ممنوع مكافأة المغتصب منذ اليوم

0 22

بقلم المحامية غادة إبراهيم:
تعوّد مجتمعنا على مقاييس مقلوبة لمفهوم الشرف وتعريفه، وعوضاً أن يكون تعريف الشرف هو الصدق واحترام الآخر رجلاً أو امرأة، وعدم التعدّي على أحد واغتصاب مال الآخر وكرامته وحقّه في الحياة، لينحصر الشرف في موروثنا الثقافي بالعلاقة الجنسية غير القانونية "الشرعية" أيّ التي تكون خارج إطار الزواج مع تحميل المرأة مسؤولية هذه العلاقة.
وهكذا استبيحت كرامة المرأة وجسدها وحقّها في ظلّ قانون يحمي المغتصب بنصّ مجتمعي مقونن "المادة ٥٢٢ عقوبات" يعتبر أنّ العار لاحق بالضحية وليس بالمرتكب، وأن أهلها من فقدوا شرفهم وليس أهل المعتدي الفاقد لكلّ القيم، وأنّ زواج الضحية هو ستر للعار ودفنه.
وتعوّدت ضحايا الاغتصاب على عدم البوح به خشية معاقبتهن بالزواج من المجرم ، وحالات كثيرة كان يتمّ الإعتداء على الفتيات بهدف إرغامهن على الزواج.
تأخّر تعديل هذا القانون عشرات السنين، وهذا يدلّ على تحجّر المفاهيم لدى ممثّلي الشعب نوّابنا الكرام ، والذي يتضح أنّ أغلبهم ما زال يعيش فكرياً في مفاهيم الماضي ولم يصل بعد إلى مواكبة العصر!.
هذه المادة القانونية والتي تنصّ على إعفاء مرتكب جرائم الإعتداء الجنسي من أيّ ملاحقة قانونية عند حصول زواج بين المجرم والضحية لمدّة سنة على الأقلّ، مستندة إلى وجوب "ستر المرأة " وكأنّها تقول للجاني هذه السلعة التي استخدمتها أصبحت لك وإنّي أكافئك على فعلتك بمنحك سنة على الأقلّ بالتعدّي على ضحيتك.
كلّ هذا دون النظر إلى كرامة المرأة الضحية ومعاناتها.
أمّا وقد تمّ التعديل وألغيت هذه المادة، فقد كان من الأجدى أن تطال كافة الجرائم المنصوص عليها دون استثناء، وليكون التعديل وسيلة للتوعية عبره على احترام المرأة دون استباحتها، ودون التغرير بالقاصرات بهدف الزواج في مجتمع يعاني من جميع أنواع الإستغلال للمرأة.
على المشرّع أن يضع نفسه في موقع الضحية عند دراسة مشاريع القوانين، وأن يضع نصب عينيه حماية المجتمع وتعزيز كرامة المواطن عند القيام بالتشريع .
دائماً وعند كلّ تعديل يتقمّص المعارضون شخصية المرتكب ليضعوا مبرّرات لموقفهم الرافض وهذا مستغرب فعلاً، خصوصاً عندما يستحضرون نصوصاً دينية غير صحيحة لتأليب رأي بعض مجتمعنا على بعض.
وهذا يدعو للأسف، ويبيّن لنا أنّ هؤلاء يخدعون ناسهم ويستنجدون بأهداب الدين لأجل إبقاء مجتمعهم في حالة تخلّف، أو في حدّه الأدنى يرتكبون فعل التقصير تجاه تحمّلهم مسؤولية حماية هذا المجتمع.
حان الوقت لفصل المقدّس عن المدني، وليتركوا الدين يظهر في سلوك الناس، وليس في أقوالها!.
إستكمال العمل على تنقية القوانين من أيّ مواد مجحفة بحقّ المرأة مستمرّ وتغيير عقلية النواب تتمّ بتغييرهم.
وما استجدّ من تعديلات على المواد المتعلّقة بمجامعة قاصر، وبإغواء قاصر بقصد الزواج، إنّما هو تقصير تشريعي نتيجة ضغوط مارستها المؤسّسات الدينية، رغم أنّ لا رابط بين التشريعات المتعلّقة بالأحوال الشخصية وهذه المواد من قانون العقوبات، أيّ التي تعاقب الجرائم، إلاّ في حدود تغطية هذه الجرائم والتستّر عليها.
إنّنا في منطقة تسودها أعمال العنف والحروب والتفلّت من القوانين، وينتشر فيها السلاح، وبغياب القضاء المستقلّ والسريع، تزداد الحاجة إلى تشريعات حمائية للفئة الضعيفة في المجتمع.
وسيبقى نضالنا مستمرّاً في سبيل ذلك، وإنْ استغرق ذلك أجيالاً متعاقبة من المهتمين والناشطين، ونقول زرعوا فأكلنا، ونزرع ليأكلون.
(نشر في مجلّة "محكمة" – العدد 21- أيلول 2017)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!