من حرصه على كرامات الناس قاض يحبس نفسه/ناضر كسبار

0 1٬380

المحامي ناضر كسبار:
في مقابلة أجراها معه الإعلامي حميد طربيه في "المجلّة العربية" في العام 1994، يقول المحامي رشاد سلامة، إبن القاضي والشاعر بولس سلامة ما يأتي: يقول والدي في أحد مؤلّفاته إنّه دخل القضاء فقيرًا، وخرج منه مديونًا. وهذا يعني النزاهة التي يجب أن يتحلّى بها القاضي، فيترفّع عن حاجاته، ويمارس رسالته دون السؤال عن كسب سوى ما يتقاضاه من مرتّبه الوظيفي.
هذه الصورة عن القضاء بقيت ملازمة لبولس سلامة إلى درجة أصرّ عليّ معها لأنْ أنضمّ إلى السلك القضائي الذي له فيه تاريخ مجيد وناجح، ولولا بعض الصدفة لكنت اخترت القضاء طريقًا لكنّني استبدلت ذلك بممارسة مهنة المحاماة كونها مهنة حرّة.
يحضرني هنا ما كان يردّده والدي لمناسبة تعيينه محقّقًا عدليًا. ومعلوم أنّ سلطة المحقّق، وصلاحياته هي أوسع صلاحيات تعطى، لأنّ المحقّق يعكف على دراسة ملفّات قضايا تتعلّق بالمدعى عليه في حال الجنحة أو بالمتهم في حال الجناية، كما يتمتّع قاضي التحقيق بسلطة التوفيق. فعندما عيّن والدي محقّقًا عدليًا طلب أن يدخل السجن لمدّة 24 ساعة، كسجين، ليعيش عمليًا حالة الموقوفين والمسجونين، وليكوّن فكرة عملية عن ذلك، ليدرك معاني قرار التوقيف والسجن. أحبّ أن يعرف ما معنى أن يعاني إنسان في السجن أسبوعًا أو شهرًا أو سنة أو أكثر، بقصد أن تكون لهذه الصلاحية المهابة التي يجب أن يحترمها القاضي، فلا تصبح هذه الصلاحيات "اعتيادية" ولا يكون القاضي غائبًا عن واقع السجين، واقع حرمان الإنسان من حرّيته.
إذن كان بولس سلامة القاضي ذلك الإنسان الحريص على كرامة الناس، وقد خرج من القضاء بسبب مرضه المتمادي، ناصع الجبين وطاهر الكفّ.
***
أحكام طاحونة الخال
كان الحديث يدور بين محامين على أحكام قضائية مستغربة تصدر بدايةً وتصدّق استئنافًا بعللها. فقال المحامي طانيوس رزق:"إنّها أحكام "طاحونة الخال" قياسًا على المثل القائل "مثل الذي يطحن عند خاله"، فإبن الأخت يقول في نفسه إنّ خالي سيسامحني بالأجر، والخال يقول إنّ ابن أختي سيغضّ النظر إذا أخذت أجرًا زائدًا.
وتابع رزق موضحا:"وهكذا بعض محاكم البداية "تتكل" وتقول: محكمة الاستئناف ستصحّح الحكم إذا أخطأنا، فيجيبها "حسون" الاستئناف "طالما البداية درست الملفّ، فلنصدّقه استئنافًا"!
***
ظمطنا فيهن
كان المحامي طانيوس رزق في مكتب المحامي ناضر كسبار في النقابة ، وإذا بزميلة شابة تدخل ، استقبلها كسبار مرحباً، دون العناق والمصافحة الحارة المعروفة عنه . فقال له رزق " مواسياً ومتحسراً على ما انتهى اليه ": " اللي بوّسناهن قبل الكورونا، ظمطنا فيهن".
***
السلاح بيد الولد والأزعر
السلاح بيد الأزعر يؤذي، يجرح، يقتل. مثل قديم جديد، يضاف إليه أنّ هذا السلاح أيضًا يؤدّي النتائج ذاتها إذا كان بيد ولد أو إنسان غير مدرك وغير مسؤول.
ويجد هذا المثل مفعوله في هذه الأيّام مع وجود وسائل التواصل الإجتماعي التي باتت سلاحًا خطيرًا بيد كلّ شخص، مسؤولًا كان أو غير مسؤول. يكتب ما يشاء ويقدح ويذمّ ويشهّر بمن يشاء، دون حسيب أو رقيب، خصوصًا وأنّه من خلال متابعتنا لما يُكتب، هناك مجال يوميًا لعشرات، لا بل لمئات الملاحقات القضائية، ولكن ما النفع من إرهاق القضاء بالشكاوى بعد أن يكون اللي "ضرب ضرب واللي هرب هرب"؟
فبعد التشهير وبثّ الأخبار الكاذبة وانطباع صور معيّنة في أذهان الناس، ما النفع من صدور أحكام بعد سنوات؟ هذا مع العلم أنّ معظم من تتناولهم جرائم الذمّ والقدح والتشهير والأخبار الكاذبة ينأون بأنفسهم عن الردّ لأنّهم، كما يقال بالعامية "هم يصغرون ويكبّرون الآخر". فلا نتوقّع أن يدخل شخص مرموق في جدل مع أشخاص سخفاء لا حيثية لهم إلّا التبجّح وحبّ الظهور.
وأكثر من ذلك، فإنّ الأخبار الكاذبة قد تؤدّي إلى مشاكل ونزاعات لا تحمد عقباها. والمثل الأقوى ما حصل في الهند حيث ذهب عشرات آلاف الضحايا بسبب خبر كاذب أدّى إلى نشوب معارك ضارية في إحدى البلدات.
***
كلّ واحد بياخد صندوقو معو
من المعلوم أنّ التصويت في صناديق الإقتراع في نقابة المحامين في بيروت كان يتمّ حسب أحرف الأبجدية بحيث توزّع الصناديق من الحرف (أ) حتّى الحرف (ياء)، وفي عهد النقيب الأسبق شكيب قرطباوي أصبح يتمّ توزيع الصناديق حسب أرقام المحامين المسجّلين في النقابة بحيث ينتخب في الصندوق رقم 1 المحامون الأقدم.
وفي جلسة انتخاب النقيب وأعضاء مجلس النقابة في 16 تشرين الثاني 2003 سأل المحامي سامي عون رحمه الله عن الصندوق الذي سينتخب فيه، فأفيد أنّه في الصندوق رقم2. فضحك. وعندما سئل عن السبب قال: منذ عدّة سنوات انتخبت في الصندوق رقم 4، وفي السنة الماضية في الصندوق رقم 3، وهذه السنة في الصندوق رقم 2 وسكت.
وعندما سئل، ولكن لماذا تضحك؟ قال: لأنّني سئلت وماذا بعد الصندوق رقم 1 فأجبت كلّ واحد بياخد صندوقو معو.
***
"محكمة" – السبت في 2021/6/12

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!