابة المهندسين في بيروت يتضمّن بنداً تحكيمياً،
وحيث إنّ نقيب المهندسين في بيروت أكّد إلزامية هذه الأحكام في الكتاب المؤرّخ في 22/10/2015 والوارد إلى ملفّ الدعوى الراهنة،
وحيث إنّ إلزامية جميع الأحكام الواردة في ما سمّي "إتفاقية 19/11/2010" بالنسبة إلى الموقّعين عليه ينزع عن هذا المستند صفة العقد الوارد تعريفه في المادة 165 م.ع. والمحدّد نطاقه في المادة 166 م.ع.، باعتبار أنّ أحداً من الموقّعين عليه لا يملك سلطة تعديل الأحكام الإلزامية الواردة فيه والمقرّرة مسبقاً من قبل نقابة المهندسين في بيروت،
وحيث إنّ التوقيع على هذا المستند يعدّ شرطاً إلزامياً للاستحصال على رخصة بناء، ضمن النطاق الجغرافي التابع لنقابة المهندسين في بيروت،
وحيث سنداً لما تقدّم يمسي ما سمّي "إتفاقية 19/11/2010" لائحة مجموعة قواعد نظامية صادرة عن نقابة المهندسين في بيروت،
وحيث وإنْ كان هذا القاضي غير مختص لتحديد قانونية الأعمال الصادرة عن نقابة المهندسين في بيروت، فإنّه يبقى مختصاً في تحديد النتائج القانونية لهذه الأعمال في معرض البتّ بالدفع بعدم القبول المقدّم من المدعى عليه في الدعوى الراهنة،
وحيث إنّ المشترع لم يمنح لأيّ شخص معنوي، لاسيّما لنقابات المهن الحرّة المنظّمة بقانون، سلطة فرض التحكيم بديلاً عن القضاء العادي للبتّ في النزاعات التي يمكن أن تنشأ خلال تنفيذ موجبات تعاقدية بين أشخاص يتمتعون بالشخصية القانونية المستقلّة عن النقابة،
وحيث إنّ نصّ المادة 41 من قانون تنظيم مهنة الهندسة الذي جعل مجلس النقابة مختصاً في السعي لحلّ المنازعات فيها بين المهندسين وزبائنهم والتدخّل لحماية وتحصيل حقوق المهندسين وبدلات أتعابهم هو نصّ خاص لا يجوز التوسع في تفسيره، أو توسيع نطاق تطبيقه ليصبح لمجلس النقابة الحقّ في إصدار تنظيمات عامة تفرض التحكيم بديلاً عن القضاء العادي في نزاعات ناشئة عن ممارسة المهندسين لأعمالهم، لأنّه إذا كان للنقابة حقّ إصدار تنظيمات تطال الأشخاص الممارسين لمهنة الهندسة، فإنّ هذا الحقّ لا يمكن أن يطال أشخاصاً غير منضوين ضمن النقابة في حقوقهم، باعتبار أنّ المشترع وحده يملك حقّ إصدار أحكام ملزمة لجميع المواطنين،
وحيث لا يمكن أيضاً الاستناد إلى نصّ المادة 53 من قانون تنظيم مهنة الهندسة الذي أجاز للنقابة تحديد الشروط الإدارية والفنية لتحديد بدل أتعاب المهندس لاعتبار أنّ المشترع أجاز للنقابة فرض التحكيم بديلاً عن القضاء العادي للبتّ في النزاعات الناشئة بين المهندسين وزبائنهم، لأنّ ما ينطبق على المادة 41 المومأ إليها، ينطبق أيضاً، على المادة 53 المذكورة،
وحيث إنّ جميع الأحكام الواردة في النظام الداخلي لنقابة المهندسين في بيروت وفي نظام تسجيل المعاملات الهندسية في بيروت والتي تتضمّن أحكاماً حول إلزامية التحكيم، ليس من شأنها أن تعدّل نطاق تطبيق المادة 762 أ.م.م.، لأنّها أدنى مرتبة من القانون، أو أن تنشئ وضعاً قانونياً جديداً يطال غير المنضوين في نقابة المهندسين في بيروت،
وحيث بانتفاء وجود نصّ قانوني يجيز لنقابة المهندسين في بيروت فرض التحكيم بصورة إلزامية على جميع الزبائن المتعاملين مع المهندسين المنتمين إليها، وبانتفاء وجود بند تحكيمي تعاقدي بين الفريقين خصوصاً بعد أن تبيّن أنّ ما سمّي "إتفاقية 19/11/2010" لا يشكّل عقداً، بل تنظيماً صادراً عن نقابة المهندسين في بيروت، يمسي الدفع بعدم قبول الدعوى لوجود بند تحكيمي المقدم من المدعى عليه مستوجباً الردّ لعدم قانونيته،
ثانياً : في الموضوع،
وحيث إنّ البتّ بطلب فسخ العقد يستوجب في هذه المرحلة دعوة المدعيين والمدعى عليه للاستجواب،
لذلك، ومع حفظ البتّ بالنقاط المثارة، يقرّر:
1- ردّ الدفع بعدم الاختصاص،
2- فتح المحاكمة لإنفاذ ما ورد أعلاه، وإعادة قيد الدعوى على جدول المرافعات وتعيين نهار الخميس الواقع فيه 28/4/2016 موعداً لجلستها،
3- إبلاغ هذا القرار من فريقيّ الدعوى،
قراراً صدر وأفهم علناً في بيروت بتاريخ 5/4/2016".
(نشر في مجلّة "محكمة" – العدد 10- تشرين الأوّل 2016).

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!