مقالات

جريمة التعذيب في القانون الدولي واقتراحات للجم العمالة/عباس دبوق

المحامي الدكتور عباس دبوق:
ظنّ المدعو عامر الياس الفاخوري أنّ السنين التى اندحر فيها عن لبنان وغيابه القسري عن الاستمرار المادي لجرائمه الخطيرة في التعذيب الذي تمظهر بفنون وأشكال متنوّعة غير إنسانية ومتوحّشة بحقّ السكّان الآمنين المدنيين بسبب عمالته وخيانته لوطنه، ظنّ ستمحوها مرور السنين ، وأنّ عودته إلى لبنان متسلّحاً بجواز سفر أميركي سيحميه من المسألة والعقاب.
وإنْ كانت القوانين الوطنية الراهنة تسمح له تسوية المذكّرات والأحكام القضائية الناعمة الصادرة بحقّه، بان وجه موسوم بالخيانة واسمه موصوف بالعمالة، وأنّ أفعاله الجرمية القذرة بحقّ أهلنا وأرضنا الطاهرة باقية تنتظر لحظة محاكمته وقصاصه ليعتبر من يفترض أن يعتبر، فاتضح أنّ جروح معتقلي الخيام لم تندمل وقت وصول جلاّدهم إلى مطار دولتهم. وبعودته أعاد رسم صور تضجّ بها محفظته المليئة بالخيانة للوطن وبجرائم التعذيب المعاقب عليها في القانون الدولي والتي بالتأكيد لا تخضع للتقادم بمرور الزمن القانوني ولا الأخلاقي ولن تمحوها أيد خفية امتدت خلسة لتسطو على كرامة المعذّبين من معتقلي الخيام وضحاياه هو وأمثاله، والذين بذلوا الغالي والنفيس لصون طهارة أرضهم وعرضهم وشموخ وطنهم.
ولأنّ حقّ الإنسان في عدم التعرّض للتعذيب أولوية في سلّم أولويات القانون الدولي الانساني، عملت المواثيق الدولية والدساتير والقوانين الوطنية على تعزيز مكانة الإنسان وتوفير الحماية والصيانة التامة له باعتباره أساس المجتمع ، تحميه من التعسف والظلم وممارسة التعذيب بكافة أشكاله. فاعتبر التعذيب من أقسى صور انتهاكات حقوق الإنسان، ففيه اعتداء على حقّ الإنسان في السلامة الجسدية، وذلك من خلال إلحاق الآلام والمعاناة البدنية والعقلية وفقدان الحقّ في الحياة فضلاً عمّا في أساليب التعذيب من امتهان لكرامة الإنسان وإهدار لآدميته.
فالجرائم الخطيرة المنسوبة للعميل الفاخوري وأمثاله والأحكام الناعمة الصادرة بحقّه، وإنْ كانت سقطت بمرور الزمن وفقاً لقانون العقوبات، فهي لا تعفيهم من المساءلة والعقاب فأفعالهم بحقّ الوطن والمجتمع وتعذيب السكّان الآمنين المدنيين تعتبر خيانة وطنية وجرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية وفقاً لما يلي:
تتضمّن اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاها الإضافيان لعام 1977 عدداً من الأحكام التي تحظّر على نحو قاطع المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، والاعتداء على الكرامة الشخصية. وعلى سبيل المثال، يحظّر التعذيب طبقاً للمادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف، والمادة 12 في الاتفاقية الأولى والاتفاقية الثانية، والمادتان 17 و87 في الاتفاقية الثالثة والمادة 32 في الاتفاقية الرابعة، وتحظّر التعذيب المادة 75-2 أ) وهـ) في البروتوكول الإضافي الأول، والمادة 4-2 أ) وح) في البروتوكول الإضافي الثاني. وفي النزاعات المسلّحة الدولية، يشكّل التعذيب مخالفة جسيمة في إطار المواد 50 و51 و130 و147 الواردة على التوالي في هذه الاتفاقيات الأربع. ووفقاً للمادة 85 من البرتوكول الإضافي الأوّل لعام 1977، تُعدّ هذه المخالفات جرائم حرب. وفي النزاعات المسلّحة غير الدولية، يُعدّ التعذيب انتهاكاً خطيراً.
إنّ حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية الحاطة من قدر الإنسان قائم أيضاً في مجال القانون الدولي، والعالمي، والإقليمي لحقوق الإنسان.
فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 5)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 7)، واتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية (المادة 3)، واتفاقية البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان (المادة 5-2)، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (المادة 5)، والميثاق العربي لحقوق الإنسان (المادة 8)، إنّما تتضمّن أحكاماً ذات صلة بهذا الحظر.
وكذلك فبموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يشكّل التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة من قدر الإنسان جريمتي حرب في إطار المادة 8(2)(أ)(1″)(3″)(11″) و(2)(1″)(2″)، وجريمتين ضدّ الإنسانية في إطار المادة 7(1)(و) و(ك) من نظام روما الأساسي.
والسؤال ما هو موقف القانون الوطني؟
من المفترض أن تعكس الدساتير الوطنية أو غيرها من التشريعات الأساسية، وقانون العقوبات والقانون المدني والقانون الإداري هذه الأحكام الدولية، تجريم أفعال التجريم أياً كان االفاعل أو الشريك أو المحرّض ومن المفترض أن ِتُدرج أيضاً حظر تقادم جرائم التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة من قدر الإنسان المرتكبة من أشخاص فاعلين طبعيين أو معنويين يشكّلون خطراً على الأمن القومي أمثال العملاء والإرهابيين التكفيريين.
وتأسيساً على ما تقدّم لا بدّ للدولة ولسلطاتها كافة التنفيذية والتشريعية والقضائية، ملاقاة تحرّك أهالي وعوائل الشهداء والأسرى والجرحى المتضرّرين من العملاء حيث إنّ هذه القضيّة لم تكن قضيتهم وحدهم، بل قضيّة كلّ الوطن وباتت قضية إنسانية بامتياز والمبادرة إلى:
1- الدعوة إلى سنّ تشريع وطني عاجل وبأثر رجعي يتقاطع مع أحكام القانون الدولي الانساني يعتبر الجرائم التي قام بها أمثال العميل عامر الفاخوري مستمرّة واعتبارها جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية والبدء بمحاكمته وإنزال أشدّ عقوبة بحقّه وهي الاعدام.
2- مبادرة الدولة اللبنانية إلى تقديم دعوى جنائية بحقّ الكيان الصهيوني والعميل الفاخوري أمام المحكمة الجنائية الدولية وفقاً لنظامها الأساسي ولنظام روما الأساسي تضمن بها حقوق مواطنيها ممن تعرّضوا لجريمة التعذيب.
3- مبادرة ضحايا جرائم العميل الفاخوري وعلى نفقة الحكومة اللبنانية، إلى إقامة دعاوى جزائية بحقّه أمام المحاكم الأميركية والأوروبية للمطالبة بمحاكمة هذا المجرم وبالمطالبة بتعويضات وحفظ حقوقهم.
“محكمة” – الأحد في 2019/9/15

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!