4 آب 2020 اليوم المشؤوم في تاريخ لبنان/ناضر كسبار

0 1٬040

المحامي ناضر كسبار:
يا عدرا…قصفونا بصاروخ.
بهذه العبارة صرخت فور تفجير مرفأ بيروت.
وبدأت سلسلة العذاب نركض من مستشفى إلى مستشفى، والنزيف في الرأس واليد والإصبع لا يتوقّف خصوصًا وأنّني آخذ دواء الاسبيرين المسيّل للدم منذ عشرين سنة.
الجرحى في الطرقات، وفي زوايا الطرقات. يومها علمت أنّ ما يصوّرونه في الأفلام صحيح، لا بل هم يقصّرون في تصوير حالات القتل والجرح والهدم والدمار في كلّ مكان.
رأيت الموت أمام عيني…نعم. وارتسمت صورة المحامي الحبيب سليمان سكاكيني أمامي والذي توفّى بعد أن "صفّى" دمه. وارتسمت صورة عائلتي وكيف سيكملون حياتهم من بعدي… وكيف سيعيشون، وكيف سيتألّمون على فراقي.
نعم… كلّها صور ارتسمت أمامي والنزيف القوي لا يتوقّف. وبعد عدّة ساعات، وافق إبن شقيقي الدكتور داني على أن أذهب إلى مستشفى جبل لبنان بعد أن قال لي إنّ هناك آلاف القتلى والجرحى في كافة أرجاء المستشفى وفي الباحات الخارجية بعد أن دمّرت عدّة مستشفيات أخرى ولم تعد قادرة على استقبال الجرحى.
وأثناء نزع "المحبس" من إصبعي الممزّق غبت عن الوعي بسبب الوجع القوي. وبعد أن تلقيت عشرات الابر قبل تقطيب الرأس. وفي صورة "السكانر" تبيّن وجود "كسر" في يدي وفي أدقّ منطقة "على الكوع" حيث أجريت لي عملية جراحية دقيقة جدًّا دامت خمس ساعات. ولا تزال الأوجاع والمعاناة كما هي حتّى الساعة.
نعم… فُجّرت بيروت … ومن أجل ماذا؟ وبسبب ماذا؟ ومات مئات الضحايا وأصيب آلاف الجرحى. منهم من فقد عينه، ومنهم من لا يزالون يعانون من عطل دائم ويجرون العمليات الجراحية الواحدة تلو الأخرى حتّى تاريخه. والفاعلون والمشتركون والمقصّرون والمستلشقون والمستهترون لا يزالون أحرارًا، وهم قد يعلمون أو قد لا يعلمون أنّه إذا لم تطلهم عدالة الأرض، فإنّ عدالة السماء سوف تطالهم.
وإلى بيروت الجريحة… بيروت الثكلى… سوف تعودين على الرغم من الطعنات التي تتلقينها. أنت الحبّ والجمال والأناقة والثقافة والعلم… أمّ الشرائع ومرضعة القوانين.
ستعودين المدينة التي لا تنام قبل أن تسلّم الليل للنهار. ستقومين بفخر وشموخ مثل طائر الفينيق، وتنتعشين من جديد. وستبقين المدينة الأجمل في العالم. أنت صاحبة الجمال الطبيعي، أمّا المدن الأخرى التي تنافسك فجمالها مصطنع.
أنت التي لا بديل عنك، ومهما طعنوك سوف تبقين المدينة التي تضجّ بالحياة.
وإلى أهل بيروت الآمنين الذين أصيبوا قتلًا وجرحًا وتدميرًا. لا تيأسوا، ولا تقنطوا. نحن هنا. سوف نقف في وجه أهل الظلم والإستبداد والإستغلال والإستخفاف، ونحاسبهم ونلاحقهم حتّى الرمق الأخير. لن نسامحهم على ما ارتكبت أياديهم في الرابع من آب 2020، اليوم المشؤوم في تاريخ لبنان.
"محكمة" – الثلاثاء في 2021/8/3

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!