مناقشة أسئلة وزيرة العدل عن كيفية الإيفاء وسعر الدولار: حاجة القضاء إلى قضاة/نهاد جبر

0 5٬666

النقيب نهاد جبر*:
تعليقًا على القرار رقم 1189 تاريخ 2021/1/28 الصادر عن معالي وزيرة العدل والذي قضى بتأليف لجنة لوضع دراسة حول عدّة مواضيع تتعلّق بمستحقّات مالية وسعر صرف الليرة اللبنانية وغيرها، لا بدّ من إبداء الملاحظات التالية:
إنّ القرار المشار إليه أعلاه، بما يعود لتأليف اللجنة استنادًا للمادة 33 من المرسوم الاشتراعي رقم 151 تاريخ 1983/9/16(تنظيم وزارة العدل)، جاء مخالفًا لنصّ هذه المادة لجهة تأليفها من قضاة عدليين عاملين، في حين أنّ تأليفها محصور بقضاة عدليين أو إداريين متقاعدين من بين القضاة الملحقين بالوزارة أو غيرهم من المحامين وسائر رجال القانون وأهل الخبرة ، ولم تنصً هذه المادة على القضاة العدليين العاملين.
وفي كلّ حال، إنّ تأليفها من قضاة عدليين عاملين، يطرح إشكالية، أنّه في حال أبدى هؤلاء رأيهم في المواضيع المطروحة أمام اللجنة، سيكونون أسيرين لرأيهم ومقيّدين به عند طرح أيّ نزاع أمامهم، بأيّ موضوع من المواضيع المذكورة في القرار أعلاه، الأمر الذي يحدّ من استقلاليتهم وتجرّدهم في القيام بمهامهم وفق ما نصّت عليه المادة 20 من الدستور، كما يخالف البند 6 من المادة 120 وما يليها من ق.أ.م.م.، ممّا قد يستدعي طلب ردّهم أو تنّحيهم من قبل أحد الخصوم في الدعوى أو يشكّل لهم إحراجًا وفق المادة 122 من ق.أ.م.م.، ما يؤدّي إلى رفع القاضي أو المحكمة يدها عن الدعوى وإحالتها إلى مرجع قضائي آخر، وهذا ما يشكّل سببًا للتأخير في البتّ بها، والحاجة في القضاء إلى قضاة حكم وليس إلى قضاة لدراسة نقاط قانونية يقوم بها سواهم.
أمّا بالنسبة للأسئلة المطروحة على اللجنة:
• السؤال الأوّل:هل يحقّ للأطراف اشتراط الإيفاء بالعملة الأجنبية، وفي حال الإيجاب هل يؤدّي بطلان البنود المحرّرة بالعملة الأجنبية كوسيلة دفع إلى بطلان الإتفاقية برمّتها؟
الجواب يكمن في قانون الموجبات والعقود. فالمادة 221 منه نصّت على أنّ العقود المنشأة على الوجه القانوني تلزم المتعاقدين ويجب أن تفهم وتفسّر وتنفّذ وفاقًا لحسن النيّة والإنصاف والعرف.
ليس في قانون الموجبات والعقود نصٌ يسمح للقاضي بتعديل مضمون العقود حتّى في حال فقدان التعادل بين الموجبات أو في حال كان العقد غير متسّم بالعدل والإنصاف أو مخالف للعرف وذلك عملًا بأحكام المادة أعلاه.،
وعليه، إنّ العقود المحرّرة بالعملة الأجنبية كوسيلة دفع ليست سببًا لإبطال العقد برمّته عملًا بأحكام المادة 233م.ع. والمثال على ذلك، أنّ عقود الإيجار المحرّرة بدلاتها بالعملة الأجنبية، وفي حال حصول نزاع حول البدلات، فتعيين البدل بالعملة الأجنبية ليس سببًا لإبطال العقد برمّته، إذ يبقى النزاع محصورًا حول البدل فقط ولا ينسحب على العقد برمّته.
• السؤال الثاني: في حال تمّ الاتفاق على التعامل بالعملة الأجنبية، هل يحقّ للمدين أن يبرئ ذمّته بالعملة الأجنبية؟الجواب على هذا السؤال ينطلق من المادة 301 م.ع. التي نصّت على:"عندما يكون الدين مبلغًا من النقود، يجب إيفاؤه من عملة البلاد.وفي الزمن العادي حين لا يكون التعامل إجباريًا بعملة الورق، يظلّ المتعاقدون أحرارًا في اشتراط الإيفاء نقودًا معدنية معيّنة أو عملة أجنبية."
وهذا ما ينسحب على السؤال الأوّل أيضًا. ممّا يفيد أنّ المدين يحقّ له إبراء ذمّته بالعملة الوطنية سندًا للمادة أعلاه ، ما لم يشترط الإيفاء بالعملة الأجنبية.
والدليل، أنّ الأحكام القضائية الصادرة مؤخّرًا استقرّت على تطبيق المادة 301 م.ع.، المتوافقة مع المادتين 7 و 192 من قانون النقد والتسليف.
• السؤال الثالث: هل يعتبر صرف الدولار المحدّد لتعاملات مصرف لبنان مع المصارف (1507,50 ل.ل.) سعرًا رسميًا لصرف الدولار، وإذا كان الجواب سلبيًا كيف يتمّ تحديد سعر صرف الدولار من قبل القضاء؟
إنّ سعر صرف الدولار المحدّد من مصرف لبنان ووزارة المالية والمعمول به من قبل الإدارات الرسمية والذي على أساسه صدرت ميزانيات وموازنات الدولة، هو على أساس 1507,50 ل.ل. للدولار الواحد وعليه جرت التعاملات بين المصارف والأفراد منذ حزيران 1999، بحيث إنّ التعديل في سعر صرف الدولار يعود لمجلس النوّاب وليس للقضاء، مع الإشارة إلى أنّ الأحكام القضائية الصادرة مؤخّرًا اعتمدت هذا السعر كسعر رسمي ، جرى اعتماده عرفًا.
• السؤال الرابع: هل يحقّ للدائن أن يرفض الإيفاء بواسطة شيك محرّر بالعملة الأجنبية إذا كانت المؤونة محجوزة لدى المصرف؟
للجواب على هذا السؤال، يقتضي العودة إلى المادة 317 م.ع. التي نصّت على أنّ الإيفاء بواسطة التحويل (الشك) يبقى خاضعًا لأحكام القانون الصادر في 1933/4/7 الذي لا يزال مرعي الإجراء، وفي هذا المجال، استقرّت اجتهادات المحاكم على اعتبار الشك المنظّم وفقًا للأصول هو وسيلة دفع وإيفاء وإبراء الذمّة، وفق ما نصّت عليه المادة 431 من قانون التجارة اللبناني.
إستنادًا للمعطيات أعلاه،
وإذا كان من حقّ وزير العدل تأليف اللجنة المشار إليها اعلاه، فإنّه يقتضي السؤال عن الغاية منها في هذه الظروف المالية الصعبة التي يمرّ بها البلد، خاصة وأنّ رأي اللجنة، ليس ملزماً ودونه عقبات عدّة، سبق الإشارة الى بعضها، وأيّ رأي مخالف ، يستوجب تعديلًا لمواد في قانون الموجبات والعقود وقانون التجارة اللبناني، وقانون النقد والتسليف وقانون أصول المحاكمات المدنية، وسيعرقل سير الدعاوى العالقة أو التي ستقدّم في ضوئها، فضلًا عن أيّ رأي اللجنة واقتراحها أيّ قانون، سيصطدم بصلاحيات لجنة الإدارة والعدل في مجلس النوّاب التي تمثُل فيها وزارة العدل بشخص الوزير أو من تنتدبه ونقابتي المحامين في بيروت وطرابلس، ومن ثمّ الهيئة العامة لمجلس النوّاب، بحيث كان من الأفعل الذهاب مباشرة إلى لجنة الإدارة والعدل في مجلس النوّاب باقتراح قانون يقدّم وفقًا للأصول. إلاّ إذا كانت الغاية من وراء تأليف هذه اللجنة، على غير ما ترمي إليه، خاصة وأنّ قرار تأليف اللجنة لم يتضّمن أسبابًا موجبة واضحة تبرّر تأليفها وخلفياتها، في حين أنّ المحاكم تبتّ في النزاعات المعروضة أمامها وأجمعت أحكامها باستقرار على المنحى الذي اتّخذته من الأحكام الصادرة عنها، بحيث إنّ تأليف هذه اللجنة، والقرار الذي سيصدر عنها سيعرقل حسن سير العدالة، في زمن لا يسمح بهدر الوقت في مسائل لا طائل منها.
وفي هذا السياق، ولأنّ ودائع الناس في المصارف ، الضائعة بين تعاميم مصرف لبنان غير القانونية، خاصة ودائع الإدخار، التي تطغى عليها ميزة الملكية التي كفلها الدستور في الفقرة "و" من مقدّمته والتي هي حجّة مطلقة على المصرف الملزم بإعادتها بالعملة المودعة بها ، عند طلبها أو عند استحقاق أجلها، وهذا ما أستقرّت اجتهادات المحاكم عليه،
ولأنّ إعادة هذه الودائع إلى أصحابها هي من مسؤولية المصارف بمجالس إداراتها والمساهمين فيها وهي مسؤولية مشتركة تضامنية وتكافلية في ما بينهم تجاه المودعين، الذين لا علاقة لهم بما قامت به هذه المصارف من عمليات مع الغير ومع مصرف لبنان،
ولأنّ الحالة التي تمنع المودعين من استعادة ودائعهم ، باتت تشكًل تهديدًا مباشرًا على الأمن الإجتماعي وعلى السلطة والنظام بأوجهه كافة ومنها النظام الإقتصادي الحرً الذي نصّ عليه الدستور،
ولأنّ حالة الضرورة التي هي من صلب النظام القانوني ، ما يحتًم على ألقضاء الوطني الممثًل بمجلس القضاء الأعلى أو الهيئة العامة لمحكمة التمييز وضع يده على المواضيع المثارة في القرار رقم 1189 تاريخ 2021/1/28 بدلًا من لجان قراراتها غير ملزمة،
ولأنّه، فضلًا عن حالة الضرورة ، إنّ مبدأ حماية النظام القانوني والناس في ملكيتهم ، تستدعي تدخّل القضاء الوطني ، دون أيّ قضاء آخر ، وذلك من خلال مجلس القضاء الأعلى أو الهيئة العامة لمحكمة التمييز ، بالمبادرة إلى:
1- استعادة القضاء الوطني سلطة البتً بالملفّات المتعلّقة بالحسابات المصرفية وتحاويلها وتهريبها.
وتوحيد الإجتهاد في ما خصً هذه النزاعات.
2- دعوة القضاة والمحاكم إلى وضع إشارة منع تصرّف على الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة ملكيتها لمصرف لبنان وللمصارف التجارية في لبنان والخارج ، على أن يشمل هذا الإجراء أموال أعضاء مجالس الإدارة والمساهمين فيها ، بناء على إفادة نفي ملكية توفّرها أمانة السجّل العقاري في بيروت ولائحة توفّرها جمعية المصارف، أو الطلب من الهيئة العامة لمحكمة التمييز تنفيذ هذا الإجراء ، أو بواسطة النيابة العامة المالية.
3- دعوة القضاة والمحاكم إلى الإسراع في البتّ بالدعاوى العالقة.
ولأنّه، رغم ما قيل ويقال، فالثقة ما تزال قائمة في القضاء اللبناني، من خلال قضاة مشهود لهم بالنزاهة والإستقلالية والجرأة،
أقدموا ، أنقذوا لبنان وشعبه.
*نقيب سابق للمحامين في بيروت.
"محكمة" – الثلاثاء في 2021/2/9

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!