القضاء ينطق باسم الشعب اللبناني وليس باسم دين أو طائفة/سامي منصور

0

القاضي سامي منصور:
للنظام العام مفهوم وطني شامل على مساحة 10452 كلم2، دون تمييز بين دين أو طائفة. وهو ما عبّرت عنه صراحة محكمة الاستئناف المدنية في لبنان الجنوبي في قرارها رقم 92/56 تاريخ 1992/11/3 قضيّة لطيفة البغدادي ضدّ عناية الزين- وصية المرحوم أمين الديراني- على أنّ النظام العام اللبناني هو الذي يتعلّق بشعور الجماعة الوطنية، ومخالفته "ينبغي أن تمسّ شعور الجماعة الوطنية وقيمها الراسخة، وليس فقط ما يمسّ شعور فئة من اللبنانيين وقيم هذه الفئة.
وحيث على ضوء ما تقدّم، فإنّ إقدام مواطن لبناني شيعي في كندا، حيث أقام واكتسب جنسية كندا وحيث توفي ودفن على الإيصاء بكلّ أمواله لزوجته ضمن شروط عينها الموصي لا يكون إيصاؤه منطوياً على ما يخالف النظام العام اللبناني، إذ شتّان ما بين المخالفة للنظام العام اللبناني، والمخالفة لنظام الإيصاء عند الطائفة الشيعية".
وقد أبرم هذا القرار تمييزاً بالقرار الصادر عن الغرفة الثانية لدى المحكمة رقم 1993/42 تاريخ 1993/7/1. وقد عادت الغرفة الخامسة لدى المحكمة التمييز رقم ١٢٤ تاريخ 2008/11/13، إلى تأكيد نفس الحل (قضية باز / رزق).
وكان قد سبق لمحكمة بداية جبل لبنان المدنية في قرارها رقم 88/14 تاريخ 1988/3/17 (قضية جنانجي) أن أطلقت نفس القاعدة برئاسة القاضي الذي نفتقده موسى كلاس. جاء في القرار: "أن أنظمة الأحوال الشخصية اللبنانية متعددة بتعدد طوائفه ومذاهبه، وأن هذه الأنظمة التي يقرها القانون الوضعي اللبناني ويعترف بها تحتوي على أحكام متناقضة ومتضاربة أحياناً مما يدفع إلى التساؤل في ما إذا كانت مخالفة القرار الأجنبي لقاعدة جوهرية من قواعد الأحوال الشخصية لطائفة لبنانية يعتبر مخالفاً للنظام العام اللبناني في الوقت التي تقرها أو تقر عكسها طائفة أو طوائف لبنانية أخرى.
"وحيث أنه يستنتج مما تقدم أن مفهوم النظام العام اللبناني لا يمكن أن يكون هو ذاته مفهوم النظام العام لطائفة معينة من الطوائف اللبنانية".
ما قرّره قضاؤنا اللبناني عندما كان هنالك قضاة لبنانيون، لا نوادٍ ولا مجموعات ولا تجمعات، هو الحقيقة، وهو ما ينعكس على مختلف الصعد. فالقيادة في لبنان هي على مستوى الوطن وليس على مستوى الطوائف. والوطنية في لبنان لا تكون بالطوائف. فمن ينتصر لدين أو طائفة ويتحدّث عن حقوق المسيحيين وآخرين عن حقوق المسلمين، هم قيادات دينية أو مذهبية، والقيادة هي لكلّ لبنان وعلى كافة مساحة الوطن، لا على مساحة طائفة او مذهب. كفانا ما دفعنا من ثمن نتيجة الطوائفية والمذهبية، والإقتتال في الطائفة الواحدة أو في المذهب الواحد، أو نتيجة إرهاب طائفة أو مذهب، وهو ثمن لا يطاق. فالطائفة أو المذهب لم تكن يوماً إلا ضمانة وامتيازات يحقّقها أفراد فيها. الضمانة هي في الوطن. وهو ما عبرت عنه الأحكام القضائية المذكورة.
فالقضاء هو من ينطق باسم الشعب اللبناني، وليس باسم دين أو طائفة، ينطقه بصدق وموضوعية، دون تمثيل أو تصنع أو ترضية خواطر. وبالإذن من كل من يعتبر نفسه ممثّلاً للأمّة!
"محكمة" – الأحد في 2019/5/26

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!