هل يجوز أن ينعقد مجلس النوّاب قبل تشكيل الحكومة وإقرار الموازنة؟/جهاد اسماعيل

0 55

كتب جهاد اسماعيل*:
إنّ للسلطة التشريعية، في الأنظمة البرلمانية، سيطرة على السلطة التنفيذية، وهو المبدأ الذي يجب استخلاصه من الدستور اللبناني الذي اعتمد النظام البرلماني، كنظام سياسي للدولة، ذلك أنّ مجلس النوّاب يتولّى السلطة التشريعية، وفقاً للمادة 16 من الدستور، حين أكّدت حصرية التشريع في مجلس النوّاب، وسط جدل دستوري، ينشأ عند حالة استقالة الحكومة، لجهة مدى إمكانية المجلس النيابي في التشريع في ظلّ حكومة تصريف أعمال، علاوة على بروز إشكالية خلافية في إمكانية البرلمان اللبناني في مناقشة وإقرار قوانين عادية قبل التصويت على مشروع قانون الموازنة العامة.
إلاّ أنّ إمعان النظر، ولو قليلاً، بالسياق الدستوري المتكامل، بحسب اعتقادنا، نجد أنّ المجلس طليق في صلاحية التشريع، حتّى في ظلّ الإشكاليات المطروحة، تبعاً للنقاط التالية:
• تنصّ الفقرة الثالثة من المادة 69 من الدستور على أنّ:"عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة يصبح مجلس النوّاب حكماً في دورة انعقاد استثنائية حتّى تأليف الحكومة ونيل الثقة". إذ إنّ وظيفة استخدام المشترع الدستوري لكلمة "حتّى"، برأينا، هي "أجلية" وليست "غرضية"، أيّ يجب على المجلس النيابي أن يبقى في حالة انعقاد حتّى تأليف الحكومة سواء للتشريع أو غيره، والنصّ على إطلاقه على أيّة حال، لأنّ لو كان على خلاف ذلك، لاستخدم المشّرع كلمة "لتأليف"، حينها تصبح غرضية، أيّ في اجتماع المجلس النيابي بغرض تأليف الحكومة حصراً.
• عملاً بالمادة 75 من الدستور، فإنّ المجلس النيابي الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يعتبر هيئة إنتخابية لا تشريعية، ما يعني أنّ صلاحية المجلس في التشريع لم تقيّد إلاّ في حالة الشروع في انتخاب رئيس الجمهورية، وإلاّ لو أراد المشرّع الدستوري تقييد المجلس في التشريع، لكان أعرب عن ذلك بصورة صريحة وواضحة.
• لما كانت السوابق والأعراف تدخلان في إطار القاعدة الحقوقية، فإنّ مجلس النوّاب انعقد لمرّات عديدة في ظلّ حكومة تصريف أعمال وأقرّ قوانين عادية، من مثل: قانون العفو العام في أحداث الضنية ومجدل عنجر، القانون المتعلّق بتأجيل النظر بالمراجعات أمام المجلس الدستوري، وغيرها من القوانين التي جرى إقرارها عام 2019، ما يؤكّد إمكانية مجلس النوّاب، بحسب النصّ والممارسة السياسية، في الانعقاد للتشريع ولو في ظلّ حكومة مستقيلة.
• كما أنّ رفض التشريع، بذريعة ما نصّت عليه المادة 32 من الدستور لجهة التفرّغ في التصويت على الموازنة قبل أيّ عمل آخر، يدحض من زاوية أنّ الانعقاد الحكمي، خصوصاً في ظرف استثنائي، من شأنه أن يعطي المجلس النيابي صلاحيات استثنائية تضاف إلى صلاحياته المحدّدة في ظروف عادية، لأنّ عند التعارض بين نصّين، يجري العمل بالنصّ الخاص والاستثنائي، فكيف إذا كانت النصوص متلازمة من حيث النتائج المستقبلية! لا سيّما وأنّ إرادة المشترع في نصّ المادة 32 اتجهت إلى تحديد جدول أعمال العقد العادي الثاني دون سواه، من دون أن يسري هذا التخصيص على مضمون العقد الاستثنائي بطبيعته، وإلاّ كان قد أفصح عن ذلك صراحة.
وثمّة سابقة في هذا الاطار، فالمجلس النيابي، عام 1929، أقرّ قوانين تشريعية قبل إقرار مشروع الموازنة العامة الذي كان قيد النقاش والدرس، رغم أنّ النصّ الدستوري آنذاك كان على هذا المنوال والمقتضى، تحت مقتضيات الظروف الاستثنائية.
كما أنّ وظيفة العقود الاستثنائية، بصورة عامة، تكمن في تأمين استمرارية عجلة وسيرورة المؤسّسات الدستورية.
لذلك، لا يمكن تعطيل المجلس النيابي، بذريعة تصريف الأعمال للحكومة، واعتباره رهناً بالمؤسّسات الدستورية الأخرى، لأنّه سيّد نفسه، حيث تنبثق كلّ السلطات عنه، وإلاّ نكون في صدد محاولات للالتفاف على الدستور، وتحويل طبيعة النظام السياسي اللبناني من برلماني، بكلّ خصوصياته، إلى نظام سياسي قاعدته "الحكومة"، وهذا ما لا يمكن قبوله في المنطق الدستوري، لخروجه عن دائرة الأنظمة السياسية المعروفة، أياً كانت الممارسات أو التطبيقات هنا أو هناك!
*باحث في القانون الدستوري
"محكمة" – الاثنين في 2019/11/18

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!