مدى مسؤولية الموظّف العام في ضوء قانون الإثراء غير المشروع/سحر أبو غنيم

0 65

سحر أبو غنيم*:
إنّ القوانين التي أقرّها لبنان لمحاربة الفساد والفاسدين منذ الأربعينيات إلى اليوم قليلة جدّاً، لكنّ أبرزها قانون الإثراء غير المشروع، أو قانون من أين لك هذا؟ لكنّه ظلّ حبراً على ورق ولم يتخذّ بحقّ أيّ فاسد أو مُختلس أيّ إجراء لمعرفة من أين أصبح هذا المسؤول أو ذاك، وهذا النائب أو ذاك غنياً.
كفل الدستور اللبناني كما معظم دساتير العالم حماية الملكية الخاصة من أيّ اعتداء، فالثراء حقّ جائز لأيّ فردٍ، لكن هذا لا يعني أنّه يجوز جمع الثروة والأموال بطريقة غير مشروعة، عبر استغلال النفوذ والسلطة والوظيفة.
ومن هذا المنطلق، وضع المشرّع اللبناني قانون الإثراء غير المشروع الصادر بالمرسوم الاشتراعي الرقم 38 بتاريخ 1953/2/18، والقانون الصادر بتاريخ 1954/4/14 المتعلّق بالتصاريح المطلوب تقديمها من الموظّفين والقائمين بخدمة عامة عن ثرواتهم، بعدها ألغى القانونين وأقرّ قانون الإثراء غير المشروع رقم 154 تاريخ 1999/12/27.
وقد وقّع لبنان على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الصادرة في 2003/10/31 التي تناولت جرم الإثراء غير المشروع من بين الجرائم المنصوص عليها، وذلك بموجب القانون رقم 2008/33، لكنّه امتنع عن التوقيع على الإتفاقية العربية لمكافحة الفساد.
ظهر القانون اللبناني منذ صدوره 1999 إلى اليوم، مفتقراً إلى المحاكمات بهذا الشأن، حيث إنّه فرض على الشاكي تقديم كفالة مصرفية ذات قيمة عالية (25 مليون ليرة) عند تقديم الشكوى. وشدّد القانون على ضرورة تقديم تصريحين عن الأموال المنقولة وغير المنقولة، الأول عند بداية الخدمة والآخر عند الإنتهاء منها، ولم يشر مُطلقاً إلى وجوب تقديم التصاريح الدورية، وهذا ما يُغيّب مبدأي الرقابة والمحاسبة طوال مدّة الخدمة. وأشار إلى العقوبات التي تقع على من يُخالف هذه الإجراءات، والمبادئ التي يرعاها.
أمّا بالنسبة للقواعد الإجرائية المُتعلّقة بهذا الجرم، فقد أسندت الأصول والإجراءات إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية. وتبنت النصوص العقابية، العقوبات الواردة ضمن قواعد قانون العقوبات، ولم يُنصّ على عقوبةٍ خاصة ومُحددّة للجرم، واعتبر شأنها كشأن الجرائم الواقعة على الإدارة العامة.
لقد وضع المُشرّع قيوداً على ملاحقة الموظّف، إذ إنّه يتوجّب على النيابة العامة الإستحصال على أذونات وتراخيص من الإدارة التي ينتمي إليها الموظّف لإتمام مُلاحقته، وهذا ما يُيسّر على الموظّف الفرار من وجه العدالة ريثما تصدر الموافقة من الإدارة،بينما في قانون الإثراء غير المشروع فلا حاجة لأيّ إذن.
ويجري تحريك الدعوى بشكوى شخصية لدى النائب العام أو قاضي التحقيق، وللنائب العام الحقّ بتحريك الدعوى من تلقاء نفسه. وعلى المشتكي أن يودع مبلغ 25 مليون ليرة كفالة مصرفية كشرط عند تقديم الشكوى، ومن المؤسّف أنّ التصاريح لا تخضع للتدقيق والفحص، لأنّ القانون أغفل ذكْر أو إنشاء لجان قضائية مُختصّة تتولّى مهام التدقيق والفحص للتصاريح المُقدّمة من الموظّف. كما أنّ التصاريح بحدّ ذاتها غير قابلة للإطلاع من قبل الغير إلاّ في حال الملاحقة، وهذا ما ألغى مبدأ الشفافية في عمل الإدارة العامة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا القانون شكّل عائقاً أمام المُتضرّر، في حال صدر قرار منع محاكمة بحقّ المُدّعى عليه، فإن هذا الأمر سيُحمّل الشاكي عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة، وسيغرّم بمبلغ 200 مليون ليرة، كما أنّه سيُطالب بدفع تعويض عن الأضرار للمُدعى عليه بسبب تقديم الشكوى.
وحصر القانون مهمّة التحقيق بقاضي التحقيق الأوّل في بيروت، فهو وحده من يتولّى التحقيق والإشراف على هذه القضيّة. ونحن ننتقد هذا الأمر بشدّة، لأنّه لا يمكن تفعيل مبادئ الشفافية والمحاسبة والمساءلة، بيد شخص واحد من سُلطات التحقيق الذي يتولّى هذه المسؤولية، بالرغم من خطورة الجرم، وقياساً لعدد الأشخاص الخاضعين لهذا القانون. وهذا ما يُبرز الأهداف الدفينة في هذا القانون، إذ يصبح قاضي التحقيق عُرضةً للضغوطات السياسية التي يُمارسها الأشخاص الخارجون عن القانون، ممّا يؤدّي إلى انحراف السلطة القضائية عن مهامها، ويؤدي إلى المسّ بهيبة القضاء واستقلاله.
وعلى الرغم ممّا ذكرناه، فإنّه يجب أن نُفيد أنّ هذا القانون تمتّع بميزة إجتهادية، فأعطى صلاحية النظر بالدعوى في الدرجة الأولى لمحكمة الإستئناف الجزائية في بيروت، واعتبر محكمة التمييز هي المرجع الإستئنافي لقراراتها، وهذه الميزة تستوجب اعتماد العطف القانوني نظراً لانتفاء النصوص التشريعية التي تتناول هذا الأمر حصراً.
ومن خلال ما ورد أعلاه، وبعد الإشارة إلى كلّ الأحكام والقواعد المتعلّقة بالقانون 1999/154، يتبيّن أنّه أحد أسوأ القوانين عالمياً، بالنسبة للقواعد الإجرائية التي تختلف بمعظمها عن التشريعات العربية المُقارنة. فهو يشير بمضمونه إلى حماية الفاسدين ومعاقبة كاشفي الفساد ويُهدّد وضعهم الأمني وحرّيتهم، ممّا يوقعهم في خطر المُلاحقة ويكبّدهم همّ العقوبة إذا صدر قرار بمنع محاكمة المُدعى عليه.
كما أنّ هذا القانون منذ صدوره إلى اليوم، لم تجر مُلاحقة أيّ موظّف بموجبه، على الرغم من أنّها من أكثر الجرائم انتشاراً في لبنان وكونها سبباً من أسباب الفساد المالي والإداري، ويرجّح السبب في ذلك إلى ارتفاع قيمة الكفالة المصرفية، وحجب التصاريح، وعدم إمكانية الإطلاع عليها، ممّا يردع المُتضرّر عن التقدّم بشكوى خوفاً من الوقوع في جرم الإفتراء.
وعليه، فإنّ هذا القانون يستدعي إجراء تعديلاتٍ ضرورية بُغيّة اعتماد وتفعيل القواعد الإجرائية التي ترعاه، وتستدعي جريمة اقتراف الإثراء غير المشروع ضرورة وضع عقوبات تحدّ من الفساد المالي والإداري الذي يرتبط رسمياً بواقع الإدارة اللبنانية.
كما أنّه يتوجّب القيام بإجراء إصلاحات إدارية واسعة تُعيد ثقة المواطن بالدولة، وعلى المواطن كذلك أن يُعير إهتماماً لهذه الإصلاحات، لأنّه في بعض الأحيان يُعتبر مُحرّضاً للموظّف ويدفعه إلى القيام بأعمال فساد، في سبيل تسيير معاملاته بأقصى سرعة، ورغبةً في معرفة بعض المعلومات التي تُسيّر عمله.
*هذا المقال هو ملخّص رسالة قدّمتها الطالبة والباحثة الحقوقية سحر أحمد أبو غنيم إلى كلّية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام بعنوان"مدى مسؤولية الموظّف العام في ضوء قانون الإثراء غير المشروع في لبنان – دراسة مقارنة".
"محكمة" – الثلاثاء في 2019/10/29

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!