هل "Covid-19" قوّة قاهرة أم ظرف طارئ وما تأثيره على العقود؟/شربل شرفان

0 144

المحامي شربل شرفان:
طرح فيروس "كورونا" المستجدّ على بساط البحث القانوني في العالم وليس فقط على الصعيد المحلّي، مسألة تأثير تفشيّه على العقود والالتزامات المدنيّة بين الأفراد من جهة، وبين الشركات من جهة أخرى، خصوصاً في ظلّ حالات حظر التجوّل في بعض البلدان، والتعبئة العامة في بلدان أخرى، وما رافق ذلك من إقفال عام للمصالح والمؤسّسات والقطاعات لمدّة طويلة ولا تزال، تعطّلت خلالها العجلة الاقتصاديّة وتأثّرت معظم العلاقات التعاقديّة من تداعياتها.
إزاء ذلك، إنقسم رجال القانون بين من اعتبر انتشار الفيروس وما رافقه قوّة قاهرة، وبين من قال بأنّه ليس سوى ظرف طارئ.
برأينا، ولكيّ نجيب على ذلك، يجب أوّلاً التفريق بين هاتين النظريّتين القانونيّتين. فالقوّة القاهرة والظرف الاستثنائي يتشابهان من حيث التعريف، فكلاهما حدث خارج عن إرادة فرقاء العقد Extérieure، وغير مرتقب Imprévisible، ولا يمكن تفاديه Irrésistible.
أمّا ما يفرّق هاتان النظريّتان، فهو النتائج لكلّ منهما، فمع القوّة القاهرة يكون لدينا استحالة في تنفيذ العقد كليّاً أو جزئيّاً فيحلّ المتعاقدين من جميع التزاماتهم تجاه بعضهم، وينتج عن ذلك فسخ العقد.
أمّا اعتماد نظريّة الظروف الطارئة والتي تتناول العقد من الناحية الاقتصاديّة، فيعني أنّ التنفيذ يُصبح مرهقاً للمتعاقدين (كذلك كليّاً أو جزئيّاً) فلا يكونون بحلّ من موجباتهم تجاه بعضهم، بل يكون بالإمكان إعادة التوازن للعقد.
ونحن من أنصار الرأي الثاني الذي يقول بأنّ فيروس كورونا لا يشكّل قوّة قاهرة بل ظرفاً طارئاً وذلك وفق ما استقرّ عليه الاجتهاد، على اعتبار أنّ تفشّي الأمراض هو من الظروف الاستثنائيّة والطارئة، ويكون أمر الفصل بذلك من اختصاص القضاء الذي لديه سلطة تقديريّة كبيرة في هذا المجال عبر دراسة كلّ قضيّة على حده، وإصدار القرار المناسب الذي من شأنه إعادة التوازن التعاقدي من جهة والحؤول دون استغلال بعض المتعاقدين الظروف الاستثنائيّة لتحقيق انتفاع على حساب المتعاقدين الآخرين بسوء نيّة.
ولناحية عقد الإيجار بشكل خاص، فإنّ اعتماد نظريّة القوّة القاهرة يعني فسخ العقد باعتبار أنّ هذه النظريّة تفترض انحلال المالك والمستأجر من موجباتهما تجاه بعضهما.
أمّا لناحية القرار الذي صدر عن محكمة الاستئناف في كولمار في فرنسا تاريخ 12 آذار 2020، وعلى خلاف ما فسّره وتناقله بعض الحقوقيّين بأنّ المحكمة فصلت في مسألة اعتبار فيروس كورونا أنّه قوّة قاهرة، وبعد التدقيق في هذا القرار ووقائع القضيّة، لا بدّ لنا بدايةً أن نُشير إلى أنّ هذا القرار تناول مسألة حجر وإقامة الأجانب وقد برّرت المحكمة في حيثيّاته عدم تمكّن السيّد Victor G (من جنسيّة أجنبيّة) من حضور جلسة المحاكمة بسبب الحجر خشية أن يكون مُصاباً بالفيروس ما يشكّل خطر انتقال العدوى إلى الغير.
وقد اعتبرت المحكمة أنّ الأوضاع التي يشهدها العالم بسبب تفشّي الفيروس هي أوضاع استثنائيّة، وأنّ عدم تمكّن هذا الشخص من حضور الجلسة هو بسبب ظروف استثنائيّة Circonstances Exceptionnelles لا يمكن التغلّب عليها Insurmontables والتي تظهر فيها عناصر القوّة القاهرة révèlent le caractère de la force majeure.
يتبيّن لنا من خلال ذلك أنّ المحكمة الفرنسيّة لم تعتبر الفيروس المستجدّ قوّة قاهرة، هذا بالإضافة إلى أنّه لا يمكن اعتبار هذا القرار اجتهاداً لأنّه صدر في بداية الأزمة وهو غير معلّل بالشكل الكافي، وبرأينا لا يجوز توسيع إطار تطبيق قرار يتعلّق بمسألة تنظيم إقامة الأجانب ليشمل العلاقات التعاقديّة والموجبات المحدّدة فيها لعدم جواز قياس ذلك على مختلف العلاقات التعاقديّة التي تكون غالباً متشعّبة ومعقّدة، إذ إنّه وبكلّ بساطة، كان بإمكان هذا الشخص الحضور حتّى في ظلّ تفشّي الفيروس لو لم يكن هو مُصاباً به بالذات (أو مشكوكاً في إصابته)، تماماً كما لو لم نكن في ظلّ انتشار الفيروس وكان هذا الشخص في غرفة الجراحة لإجراء عمليّة قلب مفتوح مثلاً لكان ذلك منعه أيضاً من الحضور ولكانت المحكمة صنّفت الحدث الذي منعه من الحضور بأنّه يُظهر عناصر القوّة القاهرة!
"محكمة" – الخميس في 2020/4/16

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!